درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۷۳: مفاهیم ۱۵

 

ولا يخفى : أنّه لا وجه لأن يصار إلى واحد منها ، فإنّه رفع اليد عن الظاهر بلا وجه. مع ما في الأخيرين من الاحتياج إلى إثبات أنّ متعلّق الجزاء متعدّد متصادق على واحد وإن كان صورة واحدا سمّي باسم واحد كالغسل ، وإلى إثبات أنّ الحادث بغير الشرط الأوّل تأكّد ما حدث بالأوّل ، ومجرّد الاحتمال لا يجدي ما لم يكن في البين ما يثبته.

إن قلت : وجه ذلك (١) هو لزوم التصرّف في ظهور الجملة الشرطيّة ، لعدم إمكان الأخذ بظهورها ، حيث إنّ قضيّته اجتماع الحكمين في الوضوء في المثال ، كما مرّت الإشارة إليه.

قلت : نعم ، إذا لم يكن المراد بالجملة فيما إذا تعدّد الشرط ـ كما في المثال ـ هو وجوب وضوء (٢) ـ مثلا ـ بكلّ شرط غير ما وجب بالآخر ، ولا ضير في كون فرد محكوما بحكم فرد آخر أصلا ، كما لا يخفى (٣).

إن قلت : نعم ، لو لم يكن تقدير تعدّد الفرد على خلاف الإطلاق (٤).

قلت : نعم ، لو لم يكن ظهور الجملة الشرطيّة (٥) في كون الشرط سببا أو كاشفا عن السبب مقتضيا لذلك (٦) ـ أي لتعدّد الفرد ـ ، وإلّا كان بيانا لما هو المراد من الإطلاق.

وبالجملة : لا دوران بين ظهور الجملة في حدوث الجزاء وظهور الإطلاق ،

__________________

(١) أي : وجه التصرّف بأحد الوجوه الثلاثة المذكورة.

(٢) هكذا في النسخ : والأولى أن يقول : «وجوب الوضوء».

(٣) غرض المصنّف رحمه‌الله أنّ التصرّف في ظهور الجملة الشرطيّة وإن كان أمرا لا بدّ منه ، إلّا أنّ التصرّف لا يتعيّن في أحد الوجوه الثلاثة ، بل يمكن التصرّف في ظهورها بوجه آخر ، وهو أن يكون متعلّق الحكم في الجمل الشرطيّة أفرادا متعدّدة حسب تعدّد الشرط ، فيكون متعلّق الحكم في إحداها فردا وفي الاخرى فردا آخر ، فالوضوء الواجب في قوله : «إذا بلت فتوضّأ» فرد من الواجب ، وفي قوله : «إذا نمت فتوضّأ» فرد آخر منه. وعليه لا يلزم اجتماع المثلين.

(٤) أي : إطلاق متعلّق الجزاء ، فإنّه يقتضي تعلّق الحكم بالطبيعة ، لا بالأفراد.

(٥) وفي بعض النسخ : «ظهور الجملة».

(٦) قوله : «مقتضيا لذلك» خبر قوله : «لو لم يكن».

ضرورة أنّ ظهور الإطلاق يكون معلّقا على عدم البيان ، وظهورها في ذلك (١) صالح لأن يكون بيانا ، فلا ظهور له مع ظهورها ، فلا يلزم على القول بعدم التداخل تصرّف أصلا ، بخلاف القول بالتداخل كما لا يخفى (٢).

فتلخّص بذلك : أنّ قضيّة ظاهر الجملة الشرطيّة هو القول بعدم التداخل عند تعدّد الشرط (٣).

__________________

(١) أي : في اقتضائها تعدّد الجزاء.

(٢) هذا واضح بناء على ما يظهر من شيخنا العلّامة من كون ظهور الإطلاق معلّقا على عدم البيان مطلقا ، ولو كان منفصلا. وأمّا بناء على ما اخترناه في غير مقام ـ من أنّه إنّما يكون معلّقا على عدم البيان في مقام التخاطب ، لا مطلقا ـ فالدوران حقيقة بين الظهورين حينئذ ـ وإن كان ـ ، إلّا أنّه لا دوران بينهما حكما ، لأنّ العرف لا يكاد يشكّ بعد الاطّلاع على تعدّد القضيّة الشرطيّة أنّ قضيّته تعدّد الجزاء وأنّه في كلّ قضيّة وجوب فرد غير ما وجب في الاخرى ، كما إذا اتّصلت القضايا وكانت في كلام واحد ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

(٣) حاصل ما أفاده المصنّف رحمه‌الله في متن الكتاب أنّ الجملة الشرطيّة تشتمل على ظهورين :

أحدهما : ظهور وضعيّ. وهو ظهورها في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط. وهذا يقتضي تعدّد الجزاء بتعدّد الشرط.

