درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۴۵: ظن ۱

 

[تقديم امور]

وقبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم امور :

أحدها : [عدم كون الحجّيّة من لوازم الأمارة]

أنّه لا ريب في أنّ الأمارة غير العلميّة ليست كالقطع في كون الحجّيّة من لوازمها ومقتضياتها بنحو العلّيّة ، بل مطلقا (١) ؛ وأنّ ثبوتها لها محتاج إلى جعل (٢) ، أو ثبوت مقدّمات وطروء حالات موجبة لاقتضائها (٣) الحجّيّة عقلا (٤) ـ بناء على

__________________

(١) أي : لا بنحو العلّيّة التامّة ولا بنحو الاقتضاء. والفرق بينهما أنّه إذا كانت الحجّيّة من لوازم الأمارة بنحو العلّيّة فلا تكون قابلة للمنع عن العمل بمؤدّاها ، وإذا كانت بنحو الاقتضاء فتكون قابلة للمنع ، لعدم انكشافها عن الواقع.

(٢) أي : يكون ثبوت الحجّيّة للأمارة محتاجا إلى تعلّق الجعل الشرعيّ بها.

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وطروء حالات موجبة للحجّيّة عقلا». وذلك لأنّ الضمير في قوله : «لاقتضائها» إمّا يرجع إلى الأمارات ، وإمّا يرجع إلى المقدّمات والحالات. فعلى الأوّل يلزم كون الحجّيّة من لوازم الأمارات بنحو الاقتضاء ، وهو ينافي ما تقدّم. وعلى الثاني يلزم أن يكون ثبوت المقدّمات موجبة لاقتضائها الحجّيّة ، فتكون الحجّيّة من لوازمها ، وهو خلف.

(٤) فلا تكون حجّيّة الظنّ منحصرة بتعلّق الجعل الشرعيّ بها ، بل العقل أيضا يحكم بحجّيّته بعد تماميّة مقدّمات الانسداد.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى أنّ حجّيّة الظنّ منحصرة بالجعل الشرعيّ ، غاية الأمر أنّ الكاشف عن حجّيّتها الشرعيّة قد يكون دليلا لفظيّا ـ كظواهر الآيات ـ ، وقد يكون دليلا لبيّا ـ كالإجماع ـ ، وقد يكون العقل ببركة مقدّمات الانسداد. فالعقل إنّما يدرك أنّ الشارع ـ

تقرير مقدّمات الانسداد بنحو الحكومة ـ. وذلك (١) لوضوح عدم اقتضاء غير القطع للحجّيّة بدون ذلك (٢) ثبوتا (٣) ـ بلا خلاف ـ ولا سقوطا (٤) ؛ وإن كان ربما يظهر فيه (٥) من بعض المحقّقين (٦) الخلاف والاكتفاء بالظنّ بالفراغ ؛ ولعلّه لأجل عدم لزوم دفع الضرر المحتمل (٧) ، فتأمّل (٨).

[ثانيها : إمكان التعبّد بالأمارة غير العلميّة]

[المراد من الإمكان]

ثانيها : في بيان إمكان التعبّد بالأمارة غير العلميّة شرعا ، وعدم لزوم محال منه عقلا(٩) ،

__________________

ـ جعل الظنّ حجّة ، لا أنّه يحكم بحجّيّة الظنّ بعد تماميّة المقدّمات.

(١) أي : عدم كون الحجّيّة من لوازم الأمارة.

(٢) أي : بدون الجعل الشرعيّ أو حكم العقل بعد تماميّة المقدّمات.

(٣) أي : في مقام إثبات الحكم بالظنّ.

(٤) أي : في مقام الامتثال وسقوط الحكم.

(٥) أي : في سقوط الحكم بالامتثال الظنّيّ.

(٦) وهو المحقّق الخوانساريّ ـ في مشارق الشموس : ٧٦ ـ حيث قال : «إذا كان أمر أو نهي بفعل إلى غاية ـ مثلا ـ فعند الشكّ في حدوث تلك الغاية لو لم يمتثل التكليف المذكور لم يحصل الظنّ بالامتثال والخروج عن العهدة ، وما لم يحصل الظنّ لم يحصل الامتثال» ، فإنّ ظاهره الاكتفاء بالظنّ بالفراغ في سقوط الواقع بعد العلم بثبوته ، وإلّا لقال : «لم يحصل القطع بالامتثال والخروج عن العهدة».

(٧) أي : لعلّ الوجه في كفاية الظنّ بالفراغ في سقوط الحكم هو عدم لزوم دفع الضرر المحتمل.

بيان ذلك : أنّ ما يتصوّر دليلا على عدم جواز الاكتفاء بالظنّ بالفراغ هو لزوم دفع الضرر المحتمل ، ودفع الضرر المحتمل غير لازم ، فعدم جواز الاكتفاء بالظنّ بالفراغ غير ثابت.

(٨) لعلّه إشارة إلى أنّ مورد قاعدة «عدم لزوم دفع الضرر المحتمل» هو الشكّ في ثبوت التكليف. وأمّا الشكّ في سقوطه بعد العلم بثبوته فالمرجع فيه قاعدة الاشتغال.

(٩) فيكون المراد من الإمكان في المقام هو الإمكان الوقوعيّ ، أي ما لا يلزم من فرض وقوعه محال. ويقابله الامتناع الوقوعيّ ، وهو ما يلزم من فرض وقوعه محال.

وتبعه كثير من المتأخّرين ، منهم : المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٥٦ ، والمحقّق الحائريّ في درر الفوائد ٢ : ٢٣ ، والسيّد المحقّق البروجرديّ في لمحات الاصول : ٤٦٠ ، والسيّد المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ٩٠. ـ

في قبال دعوى استحالته للزومه (١).

