درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۵۲: نهی مقتضی فساد از ضدش ۶

 

الصحّة والفساد فيه (١) حكمين مجعولين ، لا وصفين انتزاعيّين.

نعم ، الصحّة والفساد في الموارد الخاصّة لا يكاد يكونان مجعولين ، بل إنّما هي تتّصف بهما بمجرّد الانطباق على ما هو المأمور به (٢). هذا في العبادات.

وأمّا الصحّة في المعاملات : فهي تكون مجعولة ، حيث كان ترتّب الأثر على معاملة إنّما هو بجعل الشارع وترتيبه عليها ولو إمضاء ، ضرورة أنّه لو لا جعله لما كان يترتّب عليه (٣) ، لأصالة الفساد.

نعم ، صحّة كلّ معاملة شخصيّة وفسادها ليس إلّا لأجل انطباقها مع ما هو المجعول سببا وعدمه (٤) ، كما هو الحال في التكليفيّة من الأحكام ، ضرورة أنّ اتّصاف المأتيّ به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس إلّا لانطباقه مع ما هو الواجب أو الحرام (٥).

__________________

(١) أي : في غير الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ.

(٢) هكذا في النسخ : والأولى أن يقول : «بمجرّد انطباق المأمور به عليها».

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «عليها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى المعاملة.

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «لأجل انطباق ما هو المجعول سببا عليها وعدمه» أي : عدم انطباقه على المعاملة.

(٥) والأولى أن يقول : «لانطباق ما هو الواجب أو الحرام عليه». ونلخّص ما أفاده ذيل قوله : «تنبيه» في عدّة نقاط :

الأولى : ما أشار إليه بقوله : «لا شبهة في أنّ الصحّة ...» ، وهو أنّ الصحّة الكلاميّة ـ وهي موافقة الأمر أو الشريعة ـ أمر انتزاعيّ منشؤه انطباق المأمور به على المأتيّ به.

الثانية : ما أشار إليه بقوله : «وأمّا الصحّة عند الفقيه فهي من لوازم الإتيان بالمأمور به ...». وحاصله : أنّ الصحّة عند الفقيه بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الأوّليّ من الامور الواقعيّة ، فإنّها من اللوازم العقليّة للإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ ، كاستحقاق العقوبة والمثوبة ، فليست مجعولة كما ليست انتزاعيّة ، بل هي أمر واقعيّ يحكم به العقل.

الثالثة : ما أشار إليه بقوله : «وفي غيره فالسقوط ربما يكون مجعولا ...». وحاصله : أنّ الصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الثانويّ أو الأمر الظاهريّ مجعولة فيما إذا لم يكن المأمور به وافيا بملاك الواقع وأمكن تداركه ، فكان مقتضى القضاء أو الإعادة ثابتا ويحكم ـ

__________________

ـ الشارع بسقوطهما تخفيفا على العباد.

الرابعة : ما أفاده بقوله : «نعم ، الصحّة والفساد في الموارد الخاصّة لا يكاد يكونان مجعولين ، بل إنّما هي تتّصف بهما بمجرّد الانطباق على ما هو المأمور به». ومحصّله : أنّ الصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى غير الأمر الواقعيّ الأوّليّ لا تكون مجعولة فيما إذا كان المأمور به وافيا بملاك الواقع بحيث ينطبق عليه المأمور به.

ولكن في كلامه هذا وجهان :

الأوّل : أن يكون مراده من عدم مجعوليّتها أنّها انتزاعيّة ، إذ هي تنتزع عن انطباق المأمور به على المأتيّ به ، كما تنتزع الصحّة الكلاميّة عن مطابقة المأتيّ به مع المأمور به.

الثانى : أن يكن مراده أنّها أمر واقعيّ يحكم به العقل. فوزان الصحّة هنا وزان الصحّة في الأمر الواقعيّ الأوّلي في كونها من الامور الواقعيّة واللوازم العقليّة للإتيان بالمأمور به.