ثانيهما : ظهور إطلاقيّ. وهو ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق. وهذا يقتضي وحدة الحكم عند تعدّد الشرط.

وبما أنّ الظهور الإطلاقيّ معلّق على عدم البيان وكان ظهور القضيّة الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث صالحا لأن يكون بيانا للمتعلّق لم ينعقد للمتعلّق ظهور في الإطلاق ، بل كان ظهورها في الحدوث عند الحدوث كاشفا عن تعلّق الحكم بفرد آخر غير الفرد الّذي تعلّق به الحكم الآخر. فيكون الظهور الوضعيّ حاكما على الظهور الإطلاقيّ ورافعا لموضوعه.

وأعرض عنه المصنّف رحمه‌الله في الهامش وجعل الوجه في عدم التداخل تقديم العرف ظهور الجملة الشرطيّة على الإطلاق.

والأعلام الثلاثة وإن وافقوه في اختيار عدم التداخل ، ولكن خالفوه في الاستدلال عليه : أمّا المحقّق النائينيّ : فاستدلّ على عدم التداخل بما حاصله : أنّ ظهور القضيّة الشرطيّة في تأثير الشرط مستقلّا رافع لموضوع حكم العقل بالاكتفاء بواحد من الطبيعة حقيقة ، فيكون واردا عليه.

وتوضيحه : أنّ القضيّة الشرطيّة ترجع إلى قضيّة حقيقة حمليّة موضوعها الشرط ـ

وقد انقدح ممّا ذكرنا : أنّ المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه الّتي ذكرناها ، لا مجرّد كون الأسباب الشرعيّة معرّفات لا مؤثّرات. فلا وجه لما عن

__________________

ـ ومحمولها الجزاء ، كما أنّ القضيّة الحمليّة ترجع إلى الشرطيّة الّتي مقدّمها الموضوع وتاليها المحمول. لا شكّ أنّ الحكم في القضيّة الشرطيّة أيضا يتعدّد بتعدّد أفراد المشروط وجودا. وأمّا تعدّد الحكم بتعدّد شرطه جنسا وماهيّة فهو يستفاد من ظهور كلّ من القضيّتين في أنّ كلّا من الشرطين مستقلّ في ترتّب الجزاء عليه مطلقا.

ومن ناحية اخرى أنّ الطلب المتعلّق بالشيء لا يقتضي إلّا إيجاد متعلّقه خارجا ونقض عدمه المطلق. وبما أنّ نقض العدم المطلق يحقّق بأوّل وجود من الطبيعة كان مجزيا عقلا. وعليه فإذا تعلّق طلبان بماهيّة كان مقتضى كلّ منهما إيجاد ناقض العدم ، فمقتضى الطلبين إيجاد ناقضين للعدم ، كما هو الحال في تعلّق إرادتين تكوينيّتين بماهيّة واحدة ، فإنّ مقتضاهما تحقّق وجودين منها.

نعم ، لو لم يكن هناك ما يقتضي تعدّد الطلب كان الطلب واحدا من جهة عدم المقتضي ، لا من جهة دلالة لفظ الأمر عليه.

فإذا فرض ظهور القضيّة الشرطيّة في الانحلال وتعدّد الطلب ـ كما هو المفروض في المقام ـ كان ظهور القضيّة في تعدّد الحكم موجبا لارتفاع موضوع الحكم بوحدة الطلب ـ أعني عدم المقتضى ـ وواردا عليه. فوائد الاصول ٢ : ٤٩٣ ـ ٤٩٤.

وحسّنه تلميذه السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ١١٨ ـ ١٢٣.

