درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۰۶: عام و خاص ۲۴

 

فصل

[التخصيص بالمفهوم المخالف]

قد اختلفوا في جواز التخصيص بالمفهوم المخالف ـ مع الاتّفاق على الجواز بالمفهوم الموافق ـ على قولين. وقد استدلّ لكلّ منهما بما لا يخلو عن قصور (١).

__________________

(١) توضيح محلّ النزاع : أنّه يقع البحث في أنّ العامّ هل يخصّص بالمفهوم أم لا؟

وبما أنّ المفهوم ينقسم إلى الموافق والمخالف يقع البحث في مقامين :

الأوّل : في المفهوم الموافق : فإذا ورد عامّ ومفهوم موافق أخصّ منه تارة تكون النسبة بينهما عموما من وجه ، نحو قوله : «لا تكرم الصرفيّين» وقوله : «أكرم جهّال خدّام النحويّين» ، فإنّ الأوّل عامّ يشمل كلّ واحد من الصرفيّين ، سواء كان نحويّا أيضا أو لا ، والمفهوم من الثاني بالأولويّة وجوب إكرام النحويّين ، وهو أخصّ من قوله السابق ، كأنّه قال : «لا تكرم الصرفيّين إلّا النحويّين منهم». وأخرى تكون النسبة بينهما عموما مطلقا ، كأن يستفاد من الأدلّة «جواز ضرب الأقارب» وورد قوله تعالى : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾ الأسراء / ٢٣ ، وهو دالّ بالأولويّة على عدم جواز ضربهما. فقد اشتهر وادّعي الاتّفاق على تقديم المفهوم الموافق على العامّ مطلقا. راجع الفصول الغرويّة : ٢١٢ ، مطارح الأنظار : ٢٠٩ ، فوائد الاصول ٢ : ٥٥٦٧.

وقد تعرّض السيّد الإمام الخمينيّ للاحتمالات في تفسير المفهوم الموافق ، ثمّ أفاد : أنّه لا يبعد أن يكون محطّ كلام القدماء ومورد اتّفاقهم على جواز تخصيص العموم بالمفهوم الموافق ما إذا كان المفهوم أخصّ مطلقا ، فإنّ حال هذا المفهوم حال اللفظ الملقى إلى المتكلّم ، فيخصّص به العامّ بلا ريب. وأمّا إذا كان بينهما العموم من وجه فيعامل معهما معاملة المنطوقين. مناهج الوصول ٢ : ٢٩٩.

الثاني : المفهوم المخالف : كما إذا ورد عامّ كقوله تعالى : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِ

وتحقيق المقام : أنّه إذا ورد العامّ وما له المفهوم في كلام أو كلامين ـ ولكن على نحو يصلح أن يكون (١) كلّ منهما قرينة متّصلة للتصرّف في الآخر ـ ودار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم (٢) ، فالدلالة على كلّ منهما إن كانت بالإطلاق بمعونة مقدّمات الحكمة أو بالوضع ، فلا يكون هناك عموم ولا مفهوم ، لعدم تماميّة مقدّمات الحكمة في واحد منهما ، لأجل المزاحمة ، كما في مزاحمة ظهور أحدهما وضعا لظهور الآخر كذلك ؛ فلا بدّ من العمل بالاصول العمليّة فيما

__________________

ـ شَيْئاً﴾ النجم / ٢٨ ، فإنّه دالّ بعمومه على عدم اعتبار كلّ ظنّ ، حتّى الظنّ الحاصل من خبر العادل. ووردت آية اخرى هي : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات / ٦ ، وهي تدلّ بمفهوم الشرط على اعتبار الظنّ الحاصل من خبر غير الفاسق. فهل يجوز تخصيص ذلك العامّ بهذا المفهوم أو لا؟

فيه أقوال :

الأوّل : أنّه لا يجوز. وهذا منسوب إلى أبي العبّاس بن سريج. راجع إرشاد الفحول : ١٦٠ ، واللمع : ٣٤.

الثاني : أنّه لا بدّ من تخصيصه بهذا المفهوم. وهذا ما ذهب إليه كثير من العامّة ، بل ادّعى الآمديّ عدم الخلاف فيه. وذهب إليه أيضا كثير من الإماميّة كصاحبي المعالم والفصول. راجع الإحكام ٢ : ٣٢٨ ، المعالم : ١٤٠ ، الفصول الغرويّة : ٢١٢.

الثالث : التفصيل بين ما إذا كان العموم آبيا عن التخصيص فلا يخصّصه المفهوم ، وما إذا كان غير آب عنه فيخصّصه. وهذا ما يستفاد من ظاهر كلام الشيخ الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

الرابع : أنّه لا يقدّم أحدهما على الآخر ويبقى الكلام مجملا لو لم يكن في البين أظهر. وهذا ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله في المقام.

الخامس : إذا كان المفهوم أخصّ مطلقا من العامّ فيقدّم عليه ، وإذا كان بينهما العموم من وجه فيعامل معهما معاملة العموم من وجه ، فربّما يقدّم العامّ وربّما يقدّم المفهوم. وهذا ما أفاده المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٥٥٩ ـ ٥٦٠.

السادس : إن كانت دلالة المفهوم بالوضع يقع التعارض بينهما ، وإلّا فيقدّم العامّ إن كان في كلام واحد ، وإلّا يقع التعارض بينهما. وهذا ما اختاره السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ٢ : ٣٠٢ ـ ٣٠٣.