والظاهر من كلامه هو الأوّل.

الخامسة : ما أشار إليه بقوله : «وأمّا الصحّة في المعاملات ...». وهو أنّ الصحّة في المعاملات الكلّيّة ـ كالبيع والإجارة والصلح وما شاكلها ـ مجعولة شرعا ، فإنّ الصحّة في المعاملات ـ بمعنى ترتّب الأثر عليها ـ أمر بيد الشارع.

السادسة : ما أفاده بقوله : «نعم ، صحّة كلّ معاملة شخصيّة ...» ، يعني : أنّ الصحّة في المعاملات الشخصيّة الواقعة في الخارج وصف اعتباريّ ينتزع من مطابقة الفرد للطبيعيّ المجعول سببا.

والحاصل : أنّ الصحّة الكلاميّة أمر انتزاعيّ مطلقا. والصحّة الفقهيّة بالنسبة إلى الأمر الواقعيّ الأوّليّ حكم عقليّ واقعيّ ، وبالنسبة إلى غيره قد تكون حكما مجعولا شرعيّا وقد لا تكون حكما مجعولا شرعيّا.

وخالفه كثير من المتأخّرين :

فذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى أنّ الصحّة في المعاملات كالصحّة في العبادات ليست من الامور المجعولة للشارع ، بل هي أمر عقليّ انتزاعيّ. نهاية الدراية ١ : ٥٨٦ ـ ٥٨٨.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى التفصيل بين الصحّة الواقعيّة والصحّة الظاهريّة ، فالتزم بمجعوليّتها في الثانية دون الاولى. فوائد الاصول ١ : ٤٦٠ ـ ٤٦١ ، أجود التقريرات ٢ : ٣٩٨ ـ ٣٩٢.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أنّ الصحّة أمر تكوينيّ عقليّ مطلقا ، فلا ينالها يد الجعل. راجع مناهج الوصول ٢ : ١٥٥.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى التفصيل بين العبادات والمعاملات ، فالتزم بأنّ الحصّة ـ

السابع : [الأصل في المسألة]

لا يخفى : أنّه لا أصل في المسألة (١) يعوّل عليه لو شكّ في دلالة النهي على الفساد. نعم ، كان الأصل في المسألة الفرعيّة الفساد لو لم يكن هناك إطلاق أو عموم يقتضي الصحّة في المعاملة (٢).

وأمّا العبادة فكذلك (٣) ، لعدم الأمر بها مع النهي عنها ، كما لا يخفى (٤).

__________________

ـ والفساد مجعولان شرعا في المعاملات ، وأمران واقعيّان في العبادات. المحاضرات ٥ : ٨ ـ ١٣.

ثمرة المسألة :

وتظهر ثمرة البحث عن هذا المطلب في استصحاب الصحّة مع الشكّ في فقدان الجزء أو حصول المانع في الشبهة الحكميّة ، فإنّ الصحّة إذا كانت من المجعولات الشرعيّة تقبل التعبّد وضعا ورفعا ويجري استصحابها ، وإذا لم تكن من المجعولات الشرعيّة لم تنالها يد الجعل ولا تكون ممّا يقبل التعبّد وضعا ورفعا فلا يجري الاصول فيها.

(١) أي : مسألة دلالة النهي على الفساد وعدمها.

(٢) فلا تجري أصالة الفساد حينئذ ، لحكومة الإطلاق والعموم على أصالة الفساد الّتي معناها أصالة عدم ترتّب الأثر المقصود من المعاملة. وأمّا بدونهما فالأصل العمليّ يقتضي الفساد ، لاستصحاب عدم ترتّب الأثر على المعاملة.

(٣) أي : تجري فيها أصالة الفساد الّتي ترجع إلى قاعده الاشتغال.

