درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۹۳: عام و خاص ۱۱

 

حجّيّته كظهوره فيه.

والسرّ في ذلك : أنّ الكلام الملقى من السيّد حجّة ليس إلّا ما اشتمل على العامّ الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم ، فلا بدّ من اتّباعه ما لم يقطع بخلافه. مثلا ، إذا قال المولى : «أكرم جيراني» ، وقطع (١) بأنّه لا يريد إكرام من كان عدوّا له منهم (٢) ، كان أصالة العموم باقية على الحجّيّة بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه عن عموم الكلام ، للعلم بعداوته ، لعدم حجّة اخرى بدون ذلك على خلافه (٣). بخلاف ما إذا كان المخصّص لفظيّا ، فإنّ قضيّة تقديمه عليه (٤) هو كون الملقى إليه كأنّه كان ـ من رأس ـ لا يعمّ الخاصّ ، كما كان كذلك حقيقة فيما كان الخاصّ متّصلا. والقطع بعدم إرادة العدوّ لا يوجب انقطاع حجيّته إلّا فيما قطع أنّه عدوّه ، لا فيما شكّ فيه ، كما يظهر صدق هذا من صحّة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا من جيرانه لاحتمال عداوته له ، وحسن عقوبته على مخالفته ، وعدم صحّة الاعتذار عنه بمجرّد احتمال العداوة ، كما لا يخفى على من راجع الطريقة المعروفة والسيرة المستمرّة المألوفة بين العقلاء الّتي هي ملاك حجّيّة أصالة الظهور.

وبالجملة : كان بناء العقلاء على حجّيّتها (٥) بالنسبة إلى المشتبه هاهنا. بخلاف هناك. ولعلّه لما أشرنا إليه من التفاوت بينهما بإلقاء حجّتين هناك تكون قضيّتهما بعد تحكيم الخاصّ وتقديمه على العامّ كأنّه لم يعمّه حكما من رأس ، وكأنّه لم يكن بعامّ ؛ بخلاف هاهنا ، فإنّ الحجّة الملقاة ليست إلّا واحدة ، والقطع بعدم إرادة إكرام العدوّ في «أكرم جيراني» ـ مثلا ـ لا يوجب رفع اليد عن عمومه إلّا فيما قطع بخروجه من تحته ، فإنّه على الحكيم إلقاء كلامه على وفق غرضه ومرامه ، فلا بدّ من اتّباعه ما لم تقم حجّة أقوى على خلافه.

__________________

(١) أي : قطع العبد.

(٢) أي : من الجيران.

(٣) أي : على خلاف العموم.

(٤) أي : تقديم الخاصّ على العامّ.

(٥) أي : حجّيّة أصالة الظهور بالنسبة إلى الفرد المشتبه ، كمحتمل العداوة.

بل يمكن أن يقال : إنّ قضيّة عمومه للمشكوك أنّه ليس فردا لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه ، فيقال في مثل «لعن الله بني اميّة قاطبة» (١) : «إنّ فلانا وإن شكّ في إيمانه يجوز لعنه» ، لمكان العموم ، وكلّ من جاز لعنه لا يكون مؤمنا ، فينتج أنّه ليس بمؤمن ، فتأمّل جيّدا.

إيقاظ : [استيعاب العدم الأزليّ] (٢)

لا يخفى : أنّ الباقي تحت العامّ بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من

__________________

(١) راجع بحار الأنوار ٩٨ : ٢٩٢.

(٢) لا يخفى : أنّ الأوصاف قسمان :

أحدهما : ما يكون متأخّرا عن الذات وجودا ، بحيث تكون الذات غير متّصفة بها في زمان ، كالفسق والعدالة والعلم وغيرها.

ثانيهما : ما تقترن الذات وجودا ، بحيث يكون ثابتا للذات أزلا ، فلا يتصوّر زمان لم يتّصف به الذات ، كالقرشيّة والنبطيّة وغيرهما.

