درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۶۵: مفاهیم ۷

 

مع أنّه لو سلّم لا يجدي القائل بالمفهوم ، لما عرفت أنّه لا يكاد ينكر فيما إذا كان مفاد الإطلاق من باب الاتّفاق.

[أدلّة المنكرين للمفهوم]

ثمّ إنّه ربما استدلّ المنكرون للمفهوم بوجوه :

أحدها : ما عزي إلى السيّد (١) من أنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به ، وليس بممتنع أن يخلفه وينوب منابه شرط آخر يجري مجراه ، ولا يخرج عن كونه شرطا ، فإنّ قوله تعالى : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (٢) يمنع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضمّ إليه شاهد آخر ، فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول ، ثمّ علمنا : أنّ ضمّ امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول ، ثمّ علمنا : أنّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضا. فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى ، مثل الحرارة ، فإنّ انتفاء الشمس لا يلزم انتفاء الحرارة ، لاحتمال قيام النار مقامها. والأمثلة لذلك كثيرة شرعا وعقلا.

والجواب : أنّه قدس سرّه إن كان بصدد إثبات إمكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت وفي الواقع ، فهو ممّا لا يكاد ينكر ، ضرورة أنّ الخصم يدّعي عدم

__________________

ـ العلّة كي يرد عليه ما ذكره ، لما عرفت أنّ مفاد القضيّة الشرطيّة إنّما هو ترتّب التالي على المقدّم فقط ، لا كون الترتّب بنحو العلّيّة. ولازم ذلك في غير القضايا الشرطيّة المسوقة لبيان تحقّق الحكم بتحقّق موضوعه هو تقيّد الجزاء بوجود الشرط ، وحيث إنّ حال التقييد مع الانحصار وعدمه تختلف ، فيلزم على المولى بيان الخصوصيّة إذا كان في مقام البيان ، وإذا لم يبيّن العدل فيفيد كون الشرط منحصرا. أجود التقريرات ١ : ٤١٩.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأجاب عنه بقوله : «إنّ معنى تعيّن الشرط إنّما هو كونه مؤثّرا بالاستقلال بخصوصيّته الشخصيّة في المشروط. ولازم ذلك ترتّب الانتفاء على الانتفاء ، كان هناك أمر آخر أو لا». نهاية الأفكار ٢ : ٤٨٢.

(١) أي : السيّد المرتضى. فراجع الذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٤٠٦.

(٢) البقرة / ٢٨٢.

وقوعه (١) في مقام الإثبات ودلالة القضيّة الشرطيّة عليه (٢). وإن كان بصدد إبداء احتمال وقوعه فمجرّد الاحتمال لا يضرّه ما لم يكن بحسب القواعد اللفظيّة راجحا أو مساويا ، وليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلا ، كما لا يخفى.

ثانيها : أنّه لو دلّ لكان (٣) بإحدى الدلالات (٤) ، والملازمة (٥) ـ كبطلان التالي (٦) ـ ظاهرة.

وقد أجيب عنه (٧) : بمنع بطلان التالي وأنّ الالتزام ثابت. وقد عرفت (٨) بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه ، فلا تغفل.

ثالثها : قوله تبارك وتعالى : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾(٩).

وفيه ما لا يخفى ، ضرورة أنّ استعمال الجملة الشرطيّة فيما لا مفهوم له أحيانا

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «عدم وقوعها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى نيابة بعض الشروط عن بعض.

(٢) أي : على عدم وقوع النيابة.

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح إن كان مرجع الضمير القضيّة الشرطيّة ـ أن يقول : «أنّها لو دلّت لكانت ...» ، وإن كان مرجعه الشرط أن يقول : «أنّه لو دلّ لكانت ...» أي : لكانت الدلالة بإحدى الدلالاتالثلاث.

(٤) أي : المطابقة والتضمّن والالتزام.

(٥) أي : الملازمة بين دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم وبين كون دلالتها بإحدى الدلالات الثلاث.

والوجه في ظهور الملازمة انحصار الدلالة اللفظيّة فيها.

(٦) وهو كون دلالتها على المفهوم بإحدى الدلالات الثلاث.

والوجه في ظهور بطلانه أنّ الانتفاء عند الانتفاء ليس مدلولا مطابقيّا ولا انضماميّا ولا التزاميّا للجملة الشرطيّة ، كما هو واضح.

(٧) والمجيب هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ١٧٢.

(٨) في الصفحات السابقة.

(٩) النور / ٣٣.

وتقريب الاستدلال به على عدم المفهوم : أنّه لو دلّ على المفهوم لدلّ على جواز إكراههنّ على الزنا إن لم يردن التحصّن. وحرمة إكراههنّ على البغاء ـ سواء أردن التحصّن أو لم يردن ـ من الضروريّات.

وبالقرينة لا يكاد ينكر ، كما في الآية وغيرها. وإنّما القائل به إنّما يدّعي ظهورها فيما له المفهوم وضعا أو بقرينة عامّة ، كما عرفت.

بقي هاهنا امور :

الأمر الأوّل : [المراد من انتفاء الحكم]

انّ المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلّق على الشرط عند انتفائه ، لا انتفاء شخصه ، ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه ولو ببعض قيوده ، فلا يتمشّى الكلام في أنّ للقضيّة الشرطيّة مفهوما أو ليس لها مفهوم إلّا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء وانتفاؤه عند انتفاء الشرط ممكنا. وإنّما وقع النزاع في أنّ لها دلالة على الانتفاء عند الانتفاء أو لا تكون لها دلالة (١).

ومن هنا انقدح : أنّه ليس من المفهوم ودلالة القضيّة (٢) على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا والأوقاف والنذور والأيمان ، كما توهّم (٣) ، بل عن الشهيد (٤)

__________________

(١) والحاصل : أنّ المراد من الانتفاء عند الانتفاء في باب المفاهيم هو انتفاء نوع الحكم عند انتفاء الشرط أو الوصف أو غيرهما. والمراد من نوع الحكم هو الحكم الّذي يمكن بقاؤه مع انتفاء الشرط أو غيره ، بحيث إذا قام دليل على ثبوت الحكم في صورة انتفاء الشرط أو غيره كان معارضا للمفهوم ، كوجوب الإكرام الّذي يمكن بقاؤه عند انتفاء المجيء أيضا ، كأن يفرض وجوب إكرامه عند إهداء هديّة ، فيقع الكلام في أنّ القضيّة الشرطيّة ـ مثلا ـ هل تدلّ على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجيء مطلقا حتّى الوجوب الّذي يفرض عند تحقّق شيء آخر كالهديّة وغيرها أو لا تدلّ عليه؟

وأمّا لو كان المنفي شخص الحكم الّذي لم يكن بقاؤه بعد انتفاء موضوعه فهو خارج عن محلّ النزاع ، لأنّ انتفاء شخص الحكم عند انتفاء موضوعه عقليّ ، كانتفاء وجوب الختان عند انتفاء ولادة الولد.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ليس من المفهوم دلالة القضيّة ...» كي يكون قوله : «دلالة القضيّة» اسم ليس ؛ أو يقول : «ليس من المفهوم ودلالة القضيّة على الانتفاء عند الانتفاء ما في الوصايا ...».

(٣) لم أعثر على من توهّمه غير الشهيد.

(٤) نقل عنه في هداية المسترشدين : ٢٨١ ، ومطارح الأنظار : ١٧٣.