درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۴۰: قطع ۱۴

 

إن قلت : كيف يمكن ذلك؟ وهل هو إلّا أنّه يكون مستلزما لاجتماع المثلين أو الضدّين؟

قلت : لا بأس باجتماع الحكم الواقعيّ الفعليّ بذاك المعنى ـ أي لو قطع به من باب الاتّفاق لتنجّز ـ مع حكم آخر فعليّ في مورده ، بمقتضى الأصل أو الأمارة ، أو دليل أخذ في موضوعه الظنّ بالحكم بالخصوص ، على ما سيأتي من التحقيق في التوفيق بين الحكم الظاهريّ والواقعيّ (١).

الأمر الخامس

[الموافقة الالتزاميّة]

هل تنجّز التكليف بالقطع كما يقتضي موافقته عملا ، يقتضي موافقته التزاما ، والتسليم له اعتقادا وانقيادا ، كما هو اللازم في الاصول الدينيّة والامور الاعتقاديّة ، بحيث كان له امتثالان وطاعتان : (إحداهما) بحسب القلب والجنان ، (والأخرى) بحسب العمل بالأركان ، فيستحقّ العقوبة على عدم الموافقة التزاما ولو مع الموافقة عملا ، أو لا يقتضي ، فلا يستحقّ العقوبة عليه ، بل إنّما يستحقّها على المخالفة العمليّة؟

الحقّ هو الثاني ، لشهادة الوجدان الحاكم في باب الإطاعة والعصيان بذلك (٢) ، واستقلال العقل بعدم استحقاق العبد الممتثل لأمر سيّده إلّا المثوبة دون العقوبة ، ولو لم يكن متسلّما وملتزما به ومعتقدا ومنقادا له ، وإن كان ذلك يوجب تنقيصه وانحطاط درجته لدى سيّده ، لعدم اتّصافه بما يليق أن يتّصف العبد به من الاعتقاد بأحكام مولاه والانقياد لها ؛ وهذا غير استحقاق العقوبة على مخالفته لأمره أو نهيه التزاما مع موافقته عملا ، كما لا يخفى.

__________________

(١) يأتي في مبحث حجّيّة الأمارات : ٢٨٥ ـ ٢٨٧ من هذا الجزء.

(٢) أي : بعدم الاقتضاء.

ثمّ لا يذهب عليك : أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة وكان المكلّف متمكّنا منها تجب (١) ـ ولو فيما لا تجب عليه الموافقة القطعيّة عملا ، ولا تحرم المخالفة القطعيّة عليه كذلك أيضا ، لامتناعهما (٢) ، كما إذا علم إجمالا بوجوب شيء أو حرمته ـ ، للتمكّن (٣) من الالتزام بما هو الثابت واقعا والانقياد له والاعتقاد به بما هو الواقع والثابت وإن لم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة.

وإن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام به بخصوص عنوانه (٤) لما كانت موافقته القطعيّة الالتزاميّة حينئذ ممكنة ، ولما وجب عليه الالتزام بواحد قطعا (٥) ، فإنّ محذور الالتزام بضدّ التكليف عقلا ليس بأقلّ من محذور عدم الالتزام به بداهة ، مع ضرورة أنّ التكليف ـ لو قيل باقتضائه للالتزام ـ لم يكد يقتضي إلّا الالتزام بنفسه عينا ، لا الالتزام به أو بضدّه تخييرا(٦).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «لو كان المكلّف متمكّنا منها لوجب ...». والصحيح ما أثبتناه. والضمير المستتر في قوله : «تجب» يرجع إلى الموافقة الالتزاميّة.

(٢) تعليل لعدم وجوب الموافقة القطعيّة عملا وعدم حرمة المخالفة كذلك.

(٣) تعليل لقوله : «تجب». أي : تجب الموافقة الالتزاميّة ، لتمكّنه منها ، بأن يلتزم بما هو الثابت واقعا ، وإن لم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة.

(٤) أي : بعنوان أنّه واجب ، أو بعنوان أنّه حرام.

(٥) لا خصوص الوجوب ولا خصوص الحرمة. وذلك لإمكان أن يكون الحكم الملتزم به ضدّ الحكم الواقعيّ.

