درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۶۱: مفاهیم ۳

 

فصل

[مفهوم الشرط]

[ملاك ثبوت المفهوم]

الجملة الشرطيّة هل تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء (١) ـ كما تدلّ على الثبوت عند الثبوت بلا كلام ـ أم لا؟ فيه خلاف بين الأعلام.

لا شبهة في استعمالها وإرادة الانتفاء عند الانتفاء في غير مقام ، إنّما الإشكال والخلاف في أنّه بالوضع أو بقرينة عامّة بحيث لا بدّ من الحمل عليه (٢) لو لم تقم على خلافه قرينة من حال أو مقال؟

فلا بدّ للقائل بالدلالة من إقامة الدليل على الدلالة بأحد الوجهين (٣) على تلك الخصوصيّة المستتبعة لترتّب الجزاء على الشرط نحو ترتّب المعلول على علّته المنحصرة.

وأمّا القائل بعدم الدلالة ففي فسحة ، فإنّ له منع دلالتها على اللزوم ـ بل على مجرّد الثبوت عند الثبوت ولو من باب الاتّفاق ـ. أو منع دلالتها على الترتّب ، أو على نحو الترتّب على العلّة ، أو العلّة المنحصرة بعد تسليم اللزوم أو العلّيّة (٤).

__________________

(١) أي : انتفاء الحكم والجزاء عند انتفاء الشرط.

(٢) أي : على الانتفاء عند الانتفاء.

(٣) أي : الوضع والقرينة العامّة.

(٤) توضيح كلامه : أنّ المعروف في ملاك ثبوت المفهوم ـ في مثل القضيّة الشرطيّة ـ هو أنّ ـ

لكن منع دلالتها على اللزوم ودعوى كونها اتفاقيّة في غاية السقوط ، لانسباق (١) اللزوم منها قطعا.

__________________

ـ ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة متوقّفة على امور أربعة مترتّبة :

الأوّل : أن تكون بين الشرط والجزاء علاقة لزوميّة بأن تكون النسبة بينهما الوجوب بالقياس إلى الغير. فلو كانت القضيّة الشرطيّة اتّفاقيّة ، مثل : «إن كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا» فلا مفهوم لها.

الثاني : أن يكون التالي معلّقا على المقدّم ، والجزاء مترتّبا على الشرط ومتأخّرا عنه ، كأن يكون التالي معلولا للمقدّم. فلو كانا في رتبة واحدة ـ كما إذا كانا معلولي علّة ثالثة أو كانا متضايفين ـ أو كان التالي علّة للمقدّم فلا مفهوم لها.

الثالث : أن يكون ترتّب الجزاء على الشرط من باب ترتّب المعلول على العلّة التامّة. فلو كان الترتّب من باب ترتّب المعلول على العلّة الناقصة فلا مفهوم لها.

الرابع : أن يكون ترتّب الجزاء على الشرط من باب ترتّب المعلول على العلّة المنحصرة.

ولا يخفى : أنّه يمكن إرجاع الأمر الثالث إلى الأمر الثاني ، حيث لا ترتّب بين الشيء وما يعدّ علّة ناقصة له ، ضرورة أنّه لا علّيّة للعلل الناقصة ـ كما حقّق في محلّه ـ ، بل إنّما هي معدّات تهيّئ العلّة الحقيقيّة للتأثير في المعلول.

وفي الجملة : فالمعروف أنّ دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم تتوقّف على دلالتها على أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء.

ومن هنا يظهر : أنّ القائل بعدم الدلالة في فسحة ، فله منع دلالتها على أحد الامور المذكورة.

والمحقّق العراقيّ خالف المشهور ، فذهب إلى أنّ مدار البحث في المفهوم على أنّ القضيّة المتكفّلة للحكم هل هي ظاهرة في تعليق شخص الحكم على الشرط أو ظاهرة في تعليق سنخ الحكم على الشرط. فيبحث في المقام عن مضمون الخطاب وما علّق على الموضوع ، فهل هو شخص الحكم أو سنخ الحكم؟ فعلى الأوّل لا تدلّ القضيّة على المفهوم ، إذ انتفاء الشرط إنّما يقتضي انتفاء شخص الحكم ، وهو لا ينافي ثبوت فرد آخر للحكم في غير مورد الشرط. وعلى الثاني تدلّ على المفهوم ، إذ انتفاء الشرط يقتضي انتفاء سنخ الحكم حتّى في غير مورد الشرط ، وهو ينافي ثبوته في غير مورد الشرط. مقالات الاصول ١ : ١٣٨ ، نهاية الأفكار ٢ : ٤٦٩ ـ ٤٧٠

(١) هكذا في جميع النسخ ، ولكن لا تساعد عليه اللغة. والمراد منه التبادر.

وأمّا المنع عن أنّه بنحو الترتّب على العلّة ـ فضلا عن كونها منحصرة ـ فله مجال واسع.

[الوجوه المذكورة في إثبات العلّيّة المنحصرة للشرط]

ودعوى تبادر اللزوم والترتّب بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة (١) ـ مع كثرة استعمالها (٢) في الترتّب على نحو الترتّب على غير المنحصرة منها بل في مطلق اللزوم ـ بعيدة ، عهدتها على مدّعيها. كيف! ولا يرى في استعمالها فيهما (٣) عناية ورعاية علاقة ، بل إنّما تكون إرادتهما (٤) كإرادة الترتّب على العلّة المنحصرة بلا عناية ، كما يظهر على من أمعن النظر وأجال البصر (٥) في موارد الاستعمالات وفي عدم الإلزام والأخذ بالمفهوم في مقام المخاصمات والاحتجاجات وصحّة الجواب (٦) بأنّه لم يكن لكلامه مفهوم ، وعدم صحّته لو كان له ظهور فيه معلوم (٧).

