درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۹۸: عام و خاص ۱۶

 

فالتحقيق عدم جواز التمسّك به قبل الفحص فيما إذا كان في معرض التخصيص ، كما هو الحال في عمومات الكتاب والسنّة ، وذلك لأجل أنّه لو لا القطع باستقرار سيرة العقلاء على عدم العمل به قبله فلا أقلّ من الشكّ ، كيف! وقد ادّعي الإجماع على عدم جوازه فضلا عن نفي الخلاف عنه ، وهو كاف في عدم الجواز ، كما لا يخفى. وأمّا إذا لم يكن العامّ كذلك ـ كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورات ـ فلا شبهة في أنّ السيرة على العمل به بلا فحص عن مخصّص (١).

وقد ظهر لك بذلك أنّ مقدار الفحص اللازم ما به يخرج عن المعرضيّة له. كما

__________________

ـ القوانين ١ : ٢٧٦. وحاصله : أنّ المقصود من العمل بالأحكام هو تحقّق إطاعة الموالى ، ولا تتحقّق إطاعتهم إلّا بالعمل بمرادهم ، فلا بدّ من العلم أو الظنّ بمرادهم. ولا يحصل الظنّ بمرادهم من العموم قبل الفحص ، فيجب الفحص حتّى يحصل الظنّ به.

الثاني : ما نسب في مطارح الأنظار : ٢٠١ إلى المحقّق القميّ. وحاصله : أنّ خطابات الكتاب والسنّة خاصّة للمشافهين ، فلا تعمّ غيرهم من الغائبين والمعدومين. وعليه فلا يمكن لهم أن يتمسّكوا بعموم تلك الخطابات ، بل لا بدّ في إثبات توجّهها إليهم من التمسّك بقاعدة الاشتراك في التكليف ، والتمسّك بها متوقّف على تعيين أنّ الحكم عامّ أو خاصّ ، وهو متوقّف على الفحص ، فإذن يجب على غير المشافهين الفحص عن المخصّص.

الثالث : ما ذكره الشيخ الأنصاريّ واعتمد عليه على ما في مطارح الأنظار : ٢٠٢. وحاصله : أنّا نعلم إجمالا بورود مخصّصات كثيرة للعمومات الواردة في الشريعة. وقضيّة هذا العلم الإجماليّ عدم جواز العمل بالعمومات قبل الفحص عن المخصّص ، فإذن يجب الفحص عن المخصّص.

والمصنّف رحمه‌الله حدّد محلّ البحث ، فذكر أنّ البحث في جواز العمل بالعامّ قبل الفحص وعدم جوازه إنّما هو بعد الفراغ عن اعتبار أصالة العموم من باب الظنّ النوعيّ لا الشخصيّ ، فلا مجال للاستدلال بالدليل الأوّل ؛ وبعد الفراغ عن حجّيّتها بالنسبة إلى المشافهين وغيرهم ، فلا مجال للاستدلال بالدليل الثاني ؛ وبعد الفراغ عن عدم كون العامّ من أطراف العلم الإجماليّ بالتخصيص ، فلا مجال للاستدلال بالدليل الثالث.

(١) ووافقه المحقّق الاصفهانيّ والسيّد الإمام الخمينيّ. وظاهر كلام المحقّق النائينيّ هو عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص مطلقا. راجع نهاية الدراية ١ : ٦٤٦ ، ومناهج الوصول ٢ : ٢٧٥ ، فوائد الاصول ٢ : ٥٣٩.

أنّ مقداره اللازم منه (١) بحسب سائر الوجوه الّتي استدلّ بها ـ من العلم الإجماليّ به أو حصول الظنّ بما هو التكليف أو غير ذلك ـ رعايتها ، فيختلف مقداره بحسبها ، كما لا يخفى (٢).

ثمّ إنّ الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصّص المتّصل باحتمال أنّه كان ولم يصل ، بل حاله حال احتمال قرينة المجاز ، وقد اتّفقت كلماتهم (٣) على عدم الاعتناء به مطلقا ولو قبل الفحص عنها ، كما لا يخفى.