(٦) والحاصل : أنّ في لزوم الالتزام بما هو الثابت بعنوانه الخاصّ ـ من الوجوب أو الحرمة ـ محذورين :

الأوّل : أنّه يحتمل أن يكون الحكم الملتزم به ضدّ الحكم الواقعيّ. فلو التزم به بعنوان أنّه واجب وكان الثابت واقعا حراما التزم بما هو ضدّ الحكم الواقعي ، وكذا لو التزم به بعنوان أنّه حرام. وحينئذ لا يمكن الموافقة القطعيّة ، لعدم معرفة المكلّف به كي يلتزم به. فلا يجب الالتزام بواحد معيّن. وعليه فمحذور الالتزام بضدّ التكليف ليس بأقلّ من محذور عدم الالتزام به.

الثاني : أنّ التكليف إذا اقتضى وجوب الالتزام لا يقتضي إلّا الالتزام بنفسه عينا ، لا الالتزام به أو بضدّه تخييرا.

ومن هنا قد انقدح : أنّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الاصول الحكميّة أو الموضوعيّة في أطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النظر عنه (١).

كما لا يدفع بها (٢) محذور عدم الالتزام به (٣) ، بل الالتزام بخلافه (٤) لو قيل بالمحذور فيه (٥) حينئذ أيضا ، إلّا على وجه دائر ، لأنّ جريانها موقوف على عدم محذور في عدم الالتزام اللازم من جريانها ، وهو موقوف على جريانها بحسب الفرض (٦).

__________________

(١) والحاصل : أنّه على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة يجب الالتزام بما هو الثابت عند الله واقعا والاعتقاد بحكم الله الواقعيّ على واقعه ، ولو لم يعلم مصداق ما هو الثابت عنده تعالى مفصّلا. وهذا الالتزام ممكن أيضا فيما إذا دار الأمر بين المحذورين ، كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة ، إذ يمكن الالتزام بما هو الثابت عند الله واقعا. والالتزام به كذلك لا ينافي جريان الاصول الحكميّة ـ كأصالة الإباحة فيما دار أمره بين الوجوب أو الحرمة ـ أو الموضوعيّة ـ كاستصحاب عدم تعلّق الحلف بوطء المرأة فيما إذا تردّدت بين من وجب وطئها وبين من وجب ترك وطئها ـ ، ضرورة أنّ الملتزم به هو الحكم الثابت عند الله واقعا ، وما يثبت بالاصول هو الحكم الظاهريّ ، ولا تنافي بينهما.

(٢) أي : بالاصول الحكميّة أو الموضوعيّة. وفي بعض النسخ : «ولا يدفع هنا».

(٣ ـ ٤) الضمير يرجع إلى التكليف.

(٥) أي : في عدم الالتزام.

(٦) لا يخفى : أنّ في النسخة الأصليّة ضرب قلم المحو على قوله : «بل الالتزام بخلافه ... بحسب الفرض». وأمّا في غيرها من النسخ المخطوطة بل في النسخ المطبوعة ـ عدا ما في حقائق الاصول ـ فالزيادة موجودة.

ولا يخفى أيضا : أنّ كلامه هذا تعريض بما أفاده الشيخ الأنصاريّ ـ في فرائد الاصول ١ : ٨٤ ـ من دفع محذور عدم الالتزام بالتكليف بإجراء الاصول الموضوعيّة أو الحكميّة.

وتوضيحه يتوقّف على بيان امور :

الأوّل : أنّه إذا كان المكلّف متمكّنا من الموافقة الالتزاميّة تجب عليه الموافقة والالتزام عقلا على تقدير لزوم الموافقة الالتزاميّة ، وإلّا لزم لغويّة لزوم الموافقة الالتزاميّة. فلزوم الموافقة علّة لوجوبها عقلا ، ولا مانع من تأثيره فيها إلّا عدم التمكّن من الموافقة ، والمفروض أنّه متمكّن من الموافقة ، بأن يلتزم بما هو الثابت واقعا ولو إجمالا ، فلا مانع من تأثيره. وإذن يكون القول بعدم وجوب الموافقة على تقدير لزوم الموافقة قولا بجواز تخلّف العلّة عن معلولها ، وبطلانه واضح.

ومن هنا يظهر امور : ـ