درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۶۸: مفاهیم ۱۰

 

الناشئة من قبل الإخبار به كذلك المنشأ بالصيغة المعلّق عليه ؛ وقد عرفت بما حقّقناه في معنى الحرف وشبهه (١) : أنّ ما استعمل فيه الحرف عامّ كالموضوع له ، وأنّ خصوصيّة لحاظه بنحو الآليّة والحاليّة لغيره من خصوصيّة الاستعمال ، كما أنّ خصوصيّة لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك ، فيكون اللحاظ الآليّ كالاستقلاليّ من خصوصيّات الاستعمال ، لا المستعمل فيه.

وبذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات (٢) ـ في مقام التفصّي عن هذا الإشكال ـ من التفرقة بين الوجوب الإخباريّ والإنشائيّ بأنّه كلّيّ في الأوّل وخاصّ في الثاني ، حيث دفع الإشكال بأنّه لا يتوجّه في الأوّل (٣) لكون الوجوب كلّيّا ، وعلى الثاني بأنّ (٤) ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّيّة المستفادة من الجملة الشرطيّة ، حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا إلى ارتفاع العلّة المأخوذة فيها ، فإنّه يرتفع ولو لم يوجد في حيال أداة الشرط ، كما في اللقلب والوصف.

واورد (٥) ـ على ما تفصّي به عن الإشكال بما (٦) ربما يرجع إلى ما ذكرنا ـ بما حاصله : أنّ التفصّي لا يبتني على كلّيّة الوجوب لما أفاده ، وكون الموضوع له في الإنشاء عامّا لم يقم عليه دليل ، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه ، حيث إنّ الخصوصيّات بأنفسها مستفادة من الألفاظ.

وذلك (٧) لما عرفت من أنّ الخصوصيّات في الإنشاءات والأخبارات إنّما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت أصلا بينهما.

ولعمري لا يكاد ينقضي تعجّبي كيف تجعل خصوصيّات الإنشاء من

__________________

(١) راجع الجزء الأوّل : ٢٨ ـ ٣٠.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ١٧٣.

(٣) أي : لا يتوجّه الإشكال في الوجوب الإخباريّ.

(٤) والأولى أن يقول : «وعلى الثاني ، لأنّ ...».

(٥) أي : أورد الشيخ الأنصاريّ.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «ممّا».

(٧) أي : فساد ما يظهر من التقريرات.

خصوصيّات المستعمل فيه؟! مع أنّها كخصوصيّات الإخبار تكون ناشئة من الاستعمال ، ولا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال ، كما هو واضح لمن تأمّل.

الأمر الثاني : [تعدّد الشرط ووحدة الجزاء]

انّه إذا تعدّد الشرط مثل : «إذا خفي الأذان فقصّر» و «إذا خفي (١) الجدران فقصّر» ، فبناء على ظهور الشرطيّة في المفهوم لا بدّ من التصرّف ورفع اليد عن الظهور(٢) :

إمّا بتخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الاخرى ، فيقال بانتفاء وجوب القصر عند انتفاء الشرطين (٣).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «خفيت».

(٢) لوقوع التعارض بين مفهوم كلّ منهما ومنطوق الاخرى ، لأنّ مفهوم كلّ منهما نفي وجوب القصر عند انتفاء الشرط المذكور في منطوقها وإن كان الشرط المذكور في الاخرى موجودا ، ومنطوق الاخرى يثبت وجوب القصر عند تحقّق الشرط المذكور فيهما.

بيان ذلك : أنّ منطوق القضيّة الأولى «إذا خفي الأذان فقصّر» يثبت وجوب القصر عند خفاء الأذان ، ومفهومها ـ أي : إذا لم يخف لم يجب القصر وإن خفيت الجدران ـ ينفي وجوب القصر عند خفاء الجدران ، فينافي مفهومها منطوق القضيّة الثانية «إذا خفيت الجدران فقصّر». ومنطوق القضيّة الثانية يثبت وجوب القصر عند خفاء الجدران ، ومفهومها ـ أي إذا لم تخف لم يجب القصر وإن خفي الأذان ـ ينفي وجوب القصر عند خفاء الأذان ، فينافي مفهومها منطوق القضيّة الأولى.

