درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۸۹: عام و خاص ۷

 

فتفطّن (١).

وقد اجيب عن الاحتجاج بأنّ الباقي (٢) أقرب المجازات (٣).

وفيه : لا اعتبار في الأقربيّة بحسب المقدار ، وإنّما المدار على الأقربيّة بحسب زيادة الانس الناشئة من كثرة الاستعمال.

وفي تقريرات بحث شيخنا الاستاذ قدس سرّه في مقام الجواب عن الاحتجاج ما هذا لفظه : «والأولى أن يجاب ـ بعد تسليم مجازيّة الباقي ـ بأنّ دلالة العامّ على كلّ فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من أفراده ، ولو كانت دلالة مجازيّة ،

__________________

(١) والأعلام الثلاثة لم يرتضوا بما ذكره المصنّف رحمه‌الله في الجواب عن الاحتجاج ، بل ذكر كلّ واحد منهم وجها آخر غير ما ذكره الآخر. ونكتفي بذكر ما أفاد المحقّق النائينيّ ، لأنّه قريب من مبنى المصنّف رحمه‌الله في الفصل السابق.

وحاصله : أنّ تخصيص العامّ لا يوجب المجازيّة ، لا في أداة العموم ولا في مدخولها.

أمّا في الأداة : فلأنّها لم توضع إلّا للدلالة على استيعاب ما يراد من مدخولها ، وهي تدلّ عليه دائما ، سواء كان ما يراد من مدخولها معنى وسيعا أو معنى ضيقا ، وسواء كان الدالّ على الضيق مخصّصا متّصلا أو مخصّصا منفصلا ، وسواء كان التخصيص أنواعيّا أو أفراديّا.

وأمّا في المدخول : فلأنّ المدخول ـ كالعالم ونحوه ـ لم يوضع إلّا للدلالة على الماهيّة المهملة المعرّاة عن كلّ خصوصيّة ، ولم يستعمل إلّا في الطبيعة المهملة من دون ملاحظة خصوصيّة معها. فلو قيّد المدخول بخصوصيّة توجب ضيق دائرة المدخول لم يستلزم مجازا في المدخول ، لأنّه استعمل أيضا في الطبيعة المهملة ، والخصوصيّة إنّما استفيدت من دالّ آخر. ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون المخصّص منفصلا أم متّصلا ، ولا بين أن كون المخصّص ذات عنوان نوعيّ أو يكون ذات عنوان فرديّ ، ولا بين القضايا الحقيقيّة وبين القضايا الخارجيّة.

وبالجملة : أنّ تخصيص العامّ ـ بجميع أقسامه ـ لا يوجب المجازيّة ، كي يستدلّ على إجمال العامّ المخصّص بتعدّد المجازات بعد التخصيص. فوائد الاصول ٢ : ٥١٨ ، أجود التقريرات ٢ : ٤٤٩ ـ ٤٥٠.

وإن أردت الاطّلاع على ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ والمحقّق العراقيّ والسيّد الإمام الخمينيّ في مقام الجواب عن الاحتجاج المذكور فراجع نهاية الدراية ١ ـ ٦٣٥ ـ ٦٣٦ ، مقالات الاصول ١ : ٤٣٨ ، مناهج الوصول ٢ : ٢٣٩.

(٢) أي : تمام الباقي.

(٣) هذا الجواب أفاده المحقّق القميّ في القوانين ١ : ٢٦٦.

إذ هي إنّما بواسطة عدم شموله للأفراد المخصوصة ، لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله ؛ فالمقتضي للحمل على الباقي موجود والمانع مفقود ، لأنّ المانع في مثل المقام إنّما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله ، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى الباقي ، لاختصاص المخصّص بغيره ، فلو شكّ فالأصل عدمه». انتهى موضع الحاجة (١).

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٩٢.

وفي تقريب ما أفاده الشيخ الأعظم وجهان :

الأوّل : أن يحمل كلامه على إرادة الدلالات الضمنيّة كما يظهر من جواب المصنّف عنه.