لا شكّ أنّه يمكن إثبات حكم العامّ للفرد المشكوك بواسطة نفي عنوان الخاصّ عنه في القسم الأوّل ، إذ للذات حالة سابقة يقطع فيها بعدم اتّصافها به ، ومع الشكّ في ثبوته لها يستصحب عدمه. مثلا : إذا شكّ في فسق زيد ، يستصحب عدم فسقه ويثبت له حكم العامّ في «أكرم العلماء إلّا الفسّاق».

وإنّما الكلام في القسم الثاني ـ أي : الأوصاف الأزليّة المقارنة للذات وجودا ـ. فيبحث عن إمكان جريان أصالة عدم الوصف الأزليّ بلحاظ عدم موضوعه في السابق ، فيثبت حكم العامّ للفرد المشكوك ، وعدم إمكانه. ويعبّر عنه بإمكان استصحاب العدم الأزليّ وعدم إمكانه. مثلا : ورد في الشريعة أنّ المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشيّة ، فإنّها تحيض إلى ستّين. فإذا شكّ في كون امرأة قرشيّة ، هل يمكن إجراء استصحاب عدم قرشيّة المرأة بلحاظ عدم وجود المرأة في السابق أو لا يمكن؟ فعلى الأوّل يبقى الفرد المشكوك تحت حكم العامّ ويحكم بأنّ ما تراه بعد خمسين ليس حيضا. وعلى الثاني لا يجري الاستصحاب المذكور.

ذهب المصنّف رحمه‌الله إلى جريانه ، كما يأتي.

وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى عدم جريانه ـ بعد ذكر مقدّمات ثلاث ـ ، فراجع فوائد الاصول ٢ : ٥٣٠ ـ ٥٣٦ ، أجود التقريرات ١ : ٤٦٣ ـ ٤٧٤.

ثمّ إنّ السيّد المحقّق الخوئيّ وافق المصنّف رحمه‌الله ـ بعد ما أخذ بالنقد على ما أفاده استاذه ـ

المتّصل (١) لمّا كان غير معنون بعنوان خاصّ ، بل بكلّ عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاصّ (٢) ، كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعيّ في غالب الموارد ـ إلّا ما شذّ (٣) ـ ممكنا ، فبذلك (٤) يحكم عليه بحكم العامّ وإن لم يجز التمسّك به (٥)

__________________

ـ المحقّق النائينيّ ـ. بخلاف السيّد الإمام الخمينيّ ، فإنّه وافق المحقّق النائينيّ ـ بعد ذكر مقدّمات خمس ـ. فراجع تفصيل كلامهما في المحاضرات ٥ : ٢٠٧ ـ ٢٣٢ ، ومناهج الوصول ٢ : ٢٥٣ ـ ٢٦٩.

وذهب المحقّق العراقيّ إلى التفصيل بين ما إذا كان العرض مأخوذا في رتبة متأخّرة عن وجود الذات ، وما إذا كان مأخوذا في مرحلة نفس الذات ، فيجري في الثاني دون الأوّل. نهاية الأفكار ٤ : ٢٠٠ ـ ٢٠٣.

(١) إشارة إلى أنّ المخصّص المتّصل على نحوين :

الأوّل : ما لا يكون مؤدّاه إلّا بيان منافات بعض الأوصاف للحكم العامّ ، فيتكفّل إخراج ما يعنون بها عن حكم العامّ من دون أن يدلّ على دخالة وصف آخر في الحكم ، وهو كالاستثناء في قولنا : «أكرم كلّ عالم إلّا الفاسق» وكالشرط في قولنا : «أكرم العلماء إذا لم يكونوا فسّاقا».

الثاني : ما يتكفّل الإخراج ولكن يدلّ على دخالة وصف آخر في الحكم ، نحو : «أكرم كلّ عالم عادل».

ومحلّ البحث في المقام هو النحو الأوّل ، لأنّ القسم الثاني يوجب تعنون العامّ وتضييق موضوع الحكم قطعا.

