درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۴۳: اجتماع امر و نهی ۴۱

 

ومنها : أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

وقد أورد عليه ـ في القوانين (١) ـ : بأنّه مطلقا ممنوع (٢) ، لأنّ في ترك الواجب أيضا مفسدة إذا تعيّن (٣).

ولا يخفى ما فيه (٤) ، فإنّ الواجب ـ ولو كان معيّنا ـ ليس إلّا لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة. كما أنّ الحرام ليس إلّا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.

ولكن يرد عليه (٥) : أنّ الأولويّة مطلقا ممنوعة ، بل ربما يكون العكس أولى (٦) ، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرّمات مع ترك بعض الواجبات ، خصوصا مثل الصلاة وما يتلو تلوها.

ولو سلّم فهو أجنبيّ عن المقام (٧) ، فإنّه فيما إذا دار بين الواجب والحرام ، ولو سلّم فإنّما يجدي فيما لو حصل القطع.

__________________

(١) قوانين الاصول ١ : ١٥٣.

(٢) أي : أنّ الأولويّة على إطلاقها ممنوعة.

(٣) والحاصل : أنّ الاستدلال بأولويّة دفع مفسدة المنهيّ عنه من جلب منفعة المأمور به على تقديم الأمر على النهي إنّما يتمّ فيما لم يكن في ترك الواجب مفسدة ، كالواجبات التخييريّة ؛ وأمّا في غيرها ـ من الواجبات العينيّة ـ فلا ، فإنّ في تركها أيضا مفسدة. وحينئذ يدور الأمر بين المفسدتين : مفسدة فعل الحرام ـ كالغصب ـ ومفسدة ترك الواجب ـ كالصلاة ـ ، وبما أنّ مفسدة ترك الواجب أهمّ فتقدّم دفعها بفعل الواجب ، وهو معنى تقديم الأمر على النهي.

(٤) أي : فيما أفاد صاحب القوانين. وحاصله : أنّه لا مفسدة في ترك الواجب ، بل إنّما يكون في فعله المصلحة ، كما أنّه لا مصلحة في ترك الحرام ، بل إنّما يكون في فعله مفسدة ، وإلّا لكان اللازم أن ينحلّ كلّ حكم إلى حكمين : أحدهما متعلّق بالفعل والآخر بالترك ، وهو كما ترى.

(٥) أي : يرد على الاستدلال بأولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة.

(٦) أي : قد يكون جلب المنفعة أولى من دفع المفسدة. وهو فيما إذا كانت منفعة المأمور به في غاية القوّة ومفسدة المنهيّ عنه في غاية الضعف.

(٧) فإنّ الترجيح به إنّما يناسب ترجيح المكلّف واختياره للفعل أو الترك بما هو أوفق بغرضه ، لا المقام وهو مقام جعل الأحكام ، فانّ المرجّح هناك ليس إلّا حسنها أو قبحها العقليّان ، لا موافقة الأغراض ومخالفتها كما لا يخفى ، تأمّل تعرف. منه [أعلى الله مقامه].

ولو سلّم أنّه يجدي ولو لم يحصل (١) فإنّما يجدي (٢) فيما لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال ، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة التعيينيّين ، لا فيما يجري ، كما في محلّ الاجتماع ، لأصالة البراءة عن حرمته ، فيحكم بصحّته ، ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشكّ في الأجزاء والشرائط ، فإنّه لا مانع عقلا إلّا فعليّة الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلا ونقلا.

نعم ، لو قيل بأنّ المفسدة الواقعيّة الغالبة مؤثّرة في المبغوضيّة ولو لم تكن الغلبة بمحرزة(٣) ، فأصالة البراءة غير جارية ، بل كانت أصالة الاشتغال بالواجب ـ لو كان عبادة ـ محكّمة ، ولو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء والشرائط ، لعدم تأتّي قصد القربة مع الشكّ في المبغوضيّة ، فتأمّل (٤).

__________________

(١) أي : ولو لم يحصل القطع بالأولويّة.

(٢) وفي بعض النسخ : «فإنّما يجري» ، والأولى ما أثبتناه ، بل هو الظاهر من المخطوطة الأصليّة.

(٣) كما هو غير بعيد كلّه ، بتقريب : أنّ إحراز المفسدة والعلم بالحرمة الذاتيّة كاف في تأثيرها بما لها من المرتبة ، ولا يتوقّف تأثيرها كذلك على إحرازها بمرتبتها. ولذا كان العلم بمجرّد حرمة شيء موجبا لتنجّز حرمته على ما هو عليه من المرتبة ولو كانت في أقوى مراتبها ، ولاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدّتها ، كما لا يخفى.

هذا ، لكنّه إنّما يكون إذا لم يحرز أيضا ما يحتمل أن يزاحمها ويمنع عن تأثيرها المبغوضيّة. وأمّا معه فيكون الفعل كما إذا لم يحرز أنّه ذو مصلحة أو مفسدة ممّا لا يستقلّ العقل بحسنه أو قبحه ، وحينئذ يمكن أن يقال بصحّته عبادة لو اتي به بداعي الأمر المتعلّق بما يصدق عليه من الطبيعة بناء على عدم اعتبار أزيد من إتيان العمل قربيّا في العبادة وامتثالا للأمر بالطبيعة وعدم اعتبار كونه ذاتا راجحا. كيف ويمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتا راجحات ، بل إنّما يكون كذلك فيما إذا أتي بها على نحو قربيّ؟ نعم ، المعتبر في صحّته عبادة إنّما هو أن لا يقع منه مبغوضا عليه ، كما لا يخفى. وقولنا : «فتأمّل» إشارة إلى ذلك. منه [أعلى الله مقامه].

(٤) وحاصل ما أفاد المصنّف في الوجه الرابع من وجوه الردّ على الاستدلال بأولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة لثبوت ترجيح النهي : أنّه لو سلّمنا أنّ الأولويّة المذكورة يجدي وإن لم يحصل القطع بها وقلنا بكفاية الظنّ بالأولويّة في ترجيح النهي على الأمر ، فالاستدلال إنّما يجدي فيما إذا لم تجر فيه أصل البراءة أو الاشتغال ، كما في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم ، حيث لا يجري فيه أصل البراءة ـ للعلم بالإلزام ـ ولا أصل الاشتغال ـ لعدم ـ