وتوضيحه : أنّ تخصيص العامّ وإن كان مستلزما لمجازيّة استعماله في الباقي ، ولكن لا يوجب إجمال العامّ ، لأنّ دلالة العامّ تنحلّ إلى دلالات ضمنيّة متعدّدة بتعدّد الأفراد ، بحيث لو كان أفراد العامّ عشرة ـ مثلا ـ تنحلّ دلالته إلى عشرة دلالات ضمنيّة ، ويستعمل العامّ في كلّ فرد ضمنا. فدلالته على كلّ فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر. فلو ورد التخصيص على العامّ إنّما يلزم خروج بعض أفراده من الموضوع له وانتفاء بعض الدلالات الضمنيّة. وأمّا غيره من الأفراد تماما يبقي تحت العامّ ويدلّ عليها العامّ بدلالات ضمنيّة أخر. فإذن لا إجمال للعامّ بعد التخصيص ، فيمكن التمسّك به فيما إذا شككنا في خروج غير ما خرج منه بدليل مخصّص.

وأورد عليه المصنّف رحمه‌الله بقوله : «قلت ...» : وحاصله : أنّ دلالة العامّ بالدلالات الضمنيّة على كلّ فرد إنّما هي من جهة دلالته على تمام أفراد مدخوله ، فلا استقلال للدلالات الضمنيّة ، بل هي تابعة لدلالة العامّ على تمام أفراد مدخوله ، فترتفع الدلالات الضمنيّة بارتفاع دلالة العامّ على العموم والاستيعاب ، فإذا ورد المخصّص على العامّ ترتفع دلالته على تمام أفراد مدخوله ، وبتبعه ترتفع دلالاته الضمنيّة على كلّ فرد. نعم ، يكون المخصّص قرينة على أنّ العامّ يستعمل في غير معناه الموضوع له مجازا. وأمّا أنّه هل هو تمام الباقي أو سائر مراتب الباقي فلا ظهور للكلام في أحدهما ، بل تعيين تمام الباقي ترجيح بلا مرجّح.

الثاني : ما أفاده المحقّق النائينيّ. وحاصله : أنّ العامّ يدلّ على كلّ فرد من أفراده بدلالة استقلاليّة غير مرتبطة بدلالته على فرد آخر. فدلالته على ثبوت الحكم لكلّ فرد غير منوطة بدلالته على ثبوته لغيره ، بل هي منحلّة إلى دلالات عرضيّة لا ترتبط إحداها بالاخرى ، فإذا اسقطت إحداها عن الحجّيّة بقيت الباقية على الحجّيّة. فوائد الاصول ٢ : ٥٢١.

ولا يخفى : أنّ دعوى دلالة العامّ على كلّ فرد مستقلّا ترجع إلى دعوى استعماله في كلّ فرد استقلالا ، وهو من استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، وهو محال.

قلت : لا يخفى أنّ دلالته على كلّ فرد إنّما كانت لأجل دلالته على العموم والشمول ، فإذا لم يستعمل فيه واستعمل في الخصوص ـ كما هو المفروض ـ مجازا ، وكان إرادة كلّ واحد من مراتب الخصوصيّات ـ ممّا جاز انتهاء التخصيص إليه واستعمال العامّ فيه مجازا ـ ممكنا (١) ، كان تعيين (٢) بعضها بلا معيّن ترجيحا بلا مرجّح ؛ ولا مقتضي لظهوره فيه (٣) ، ضرورة أنّ الظهور إمّا بالوضع وإمّا بالقرينة ، والمفروض أنّه ليس بموضوع له (٤) ، ولم يكن هناك قرينة (٥) ، وليس له موجب آخر.

ودلالته على كلّ فرد على حدة حيث كانت في ضمن دلالته على العموم لا يوجب ظهوره في تمام الباقي بعد عدم استعماله في العموم إذا لم تكن هناك قرينة على تعيينه. فالمانع عنه وإن كان مدفوعا بالأصل ، إلّا أنّه لا مقتضي له بعد رفع اليد عن الوضع. نعم ، إنّما يجدي إذا لم يكن مستعملا إلّا في العموم ، كما فيما حقّقناه في الجواب ، فتأمّل جيّدا.

__________________

(١) أي : وكان استعمال العامّ في كلّ واحد من المراتب ـ مجازا ـ ممكنا.

(٢) وفي بعض النسخ : «تعيّن».

(٣) أي : في بعضها.

(٤) أي : لم يوضع العامّ للدلالة على ثبوت الحكم لبعض المراتب ـ كمرتبة تمام الباقي ـ ، بل إنّما وضع للدلالة على ثبوت الحكم لتمام أفراد مدخوله.

(٥) لأنّ القرينة ـ وهي المخصّص ـ إنّما قامت على أنّ العام استعمل في غير معناه الموضوع له من المراتب المتعدّدة مجازا ، ولا قرينة اخرى على تعيين إحداها.