وأمّا دعوى الدلالة بادّعاء انصراف إطلاق العلاقة اللزوميّة إلى ما هو أكمل

__________________

(١) هذا أوّل الوجوه المذكورة في إثبات دلالة القضيّة الشرطيّة على أنّ الشرط علّة منحصرة للجزاء. وحاصله : أنّها تدلّ بالوضع على وجود العلقة اللزوميّة والترتّب بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة ، للتبادر.

والمستدلّون به طائفتان :

إحداهما : من يدّعي الدلالة الوضعيّة بوضع خصوص أداة الشرط ، كما في هداية المسترشدين : ٢٨٢.

وثانيتهما : من يدّعي الدلالة الوضعيّة بوضع الهيئة التركيبيّة للجملة الشرطيّة ، كما في الفصول الغرويّة : ١٤٧ ، وقوانين الاصول ١ : ١٧٥.

(٢) أي : استعمال الجملة الشرطيّة.

(٣) أي : استعمال الجملة الشرطيّة في الترتّب بنحو الترتّب على العلّة غير المنحصرة ، واستعمالها في مطلق اللزوم.

(٤) وفي بعض النسخ : «إرادته». وحينئذ يرجع الضمير إلى مطلق اللزوم ، وهو شامل للترتّب بنحو المنحصرة وغيره.

(٥) أي : أدار البصر.

(٦) أي : وفي صحّة الجواب.

(٧) أي : عدم صحّة الجواب بما ذكر معلوم لو كان لكلامه ظهور في المفهوم.

أفرادها ، وهو اللزوم بين العلّة المنحصرة ومعلولها (١) ؛ ففاسدة جدّا ، لعدم كون الأكمليّة موجبة للانصراف إلى الأكمل ، لا سيّما مع كثرة الاستعمال في غيره ، كما لا يكاد يخفى(٢). هذا مضافا إلى منع كون اللزوم بينهما أكمل ممّا إذا لم تكن العلّة بمنحصرة ، فإنّ الانحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاصّ الّذي لا بدّ منه في تأثير العلّة في معلولها آكد وأقوى(٣).

إن قلت : نعم (٤) ، ولكنّه (٥) قضيّة الإطلاق بمقدّمات الحكمة ، كما أنّ قضيّة إطلاق صيغة الأمر هو الوجوب النفسيّ (٦).

__________________

(١) وهذا هو الوجه الثاني من الوجوه الّتي استدلّ بها على إثبات دلالة القضيّة الشرطيّة على العلّيّة المنحصرة. وتعرّض له الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ١٧٠.

وحاصله : أنّ العلّيّة المنحصرة أكمل أفراد العلاقة اللزوميّة الّتي تدلّ عليها القضيّة الشرطيّة ، والمطلق ينصرف إلى أكمل أفراده ، فإطلاق العلاقة اللزوميّة ينصرف إلى العلّيّة المنحصرة.

(٢) هذا جواب عن كبرى الوجه الثاني. وحاصله : أنّ الانصراف ينشأ من انس اللفظ بالمعنى ، وهو يحصل بكثرة الاستعمال ، وهي مفقودة في المقام. وأمّا نفس أكمليّة الأفراد بما هي لا تستلزم الانصراف.

(٣) وهذا جواب عن صغرى الوجه الثاني. بيان ذلك : أنّ الانحصار لا يوجب كون الربط الخاصّ الحاصل بين الشرط والجزاء آكد وأقوى.

ولكن أورد المحقّق العراقيّ على هذا الجواب بأنّ أشدّيّة الملازمة في صورة الانحصار إنّما هي من جهة ما يلزمه من الانتفاء عند الانتفاء. بخلافه في صورة عدم الانحصار ، فإنّ الملازمة ـ حينئذ ـ كانت بينهما من طرف الوجود الخاصّ. والعرف يرون الملازمة بينهما على النحو الأوّل أشدّ من الملازمة على النحو الثاني.

ثمّ تمسّك بإطلاق الملازمة ، بدعوى أنّ مقتضى مقدّمات الحكمة هو الحمل على أكمل أفراد اللزوم ، وهو اللزوم بين المعلول والعلّة المنحصرة. راجع نهاية الأفكار ٢ : ٤٨١.

(٤) أي : لو سلّم أنّ الجملة الشرطيّة لا تدلّ بالوضع على انحصار العلّة في الشرط.

(٥) أي : انحصار العلّة.

(٦) هذا هو الوجه الثالث. وتوضيحه : أنّ إطلاق التعليق ـ بمقتضى مقدّمات الحكمة ـ يستلزم كون الشرط علّة منحصرة ، لأنّ الترتّب على المنحصر لا يحتاج إلى مئونة زائدة على بيان نفس ترتّب الجزاء على الشرط المذكور في القضيّة. وأمّا الترتّب على غير المنحصر ترتّب على الغير أيضا. فإذا لم يبيّنه المتكلّم الحكيم فإطلاق التعليق في كلامه ـ بمقتضى مقدّمات ـ