إيقاظ : [الفرق بين الفحص هاهنا والفحص في الاصول العمليّة]

لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا وبينه في الاصول العمليّة ، حيث إنّه هاهنا عمّا يزاحم الحجيّة ، بخلافه هناك (٤) ، فإنّه بدونه لا حجّة ، ضرورة أنّ العقل بدونه يستقلّ باستحقاق المؤاخذة على المخالفة ، فلا يكون العقاب بدونه بلا بيان والمؤاخذة عليها من غير برهان (٥).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «منه» ، ضرورة أنّه لا معنى لقولنا : «مقدار الفحص اللازم من الفحص». ويصحّ أيضا أن يقول : «كما أنّ المقدار اللازم منه ...».

(٢) ذهب ابن الحاجب إلى أن مقدار الفحص اللازم ما به يظنّ بعدم المخصّص. ونسب إلى القاضي الباقلانيّ أنّ المقدار اللازم ما به يقطع بعدم المخصّص. راجع منتهى الوصول والأمل : ١٤٤.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المقدار اللازم ما به يحصل الاطمئنان وسكون النفس بعدم وجود المخصّص. وتبعه السيّد المحقّق الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٢ : ٥٤٧ ـ ٥٤٨ ، والمحاضرات ٥ : ٢٧٢.

(٣) وفي بعض النسخ : «كلمتهم». والأولى ما أثبتناه.

(٤) وفي بعض النسخ : «بخلاف هناك». والصحيح ما أثبتناه.

(٥) وتوضيح ما أفاده : أنّ الفحص في المقام إنّما هو عن وجود المانع والمزاحم لحجّيّة الدليل العامّ مع ثبوت المقتضي لها قطعا ـ وهو ظهوره في العموم ـ ، لعدم وجود قرينة متّصلة تمنع عن انعقاد ظهوره في العموم ، فالمقتضي للحجّيّة ـ وهو ظهوره في العموم ـ موجود ، والفحص إنّما هو عن وجود مخصّص منفصل ، وهو إنّما تزاحم حجّيّة العامّ. بخلاف الفحص في ـ

والنقل وإن دلّ على البراءة أو الاستصحاب في موردهما مطلقا (١) ، إلّا أنّ الإجماع بقسميه على تقييده به (٢) ، فافهم.

__________________

ـ الاصول العمليّة ، فإنّه فحص عن أصل الحجّة ، حيث أنّ موضوع الاصول العمليّة عدم البيان على الحكم الشرعيّ ، ولا يحرز عدم البيان إلّا بعد الفحص ، فالفحص محقّق لموضوعها ومتمّم للمقتضي لها ، وبدونه لا حجّة أصلا.

وخالفه المحقّق الاصفهانيّ والسيّدان العلمان : الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ، فذهبوا إلى أنّ الفحص عن المخصّص في العمومات الّتي تكون في معرض التخصيص فحص عن متمّم الحجّة ومحقّق الموضوع. فراجع نهاية الدراية ١ : ٦٤٩ ، مناهج الوصول ٣ : ٢٧٦ ، المحاضرات ٥ : ٢٧٢.

(١) أي : من غير تقييد بالفحص.

(٢) أي : على تقييد النقل بالفحص.

فصل

[الخطابات الشفاهيّة]

هل الخطابات الشفاهيّة مثل «يا أيّها المؤمنون» يختصّ بالحاضر مجلس التخاطب أو يعمّ غيره من الغائبين بل المعدومين؟ فيه خلاف.

[بيان محلّ النزاع]

ولا بدّ قبل الخوض في تحقيق المقام من بيان ما يمكن أن يكون محلّا للنقض والإبرام بين الأعلام.

فاعلم أنّه يمكن أن يكون النزاع في أنّ التكليف المتكفّل له الخطاب هل يصحّ تعلّقه بالمعدومين كما صحّ تعلّقه بالموجودين أم لا؟ أو في صحّة المخاطبة معهم بل مع الغائبين عن مجلس الخطاب بالألفاظ الموضوعة للخطاب أو بنفس توجيه الكلام إليهم وعدم صحّتها (١) ، أو في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أدوات الخطاب للغائبين بل المعدومين وعدم عمومها لهما بقرينة تلك الأدوات.

ولا يخفى : أنّ النزاع على الوجهين الأوّلين يكون عقليّا (٢) ، وعلى الوجه

__________________

(١) المراد من الصحّة وعدمها في كلا الوجهين من النزاع هو الإمكان وعدمه.

(٢) لأنّ الحاكم بإمكان تعلّق الخطاب بالمعدومين وامتناعه وإمكان مخاطبة المعدومين وعدمه هو العقل.