(٤) وذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى تفصيل ، حاصله : أنّه لو كانت المسألة عقليّة ووقع البحث عن الملازمة العقليّة بين النهي والفساد فمقتضى الأصل في العبادة هو الفساد ، إذ يشكّ حينئذ أنّ العمل المأتيّ به مقرّب أو لا؟ فيشكّ في فراغ ذمّته بإتيانه العمل المنهيّ عنه. وقاعدة الاشتغال محكّمة.

وأمّا لو كانت المسألة لفظيّة ـ بأن كان النزاع في أنّ النهي ظاهر في الإرشاد إلى مانعيّة المنهيّ عنه أو هو ظاهر في الحرمة التكليفيّة فقط؟ ـ فالشكّ في العبادة يرجع إلى الشكّ في مانعيّة المنهيّ عنه ، فيكون المورد من موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر ، والأصل حينئذ هو الصحّة دون الفساد ، والبراءة دون الاشتغال. نهاية الدراية ١ : ٥٩٠.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى أنّ الشكّ في فساد العبادة إن كان بعد الفراغ عن إحراز الملاك ـ كما في النهي عن الضدّ ـ فليرجع الشكّ إلى مانعيّة النهي عن العبادة ، وهو مجرى البراءة ، فالأصل يقتضي الصحّة. وإن كان الشكّ في تحقّق الملاك فالأصل يقتضي الفساد ، لتوقّف صحّة العبادة على إحراز الأمر أو الملاك ، والأمر لا يجتمع مع النهي في عنوان واحد ، ومع عدمه لا طريق لإحراز الملاك. مناهج الوصول ٢ : ١٥٧ ـ ١٥٨.

الثامن : [أقسام تعلّق النهي بالعبادة]

إنّ متعلّق النهي إمّا أن يكون نفس العبادة (١) ، أو جزأها (٢) ، أو شرطها الخارج عنها (٣) ، أو وصفها الملازم لها كالجهر والإخفات للقراءة (٤) ، أو وصفها الغير الملازم كالغصبيّة لأكوان الصلاة المنفكّة عنها.

لا ريب في دخول القسم الأوّل في محلّ النزاع. وكذا القسم الثاني ، بلحاظ أنّ جزء العبادة عبادة (٥) ، إلّا أنّ بطلان الجزء لا يوجب بطلانها (٦) إلّا مع الاقتصار

__________________

(١) كالنهي عن الصلاة في أيّام الحيض.

(٢) كالنهي عن قراءة العزائم في الصلاة.

(٣) كالنهي عن الطهارة.

(٤) فإنّ كلّ واحد منهما لا يكاد ينفكّ عن القراءة وإن كانت هي تنفكّ عن أحدهما ، فالنهي عن أيّهما يكون مساوقا للنهي عنها ، كما لا يخفى. منه [أعلى الله مقامه].

(٥) فالنهي عنه نهي عن العبادة.

(٦) بل إنّما يقتضي بطلان ذلك الجزء.

وأورد عليه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى أنّ النهي عن الجزء يدلّ على فساد العبادة. ومحصّل كلامه : أنّ الجزء المنهي عنه إمّا أن يؤخذ فيه العدد الخاصّ كالسورة بناء على حرمة القران ، وإمّا أن لا يؤخذ فيه عدد خاصّ.

أمّا الأوّل : فالنهي المتعلّق به يقتضي فساد العبادة لا محالة ، لأنّه إن لم يأت غيره كانت العبادة باطلة ، لعدم الإتيان بجزئها ، وإن لم يقتصر عليه وأتى بغيره تبطل العبادة ، للزوم القران.

وأمّا الثاني : فالنهي المتعلّق به يقتضي فساد العبادة لوجهين :

الأوّل : أنّ دليل الحرمة يخصّص دليل جواز القران بغير الفرد المنهي عنه ، فيحرم القران لا محالة.

