درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۹۱: عام و خاص ۹

 

متّبعا فيما لا يتّبع فيه الخاصّ ، لوضوح أنّه حجّة فيه بلا مزاحم أصلا ، ضرورة أنّ الخاصّ إنّما يزاحمه فيما هو حجّة على خلافه تحكيما للنصّ أو الأظهر على الظاهر ، لا فيما لا يكون كذلك ، كما لا يخفى.

وإن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين مطلقا (١) ، أو بين الأقلّ والأكثر فيما كان متّصلا (٢) ، فيسرى إجماله إليه حكما في المنفصل المردّد بين المتباينين ، وحقيقة في غيره(٣).

أمّا الأوّل : فلأنّ العامّ على ما حقّقناه كان (٤) ظاهرا في عمومه ، إلّا أنّه لا يتّبع ظهوره في واحد من المتباينين اللّذين علم تخصيصه بأحدهما (٥).

وأمّا الثاني : فلعدم انعقاد ظهور من رأس للعامّ ، لاحتفاف الكلام بما يوجب احتماله لكلّ واحد من الأقلّ والأكثر ، أو لكلّ واحد من المتباينين ، لكنّه حجّة في الأقلّ ، لأنّه المتيقّن في البين.

فانقدح بذلك الفرق بين المتّصل والمنفصل. وكذا في المجمل بين المتباينين ، والأكثر والأقلّ ، فلا تغفل.

[الشبهة المصداقيّة]

وأمّا إذا كان مجملا بحسب المصداق ـ بأن اشتبه فرد ، وتردّد بين أن يكون

__________________

(١) أي : سواء كان المخصّص متّصلا أو منفصلا.

ومثاله : ما إذا قال المولى : «أكرم العلماء إلّا زيدا» أو قال : «أكرم العلماء» ، ثمّ قال : «لا تكرم زيدا» وفرضنا أنّ كلمة «زيد» دائر بين زيد بن عمرو وزيد بن خالد.

(٢) كقول المولى : «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» وكان المفروض أنّ مفهوم الفاسق مجمل ودار أمره بين فاعل الكبيرة فحسب أو الأعمّ منه ومن فاعل الصغيرة.

(٣) أي : في المتّصل المردّد بين المتباينين والمتّصل المردّد بين الأقلّ والأكثر.

(٤) والأولى أن يقول : «وإن كان».

(٥) لأنّ العلم الإجماليّ بخروج أحدهما منه يوجب سقوط العموم عن الحجّيّة ، فإنّ حجّيّة العامّ إنّما تكون ببناء العقلاء المعبّر عنها بأصالة العموم ، وهي لا يمكن تطبيقها على كلا الفردين ، للعلم الإجماليّ بخروج أحدهما ، ولا على أحدهما المعيّن دون الآخر ، لأنّه ترجيح بلا مرجّح.

فردا له (١) أو باقيا تحت العامّ (٢) ـ : فلا كلام في عدم جواز التمسّك بالعامّ لو كان متّصلا به ، ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلّا في الخصوص ، كما عرفت.

وأمّا إذا كان منفصلا عنه : ففي جواز التمسّك به خلاف (٣).

__________________

(١) أي : للخاصّ.

(٢) ومثاله : أن يقول المولى : «أكرم العلماء إلّا الفسّاق» ، وشككنا في أنّ زيد العالم هل هو فاسق أم لا. أو يقول : «بول الحيوان نجس إلّا بول مأكول اللحم» ، وشككنا في أنّ هذا الحيوان هل هو مأكول اللحم كي يكون بوله طاهرا ، أو لا يكون مأكول اللحم فيبقي تحت العامّ ويكون نجسا.

(٣) لا يخفى عليك : أنّ هذه المسألة من المسائل الّتي يبتنى عليه كثير من الفروع الفقهيّة. وفيها أقوال :

القول الأوّل : عدم جواز التمسّك بالعامّ مطلقا. ذهب إليه كثير من المتأخّرين ، منهم المحقّقان : العراقيّ والحائريّ ، والسيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ. فراجع درر الفوائد ١ : ١٨٤ ، نهاية الأفكار ٢ : ٥١٨ ، مناهج الوصول ٢ : ٢٤٥ ـ ٢٥٤ ، المحاضرات ٥ : ١٨٣.