(١) وفي بعض النسخ : «على نحو يكون».

(٢) والأولى أن يقول : «وإلغاء المفهوم».

دار فيه (١) بين العموم والمفهوم إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر ، وإلّا كان مانعا عن انعقاد الظهور أو استقراره في الآخر.

ومنه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دلّ على العموم وما له المفهوم ذاك الارتباط والاتّصال ، وأنّه لا بدّ أن يعامل مع كلّ منهما معاملة المجمل لو لم يكن في البين أظهر ، وإلّا فهو المعوّل والقرينة (٢) على التصرّف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل.

__________________

(١) أي : فيما إذا ورد العامّ وما له المفهوم في كلام أو كلامين.

(٢) معطوف على قوله : «المعوّل» ، أي : وهو القرينة ...

فصل

[الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة]

الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة (١) هل الظاهر هو رجوعه إلى الكلّ أو خصوص الأخيرة أو لا ظهور له في واحد منهما ، بل لا بدّ في التعيين من قرينة؟ (٢) أقوال (٣).

__________________

(١) لا يخفى : أنّ البحث لا يختصّ بالاستثناء ، بل يعمّ كلّ مخصّص متّصل كالنعت والحال وغيرهما. كما أنّ البحث لا يعمّ كلّ جمل متعدّدة ، بل يختصّ بالجمل المتعاطفة.

وعليه ، فكان الأولى أن يقول : «المخصّص المتعقّب للجمل المتعاطفة» ، فإنّ قولنا : «المخصّص» يشمل النعت والحال وغيرهما. وقولنا : «المتعقّب» يدلّ على خروج المخصّص غير المتعقّب ، وهو المخصّص المنفصل الّذي يسقط الجميع عن الحجّيّة من جهة العلم الإجماليّ. وقولنا : «للجمل المتعاطفة» يدلّ على خروج الجمل المستقلّة.

(٢) مثاله قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ...﴾ النور / ٥ و ٦.

وقوله تعالى : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ النساء / ٩٢.

(٣) القول الأوّل : ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة. وهذا منسوب إلى أبي حنيفة كما في الإحكام (للآمديّ) ٢ : ٣٠٠. واختاره العلّامة في مبادئ الوصول : ١٣٦ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٠٤. ـ

والظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أيّ حال ، ضرورة أنّ رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة. وكذا في صحّة رجوعه إلى الكلّ ـ وإن كان المتراءى من كلام صاحب المعالم رحمه‌الله (١) حيث مهّد مقدّمة لصحّة رجوعه إليه (٢) ـ أنّه (٣) محلّ الإشكال والتأمّل. وذلك ضرورة أنّ تعدّد المستثنى منه كتعدّد المستثنى لا يوجب تفاوتا أصلا في ناحية الأداة بحسب المعنى ـ كان الموضوع له في الحروف عامّا أو خاصّا ـ ، وكان المستعمل فيه الأداة

__________________

ـ القول الثاني : أنّ الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل ، وتخصيصه بالأخيرة يحتاج إلى الدليل. وهذا مذهب الشافعيّة من العامّة والشيخ الطوسيّ من الإماميّة. راجع الإحكام (للآمدي) ٢ : ٣٠٠ ، والعدّة ١ : ٣٢١.

القول الثالث : عدم ظهور الكلام في واحد منهما ، وإن كان رجوعه إلى الأخيرة متعيّنا. فيبقى ما عدا الأخيرة مجملا. وهذا ما يتراءى من كلام السيّد المرتضى في الذريعة إلى اصول الشريعة ١ : ٢٤٩. واختاره المصنّفرحمه‌الله في المقام.

القول الرابع : التفصيل بين ما إذا كرّر الحكم دون الموضوع ، كقولنا «أكرم العلماء واحسنهم واطعمهم واقض حوائجهم إلّا الفاسقين» ، وبين ما إذا كرّر الموضوع أيضا كالآية الشريفة. فعلى الأوّل يرجع الاستثناء إلى الجميع ، وعلى الثاني يرجع إلى خصوص الأخيرة. وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٢ : ٥٥٥.

القول الخامس : التفصيل بين ما إذا لم يتكرّر الموضوع وما إذا كرّر. فعلى الأوّل يرجع الضمير إلى المذكور في الجملة الأولى ، فيوجب تخصيصه بالإضافة إلى جميع الأحكام الثابتة له. وعلى الثاني يرجع إلى ما اعيد فيه الموضوع وما بعده. وهذا ما أفاده السيّد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ٣٠٨ ـ ٣٠٩.

القول السادس : أنّه إذا لم يتكرّر الموضوع يرجع الاستثناء إلى الجميع ، وإذا تكرّر ـ سواء تكرّر في الجمل كلّها أو في بعض الجمل ـ فرجوعه إلى الجميع وإلى الأخيرة محتمل ، ولا يكون ظاهرا في واحد منهما. وهذا مختار السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ٢ : ٣٠٧ ـ ٣٠٨.

(١) معالم الدين : ١٢٤.

(٢) لا يخفى : أنّ الظاهر من كلام صاحب المعالم أنّه مهّد المقدّمة لإثبات أنّ رجوع الاستثناء إلى الكلّ على نحو الاشتراك المعنويّ ، لا الاشتراك اللفظيّ. فغرضه من تمهيد المقدّمة بيان كيفيّة رجوعه إلى الكلّ ، لا بيان أصل صحّة رجوعه إليه.

(٣) أي : رجوعه إلى الكلّ.