الثاني : أنّ تحريم الجزء يستلزم أخذ العبادة بالإضافة إليه بشرط لا. ويترتّب عليه ثلاثة امور توجب بطلان العبادة المشتملة على أحدها :

١ ـ كون الجزء مانعا عن صحّة العبادة ، إذ لا يراد بالمانع سوى ما أخذ عدمه فيها ، فمع وجوده تبطل العبادة.

٢ ـ كونه زيادة في الفريضة ، وهي مبطلة.

٣ ـ خروجه عن أدلّة جواز مطلق التكلّم في العبادة ، لاختصاصها بغير الفرد المحرّم ، فيندرج الفرد المحرّم في عموم أدلّة مبطليّة التكلّم. فوائد الاصول ٢ : ٤٦٥ ـ ٤٦٦.

وأجاب عنه السيّد الخوئيّ بأنّ حرمة الجزء في نفسها لا توجب اعتبار عدم القران في ـ

عليه (١) ، لا مع الإتيان بغيره ممّا لا نهي عنه ، إلّا أن يستلزم محذورا آخر (٢).

وأمّا القسم الثالث : فلا تكون حرمة الشرط والنهي عنه موجبا لفساد العبادة إلّا فيما كان عبادة (٣) كي تكون حرمته موجبة لفساده المستلزم لفساد المشروط به (٤).

وبالجملة : لا يكاد يكون النهي عن الشرط موجبا لفساد العبادة المشروطة به لو لم يكن موجبا لفساده كما إذا كان عبادة.

وأمّا القسم الرابع : فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه ، فيكون النهي عن الجهر في القراءة ـ مثلا ـ مساوقا للنهي عنها ، لاستحالة كون القراءة الّتي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيّا عنه فعلا ، كما لا يخفى.

وهذا بخلاف ما إذا كان مفارقا ـ كما في القسم الخامس ـ ، فإنّ النهي عنه لا يسري إلى الموصوف إلّا فيما إذا اتّحد معه وجودا ، بناء على امتناع الاجتماع. وأمّا بناء على الجواز : فلا يسري إليه كما عرفت في المسألة السابقة.

هذا حال النهي المتعلّق بالجزء أو الشرط أو الوصف.

__________________

ـ صحّة العبادة ليكون القران مانعا عنها. مضافا إلى أنّه لو كانت حرمة جزء العبادة موجبة لتقييد العبادة بغيره من الأجزاء لكانت حرمة غيره من المحرّمات موجبة لذلك أيضا ، كالنظر إلى الأجنبيّة في أثناء الصلاة ، وهذا واضح البطلان. مع أنّ صدق عنوان الزيادة في الجزء يتوقّف على قصد الجزئيّة إلّا في الركوع والسجود. مع أنّه لا دليل على بطلان العبادة بالذكر المحرّم. المحاضرات ٥ : ١٨ ـ ٢٠.

(١) كأن يقتصر بقراءة العزائم في الصلاة ولم يأت بسورة اخرى ممّا لم يتعلّق به النهي.

(٢) كتكرار السورة المستلزم لتحقّق القران بين السورتين ، وهو مبطل.

(٣) وفي النسخة الأصليّة : «كانت عبادة». والصحيح ما أثبتناه.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ الشرط يرجع إلى الوصف ، فإن كان الشرط متّحدا مع العبادة في الوجود ـ كالجهر والإخفات في القراءة ـ فالنهي عنه يرجع إلى النهي عن العبادة الموصوفة به ويقتضي فسادها ، وإن كان مغايرا في الوجود ـ كالتستّر والاستقبال ـ فالنهي عنه لا يقتضي فسادها. فوائد الاصول ٢ : ٤٦٦.

والمحقّق الخوئيّ تعرّض لهذا التفصيل ثمّ ناقش فيه. فراجع المحاضرات ٥ : ٢١ ـ ٢٥.

(٤) كالوضوء ، فإنّ النهي عن الوضوء بالماء المغصوب يوجب بطلان الوضوء المستلزم لبطلان الصلاة.