القول الثاني : جواز التمسّك به مطلقا. وهذا منسوب إلى المشهور من قدماء الأصحاب كما في نهاية الأفكار ٢ : ٥١٨. ونسب إلى المحقّق النهاونديّ على ما في تهذيب الاصول ٢ : ١٩. وقد ينسب إلى الفقيه اليزديّ حسبما أفتى في كثير من الفروع على الأخذ بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. ولكن السيّد المحقّق الخوئيّ دفع نسبته إليه ، فراجع المحاضرات ٥ : ١٨٥ ـ ١٨٨.

القول الثالث : التفصيل بين المخصّص اللبّي والمخصّص اللفظيّ ، فيجوز التمسّك به في الأوّل ولا يجوز في الثاني. وهذا القول نسبه المحقّق النائينيّ إلى الشيخ الأعظم الأنصاريّ وقال : «أوّل من أفاد ذلك هو الشيخ على ما في التقرير». فوائد الاصول ٢ : ٥٣٦.

ولكن السيّد البروجرديّ دفع نسبته إلى الشيخ ، ونسب إليه ـ بعد ما ذكر نصّ ما في مطارح الأنظار : ١٩٤ ـ أنّه فرّق بين ما إذا كان للمخصّص عنوان ، وما إذا ما لم يكن للمخصّص عنوان ، فلا يجوز التمسّك بالعامّ على الأوّل ، ويجوز على الثاني. نهاية الاصول : ٢٩٧ ـ ٢٩٨.

القول الرابع : التفصيل بين المخصّص اللفظيّ والمخصّص اللبّي المتّصل الّذي يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده وبين المخصّص اللبّي المنفصل الّذي لا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده ، فلا يجوز التمسّك بالعامّ في الأوّل ، ويجوز في الثاني. وهذا ما اختاره المصنّف رحمه‌الله في المقام ، كما يأتي.

القول الخامس : التفصيل بين المخصّص اللفظيّ والمخصّص اللبّي الّذي لا يوجب تقييد ـ

والتحقيق عدم جوازه ، إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه : أنّ الخاصّ إنّما يزاحم العامّ فيما كان فعلا حجّة ، ولا يكون حجّة فيما اشتبه أنّه من أفراده ، فخطاب «لا تكرم فسّاق العلماء» لا يكون دليلا على حرمة إكرام من شكّ في فسقه من العلماء ، فلا يزاحم مثل «أكرم العلماء» ولا يعارضه ، فإنّه يكون من قبيل مزاحمة الحجّة بغير الحجّة.

وهو (١) في غاية الفساد ، فإنّ الخاصّ وإن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه فعلا ، إلّا أنّه (٢) يوجب اختصاص حجّيّة العامّ في غير عنوانه من الأفراد ، فيكون «أكرم العلماء» دليلا وحجّة في العالم غير الفاسق. فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقا للعامّ بلا كلام ، إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة ، لاختصاص حجّيّته بغير الفاسق.

وبالجملة : العامّ المخصّص بالمنفصل وإن كان ظهوره في العموم كما إذا لم يكن مخصّصا ـ بخلاف المخصّص بالمتّصل كما عرفت ـ إلّا أنّه في عدم الحجّيّة ـ إلّا في غير عنوان الخاصّ ـ مثله. فحينئذ يكون الفرد المشتبه غير معلوم الاندراج تحت إحدى الحجّتين ، فلا بدّ من الرجوع إلى ما هو الأصل في البين. هذا إذا كان المخصّص لفظيّا.

وأمّا إذا كان لبّيّا (٣) : فإن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب (٤) ، فهو كالمتّصل ، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعامّ إلّا في الخصوص. وإن لم يكن كذلك ، فالظاهر بقاء العامّ في المصداق المشتبه على

__________________

ـ موضوع الحكم وتضييقه وبين المخصّص اللبّي الّذي يوجب تقييد موضوع الحكم. فلا يجوز التمسّك به في الأوّل ، ويجوز في الثاني. وهذا ما اختاره المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٥٣٦ ـ ٥٣٩.

(١) أي : ما يقال في وجه جوازه.

(٢) أي : الخاصّ.

(٣) المخصّص اللبّيّ ما يقابل اللفظيّ ، كالإجماع ودليل العقل والسيرة وغيرها.

(٤) كما إذا كان المخصّص حكما عقليّا ضروريّا بحيث يعدّ عرفا من القرائن المتّصلة المانعة عن انعقاد ظهور للعامّ في العموم.