وأمّا المحقّق الأصفهانيّ : فاستدلّ عليه بما حاصله : أنّ البعث المتعلّق بالشيء يقتضي وجودا واحدا منه ، ولا يقتضي عدم البعث إلى وجود آخر ، بل هو بالإضافة إلى وجود آخر بوجوب آخر لا اقتضاء ، والبعث الآخر مقتض لوجود آخر بنفسه ، فإنّ الإيجاد الآخر يقتضي وجودا آخر. نهاية الدراية ١ : ٦١٨.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فاستدلّ عليه بأنّ تقديم ظهور الشرطين في الاستقلال على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق أولى من العكس ، لأنّ تقديم ظهور الشرطين على ظهور الجزاء لا يستلزم إلّا ارتكاب خلاف ظاهر واحد ، بخلاف العكس ، فإنّه يستلزم ارتكاب خلاف ظاهرين ، فتقديم ظهور الشرطين أقلّ محذورا من تقديم ظهور الجزاء. ومن المعلوم أنّه عند الدوران يتعيّن ما هو أقلّ محذورا من الآخر. نهاية الأفكار ٢ : ٤٨٦ ـ ٤٨٧.

وتشبّث السيّد الإمام الخمينيّ ـ بعد ما ناقش فيما أفاده الأعلام الثلاثة في مقام الاستدلال على عدم التداخل ـ بأنّ فهم العرف مساعد على عدم التداخل وتعدّد الجزاء لأجل مناسبات مغروسة في ذهنه. مناهج الوصول ٢ : ٢٠٨.

الفخر (١) وغيره (٢) من ابتناء المسألة على أنّها معرّفات أو مؤثّرات (٣). مع أنّ الأسباب الشرعيّة حالها حال غيرها في كونها معرّفات تارة ومؤثّرات اخرى ، ضرورة أنّ الشرط للحكم الشرعيّ في الجمل الشرطيّة (٤) ربما يكون ممّا له دخل في ترتّب الحكم بحيث لولاه لما وجدت له علّة (٥) ، كما أنّه في الحكم غير الشرعيّ قد يكون أمارة على حدوثه بسببه (٦) ، وإن كان ظاهر التعليق أنّ له الدخل فيهما ، كما لا يخفى.

نعم ، لو كان المراد بالمعرّفيّة في الأسباب الشرعيّة أنّها ليست بدواعي الأحكام الّتي هي في الحقيقة علل لها ، وإن كان لها دخل في تحقّق موضوعاتها ، بخلاف الأسباب غير الشرعيّة (٧) ، فهو وإن كان له وجه (٨) إلّا أنّه ممّا لا يكاد يتوهّم أنّه يجدي فيما همّه وأراد(٩).

__________________

(١) راجع إيضاح الفوائد ١ : ١٤٥.

(٢) كالمحقّق المولى أحمد النراقيّ في عوائد الأيّام : ٢٩٤.

(٣) فإن كانت معرّفات تقتضي التداخل ، وإن كانت مؤثّرات تقتضي عدم التداخل.

(٤) وفي بعض النسخ : «في الجملة الشرطيّة».

(٥) كقوله عليه‌السلام : «متى ما شككت فخذ بالأكثر» ، فإنّ الشكّ علّة للحكم بالبناء على الأكثر.

(٦) أي : حدوث الحكم بسبب ما له دخل فيه ، وهو الشرط المؤثّر حقيقة ، كضوء العالم الّذي هو أمارة طلوع الشمس الّذي هو المؤثّر في وجوب النهار حقيقة.

(٧) فإنّها علل لأحكامها.

(٨) لأنّ الأسباب الشرعيّة ـ حينئذ ـ لا تكون من قبيل المصالح والمفاسد كي تستتبع آثارا متعدّدة بتعدّدها ، بل هي معرّفة لها وحاكية عما هو دخيل فيها.

(٩) وذلك لأنّ ما أراده هو ابتناء التداخل على المعرّفيّة ، وإذا كان المراد من معرّفيّة الأسباب الشرعيّة ما يكشف عما هو دخيل في المصالح والمفاسد يحتمل أن يكون كلّ سبب كاشفا عن مصلحة خاصّة ، فيقتضي كلّ موضوع حكما وكلّ شرط جزاء.

ومن هنا يظهر : أنّ المراد من كون الأسباب والشرائط الشرعيّة المأخوذة في كلام الشارع معرّفات هو كونها معرّفات للشرائط الواقعيّ وما هو دخيل في الحكم واقعا.

والمحقّق النائينيّ فسّر المعرّفات بمعرّفات الحكم. أجود التقريرات ٢ : ٤٢٧.