وبالجملة : يقع التعارض بين منطوق كلّ منهما ومفهوم الاخرى. فلا بدّ في رفع التعارض من التصرّف في كلّ منهما بأحد الوجوه الأربعة الآتية.

(٣) هذا هو الوجه الأوّل في علاج المعارضة. وتوضيحه : أنّ هنا إطلاقين :

أحدهما : إطلاق المفهوم في القضيّة الأولى ، وهو «إذا لم يخف الأذان لم يجب القصر مطلقا ، سواء خفيت الجدران أم لا».

ثانيهما : إطلاق المفهوم في القضيّة الثانية ، وهو «إذا لم تخف الجدران لم يجب القصر مطلقا ، سواء خفي الأذان أم لا». ـ

وإمّا برفع اليد عن المفهوم فيهما (١) ، فلا دلالة لهما على عدم مدخليّة شيء آخر في الجزاء. بخلاف الوجه الأوّل ، فإنّ فيهما الدلالة على ذلك.

وإمّا بتقييد إطلاق الشرط في كلّ منهما بالآخر ، فيكون الشرط هو خفاء الأذان والجدران معا ، فإذا خفيا وجب القصر ، ولا يجب عند انتفاء خفائهما ولو خفي أحدهما(٢).

وإمّا بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما بأن يكون تعدّد الشرط قرينة على أنّ الشرط في كلّ منهما ليس بعنوانه الخاصّ ، بل بما هو مصداق لما يعمّهما من العنوان (٣).

__________________

ـ وطريق علاج هذه المعارضة أن يقيّد إطلاق المفهوم في القضيّة الأولى بمنطوق القضيّة الثانية ، فيصير مفاد المفهوم : «إذا لم يخف الأذان لم يجب القصر إلّا فيما إذا خفيت الجدران» ؛ ويقيّد إطلاق المفهوم في الثانية بمنطوق القضيّة الأولى ، فيصير مفاد المفهوم : «إذا لم تخف الجدران لم يجب القصر إلّا إذا خفي الأذان».

والحاصل : أنّه ينفي وجوب القصر عند انتفاء خفاء الأذان والجدران معا.

وأورد عليه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ المفهوم لازم عقليّ للمنطوق ، ولا يعقل التصرّف فيه بتقييد أو تخصيص من دون التصرّف في المنطوق أصلا ، وإلّا لزم انفكاك المعلول عن العلّة. المحاضرات ٥ : ٩٩.

ولا يخفى : أنّه استفاد الإيراد من إفادات المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٦١٣.

(١) وهذا هو الوجه الثاني. وهو واضح.

(٢) وهذا هو الوجه الثالث. وتوضيحه : أنّ هنا إطلاقين :

أحدهما : إطلاق الشرط في القضيّة الأولى ، وهو يدلّ على أنّ خفاء الأذان تمام الموضوع لوجوب القصر.

ثانيهما : إطلاق الشرط في الثانية. وهو يدلّ على أنّ خفاء الجدران تمام الموضوع لوجوب القصر.

وطريق العلاج أن نرفع اليد عن الإطلاقين ، بأن يقيّد إطلاق الشرط في الأولى بنصّ الشرط في الثانية ، ويقيّد إطلاقه في الثانية بنصّ الشرط في الأولى. ونتيجة ذلك صيرورة كلّ من الشرطين جزء الموضوع وترتّب وجوب القصر على كلا الشرطين مجموعا لا على أحدهما مستقلّا.

(٣) وهذا هو الوجه الرابع. وعليه يكون الشرط هو الجامع بينهما. ونتيجة ذلك ترتّب وجوب القصر على خفاء أحدهما وإن لم يخف الآخر.