ولكن أورد عليه المحقّق النائينيّ بأنّ المخصّص المتّصل يوجب انعقاد الظهور رأسا في الخصوص ، فكيف لا يكون معنونا بعنوان خاصّ وأنّه كالمنفصل؟!

وأجاب عنه السيّد المحقّق الخوئيّ بأنّ غرض المحقّق صاحب الكفاية أنّ العامّ بعد تخصيصه بالإنشاء لا يتعنون بعنوان خاصّ ، بأنّ يعتبر اتّصافه بوصف وجوديّ أو عدميّ ، لأنّ غاية ما يترتّب على الاستثناء إنّما هو اعتبار عدم اتّصاف العامّ بالوصف الوجوديّ المأخوذ في ناحية الخاصّ. أجود التقريرات ١ : ٤٧٣.

(٢) أي : بل كان الباقي معنونا بكلّ عنوان ثبت للعامّ دون عنوان الخاصّ.

(٣) وهو فيما إذا شكّ فيه لتبادل الحالتين ، كمن تبادل عليه حالتي الفسق والعدالة.

(٤) أي : بالأصل الموضوعيّ.

(٥) وفي مرجع المضير وجهان :

الأوّل : أن يرجع إلى العامّ ، فيكون المعنى : «وإن لم يجز التمسّك بالعامّ من دون جريان ـ

بلا كلام ، ضرورة أنّه قلّما لا يوجد (١) عنوان يجري فيه أصل ينقّح به أنّه ممّا بقي تحته. مثلا : إذا شكّ أنّ امرأة تكون قرشيّة فهي وإن كانت وجدت إمّا قرشيّة أو غيرها ، فلا أصل يحرز أنّها قرشيّة أو غيرها ، إلّا أنّ أصالة عدم تحقّق الانتساب بينها وبين قريش تجدي في تنقيح أنّها ممّن لا تحيض إلّا إلى خمسين ، لأنّ المرأة الّتي لا يكون بينها وبين قريش انتساب أيضا (٢) باقية تحت ما دلّ على أنّ المرأة إنّما ترى الحمرة إلى خمسين (٣) ، والخارج عن تحته هي القرشيّة ، فتأمّل تعرف.

وهم وإزاحة

ربما يظهر عن بعضهم التمسّك بالعمومات فيما إذا شكّ في فرد (٤) لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة اخرى ، كما إذا شكّ في صحّة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف ، فيستكشف صحّته بعموم مثل : «أوفوا بالنذور» فيما إذا وقع متعلّقا للنذر ، بأن يقال : وجب الإتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر للعموم ، وكلّ ما يجب الوفاء به لا محالة يكون صحيحا ، للقطع بأنّه لو لا صحّته لما وجب الوفاء به.

وربما يؤيّد ذلك بما ورد من صحّة الإحرام و؟؟؟ قبل الميقات وفي السفر

__________________

ـ الأصل المذكور ، لأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. و؟؟؟ بعد إحراز فرديّة المشتبه للعامّ بسبب الأصل المزبور فلا مانع من التمسّك بالعامّ ، لعدم كونه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة».

الثاني : أن يرجع إلى الأصل ، وعليه يكون المعنى : «وإن لم يجز التمسّك بالأصل المذكور لترتيب الآثار ، لأنّه من الأصل المثبت ، بل الأصل المزبور إنّما ينقّح موضوع العامّ وينفي عنوان الخاصّ عن الفرد المشتبه ، وحينئذ يشمله العامّ ويترتّب عليه حكمه».

(١) وفي بعض النسخ : «لم يوجد».

(٢) أي : كالمرأة غير القرشيّة.

(٣) روى ابن أبي عمير مرسلا عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلّا أن تكون امرأة من قريش». الوسائل ٢ : ٥٨٠ ، الباب ٣١ من أبواب الحيض. الحديث ٢.

(٤) أي : في حكم فرد.