درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۸۵: عام و خاص ۳

 

ومعه (١) لا يصغى إلى أنّ إرادة الخصوص متيقّنة ولو في ضمنه ، بخلافه (٢) ، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقّن أولى ؛ ولا إلى أنّ التخصيص قد اشتهر وشاع حتّى قيل : «ما من عامّ إلّا وقد خصّ» ، والظاهر يقتضي كونه حقيقة لما هو الغالب تقليلا للمجاز. مع أنّ تيقّن إرادته لا يوجب اختصاص الوضع به مع كون العموم كثيرا ما يراد (٣). واشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز ، لعدم الملازمة بين التخصيص والمجازيّة كما يأتي توضيحه (٤) ؛ ولو سلّم فلا محذور فيه أصلا إذا كان بالقرينة ، كما لا يخفى.

__________________

(١) أي : مع ما ذكر من أنّ الضرورة تقضي باختصاص مثل لفظ «كلّ» بالعموم ، ولا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص مجازا.

(٢) أي : بخلاف العموم ، فإنّ إرادته غير متيقّنة.

وهذا تعريض بالآمديّ ، حيث قال : «والمختار إنّما هو صحّة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص ، لكونه مرادا من اللفظ يقينا ، سواء اريد به الكلّ أو البعض ، والوقف فيما زاد على ذلك». الإحكام ٢ : ٢٠١.

(٣) هذا جواب آخر عمّا توهّمه الآمديّ. وحاصله : أنّ تيقّن إرادة الخاصّ لا يوجب وضع ألفاظ ـ مثل «كلّ وجميع ومن و...» ـ للخصوص ، بل إنّما يوجب استعمال ما وضع للعموم في الخصوص مجازا ، فإنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة.

(٤) يأتي في الفصل الآتي ، حيث قال : «والتحقيق في الجواب ...».

فصل

[دلالة العامّ على العموم متوقّف على إطلاقه]

ربما عدّ من الألفاظ الدالّة على العموم النكرة [الواقعة] (١) في سياق النفي (٢) أو النهي (٣). ودلالتها عليه لا ينبغي أن تنكر عقلا ، لضرورة أنّه لا يكاد تكون طبيعة معدومة إلّا إذا لم يكن فرد منها بموجود ، وإلّا كانت موجودة.

لكن لا يخفى : أنّها تفيده إذا اخذت مرسلة (٤) ـ لا مبهمة ـ قابلة للتقييد (٥) ، وإلّا فسلبها لا يقتضي إلّا استيعاب السلب لما اريد منها يقينا ، لا استيعاب ما يصلح لانطباقها عليه من أفرادها.

وهذا (٦) لا ينافي كون دلالتها عليه عقليّة ، فإنّها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها ، لا الأفراد الّتي تصلح لانطباقها عليها. كما لا تنافي دلالة مثل لفظ «كلّ» على العموم وضعا كون عمومه بحسب ما يراد من مدخوله. ولذا لا ينافيه تقييد المدخول

__________________

(١) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٢) نحو : لا رجل في الدار.

(٣) نحو : لا تضرب زيدا.

(٤) أي : تكون الطبيعة مطلقة.

(٥) وإحراز الإرسال فيما أضيفت إليه إنّما هو بمقدّمات الحكمة ، فلولاها كانت مهملة ، وهي ليست إلّا بحكم الجزئيّة ، فلا تفيد إلّا نفي هذه الطبيعة في الجملة ولو في ضمن صنف منها ، فافهم ، فإنّه لا يخلو من دقّة. منه [أعلى الله مقامه].

(٦) أي : عدم إفادة النكرة الواقعة في سياق النفي استيعاب جميع أفرادها فيما كانت مبهمة مهملة.

بقيود كثيرة. نعم ، لا يبعد أن يكون ظاهرا عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها (١).

وهذا هو الحال في المحلّى باللام ، جمعا كان أو مفردا. بناء على إفادته للعموم. ولذا لا ينافيه تقييد المدخول بالوصف وغيره (٢).

__________________

(١) وفي مراد المصنّف رحمه‌الله من هذه العبارة وجوه :

الأوّل : أنّه لا يبعد أن يكون مثل لفظ «كلّ» ظاهرا في استيعاب جميع أفراد مدخوله عند إطلاق مدخوله. وعليه فالصحيح أن يقول : «نعم ، لا يبعد أن يكون ظاهرا عند إطلاقه في استيعاب جميع أفراده».

الثاني : أنّه لا يبعد أن تكون النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهى ظاهرة عند إطلاقها في استيعاب جميع أفرادها. وعليه فالصحيح أن يقول : «نعم ، لا يبعد أن تكون ظاهرة ...».

الثالث : أنّه لا يبعد أن يكون لفظ «كلّ» ظاهرا في استيعاب جميع أفرادها عند إطلاق النكرة. وهذا يناسب ظاهر العبارة.

أمّا الثالث : فهو وإن يناسب ظاهر العبارة ، إلّا أنّه غير مقصود قطعا ، لعدم ارتباط بين صدره وذيله.

وأمّا الثاني : فهو لا يناسب ما ذكر آنفا من أنّ النكرة إذا اخذت مطلقة تفيد استيعاب جميع أفرادها قطعا ، فلا معنى لنفي البعد عنه.

فالأقرب هو الوجه الأوّل.

(٢) ونلخّص ما أفاده في هذا الفصل ذيل مطالب :

الأوّل : أنّ النكرة الواقعة في سياق النهي أو النهي إنّما تدلّ على عموم ما يراد منها عقلا. وأمّا دلالتها على العموم سعة وضيقا فتتبّع سعة المدخول وضيقه. فنفي النكرة ونهيها إنّما يدلّان على النفي والنهي عن جميع أفراد المنفي والمنهي عنه ، وأمّا تعيين حدود المنفي أو المنهي عنه يحتاج إلى دليل آخر.

وعليه فدلالة النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي على العموم ـ بمعنى استيعاب جميع ما تصلح لأن تنطبق عليه من أفرادها ـ يتوقّف على أن تكون مطلقة كي تجري مقدّمات الحكمة ويحرز أنّ المراد بها سعة المدخول ، وإلّا فلا تدلّ عليه ، بل تدلّ على نفي المتيقّن منها في إطار الإرادة.

الثاني : أنّ لفظة «كلّ» وأمثالها وإن كانت موضوعة للعموم ، إلّا أنّها موضوعة لعموم ما يراد من مدخولها. وأمّا دلالتها على سعة مدخولها واستيعاب جميع ما يصلح لأن ينطبق عليه من أفراده فيتوقّف على إطلاق مدخولها وجريان مقدّمات الحكمة.

الثالث : أنّ المحلّى باللام ـ بناء على إفادته العموم ـ إنّما يدلّ على عموم أفراد مدخوله. ـ