درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۴۴: اجتماع امر و نهی ۴۲

 

ولو سلّم أنّه يجدي ولو لم يحصل (١) فإنّما يجدي (٢) فيما لا يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال ، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة التعيينيّين ، لا فيما يجري ، كما في محلّ الاجتماع ، لأصالة البراءة عن حرمته ، فيحكم بصحّته ، ولو قيل بقاعدة الاشتغال في الشكّ في الأجزاء والشرائط ، فإنّه لا مانع عقلا إلّا فعليّة الحرمة المرفوعة بأصالة البراءة عنها عقلا ونقلا.

نعم ، لو قيل بأنّ المفسدة الواقعيّة الغالبة مؤثّرة في المبغوضيّة ولو لم تكن الغلبة بمحرزة(٣) ، فأصالة البراءة غير جارية ، بل كانت أصالة الاشتغال بالواجب ـ لو كان عبادة ـ محكّمة ، ولو قيل بأصالة البراءة في الأجزاء والشرائط ، لعدم تأتّي قصد القربة مع الشكّ في المبغوضيّة ، فتأمّل (٤).

__________________

(١) أي : ولو لم يحصل القطع بالأولويّة.

(٢) وفي بعض النسخ : «فإنّما يجري» ، والأولى ما أثبتناه ، بل هو الظاهر من المخطوطة الأصليّة.

(٣) كما هو غير بعيد كلّه ، بتقريب : أنّ إحراز المفسدة والعلم بالحرمة الذاتيّة كاف في تأثيرها بما لها من المرتبة ، ولا يتوقّف تأثيرها كذلك على إحرازها بمرتبتها. ولذا كان العلم بمجرّد حرمة شيء موجبا لتنجّز حرمته على ما هو عليه من المرتبة ولو كانت في أقوى مراتبها ، ولاستحقاق العقوبة الشديدة على مخالفتها حسب شدّتها ، كما لا يخفى.

هذا ، لكنّه إنّما يكون إذا لم يحرز أيضا ما يحتمل أن يزاحمها ويمنع عن تأثيرها المبغوضيّة. وأمّا معه فيكون الفعل كما إذا لم يحرز أنّه ذو مصلحة أو مفسدة ممّا لا يستقلّ العقل بحسنه أو قبحه ، وحينئذ يمكن أن يقال بصحّته عبادة لو اتي به بداعي الأمر المتعلّق بما يصدق عليه من الطبيعة بناء على عدم اعتبار أزيد من إتيان العمل قربيّا في العبادة وامتثالا للأمر بالطبيعة وعدم اعتبار كونه ذاتا راجحا. كيف ويمكن أن لا يكون جلّ العبادات ذاتا راجحات ، بل إنّما يكون كذلك فيما إذا أتي بها على نحو قربيّ؟ نعم ، المعتبر في صحّته عبادة إنّما هو أن لا يقع منه مبغوضا عليه ، كما لا يخفى. وقولنا : «فتأمّل» إشارة إلى ذلك. منه [أعلى الله مقامه].

(٤) وحاصل ما أفاد المصنّف في الوجه الرابع من وجوه الردّ على الاستدلال بأولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة لثبوت ترجيح النهي : أنّه لو سلّمنا أنّ الأولويّة المذكورة يجدي وإن لم يحصل القطع بها وقلنا بكفاية الظنّ بالأولويّة في ترجيح النهي على الأمر ، فالاستدلال إنّما يجدي فيما إذا لم تجر فيه أصل البراءة أو الاشتغال ، كما في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم ، حيث لا يجري فيه أصل البراءة ـ للعلم بالإلزام ـ ولا أصل الاشتغال ـ لعدم ـ

ومنها : الاستقراء ، فإنّه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب ، كحرمة الصلاة في أيّام الاستظهار وعدم جواز الوضوء من الإنائين المشتبهين.

وفيه : أنّه لا دليل على اعتبار الاستقراء ما لم يفد القطع.

ولو سلّم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار.

ولو سلّم فليس حرمة الصلاة في تلك الأيّام ولا عدم جواز الوضوء منهما مربوطا بالمقام ، لأنّ حرمة الصلاة فيها إنّما تكون لقاعدة الإمكان (١) والاستصحاب المثبتين لكون الدم حيضا ، فيحكم بجميع أحكامه ومنها حرمة الصلاة عليها ، لا لأجل تغليب جانب الحرمة كما هو المدّعى. هذا لو قيل بحرمتها الذاتيّة في أيّام الحيض ، وإلّا فهو خارج عن محلّ الكلام.

ومن هنا انقدح : أنّه ليس منه (٢) ترك الوضوء من الإنائين ، فإنّ حرمة الوضوء من الماء النجس ليس إلّا تشريعيّا ، ولا تشريع فيما لو توضّأ منهما احتياطا ، فلا حرمة في البين غلب جانبها. فعدم جواز الوضوء منهما

__________________

ـ القدرة على الموافقة القطعيّة ـ ، كالمرأة المردّدة بين من يجب وطؤها ومن يحرم لأجل الحلف.

وأمّا في المقام : فلا يجدي ، لجريان أصل البراءة عن حرمة الصلاة. ومع جريانه لا مانع من الحكم بصحّتها أصلا ، ضرورة أنّ المانع عنه إنّما هو الحرمة الفعليّة ، والمفروض أنّها مرتفعة بأصالة البراءة عن الحرمة ، وهي بعد ارتفاعها قابلة للتقرّب بها ، فتقع صحيحة.

ولمّا كان المقام غير داخل في كبرى مسألة الأقلّ والأكثر فلا يتوقّف جريان البراءة عن الحرمة على جريانها في موارد الشكّ في الأجزاء والشرائط ، بل تجري في المقام ولو قلنا بعدم جريانها في تلك الموارد. والوجه في ذلك أنّه ليس الشكّ هنا في مانعيّة شيء عن المأمور به واعتبار عدمه فيه ، بل الشكّ إنّما هو في حرمة هذه الحركات.

نعم ، لو قلنا بأنّ المفسدة الواقعيّة الغالبة مؤثّرة في المبغوضيّة ولو لم تكن محرزة فلا تجري أصالة البراءة ، بل لا مناص من الالتزام بقاعدة الاشتغال ، لأنّ مع احتمال غلبة المفسدة في الواقع لا يمكن قصد القربة.

(١) ومضمونها : «كلّ دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض».

(٢) أي : من محلّ الكلام. وهو دوران الأمر بين الوجوب والحرمة.