وليس الإمكان ـ بهذا المعنى ، بل مطلقا ـ أصلا متّبعا (٢) عند العقلاء في مقام احتمال ما يقابله من الامتناع (٣) ؛ لمنع كونه سيرتهم على ترتيب آثار الإمكان عند الشكّ فيه (٤) ؛ ومنع حجّيّتها لو سلّم ثبوتها (٥) ، لعدم قيام دليل قطعيّ على اعتبارها (٦) ،

__________________

ـ وخالفه المحقّق النائينيّ ، فذهب إلى أنّ المراد من الإمكان هو الإمكان التشريعيّ ، فيكون البحث عن أنّ التعبّد بالأمارات هل يستلزم محذورا في عالم التشريع ـ من تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة أو استلزامه الحكم بلا ملاك وغيرها من التوالي الفاسدة ـ أو أنّه لا يستلزمه؟ فوائد الاصول ٣ : ٨٨.

وخالفه أيضا السيّد الإمام الخمينيّ ، فأفاد أنّ المراد من الإمكان في المقام هو الإمكان الاحتماليّ ، كما هو المراد من الإمكان في قول الشيخ الرئيس : «كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك ...» ـ شرح الإشارات ٣ : ٤١٨ ـ. والمراد من الإمكان الاحتماليّ هو الاحتمال العقليّ وعدم الحكم بأحد طرفي القضيّة بلا قيام البرهان عليه. والإمكان بهذا المعنى من الأحكام العقليّة. وهذا هو الإمكان المحتاج إليه فيما نحن بصدده ، فإنّ رفع اليد عن الدليل الشرعيّ لا يجوز إلّا بدليل عقليّ أو شرعيّ أقوى منه. أنوار الهداية ١ : ١٨٩ : ١٩٠.

هذا كلّه بعد اتّفاقهم على إمكان التعبّد بالظنّ ذاتا.

(١) أي : استحالة التعبّد وقوعا للزوم المحال.

والمدّعي هو ابن قبّة (أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبّة الرازيّ) على ما حكى عنه المحقّق في معارج الاصول : ١٤١.

(٢) وفي بعض النسخ : «أصل متّبع». والصحيح ما أثبتناه ـ كما في بعض النسخ ـ ، أو «بأصل متّبع» كما في بعض آخر.

(٣) تعريض بالشيخ الأعظم الأنصاريّ ، حيث أفاد أنّه إذا لم يقم دليل على إمكان الشيء ولا على استحالته ، بل كان كلّ منهما مشكوكا ، فالأصل لدى العقلاء هو الإمكان ، فإنّهم يرتّبون آثار الممكن على مشكوك الامتناع. راجع فرائد الاصول ١ : ١٠٦.

والمصنّف رحمه‌الله أورد عليه بالوجوه الثلاثة التالية.

(٤) هذا أوّل الوجوه من الوجوه الثلاثة التي أوردها المصنّف رحمه‌الله على الشيخ الأنصاريّ.

(٥) وهذا ثاني الوجوه.

(٦) أي : اعتبار السيرة.

والظنّ به (١) ـ لو كان ـ فالكلام الآن في إمكان التعبّد بها (٢) وامتناعه ، فما ظنّك به (٣)؟ لكن دليل (٤) وقوع التعبّد بها من طرق إثبات إمكانه ، حيث يستكشف به عدم ترتّب محال ـ من تال باطل ممتنع (٥) مطلقا أو على الحكيم تعالى ـ ، فلا حاجة معه في دعوى الوقوع إلى إثبات الإمكان ، وبدونه لا فائدة في إثباته (٦) ، كما هو واضح.

وقد انقدح بذلك ما في دعوى شيخنا العلّامة ـ أعلى الله مقامه ـ (٧) من كون الإمكان عند العقلاء مع احتمال الامتناع أصلا.

والإمكان في كلام الشيخ الرئيس : «كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه (٨) واضح البرهان» (٩) ، بمعنى الاحتمال المقابل للقطع

__________________

(١) أي : الظنّ باعتبار السيرة.

(٢) أي : بالأمارة الظنّيّة. وفي بعض النسخ : «التعبّد به» ، وعليه يرجع الضمير إلى الظنّ.

(٣) وبتعبير أوضح : أنّه على تقدير تسليم ثبوت السيرة نمنع حجّيتها ، لعدم قيام دليل قطعيّ عليها. وأمّا الظنّ بالحجّيّة ـ لو كان ـ لا يفيد إلّا بعد إثبات إمكان التعبّد بالظنّ ، وهذا أوّل الكلام.

(٤) شروع في بيان الوجه الثالث. وحاصله : أنّه لا فائدة في البحث عن إمكان التعبّد وإثباته ببناء العقلاء ، إذ مع قيام الدليل على وقوع التعبّد بالأمارة لا نحتاج إلى البحث عن إمكان التعبّد بها ، فإنّ وقوعه أدلّ دليل على الإمكان ، ومع عدم الدليل على الوقوع لا فائدة في البحث عن الإمكان.

(٥) وفي بعض النسخ : «فيمتنع».

(٦) أي : لا فائدة في إثبات الإمكان إذا لم يقم دليل على الوقوع ، لعدم ترتّب ثمرة على مجرّد إمكانه.

وقال السيّد المحقّق الخوئيّ : «ولا يرد عليه شيء من هذه الإشكالات. وذلك لأنّ ما ذكر صاحب الكفاية مبنيّ على أن يكون مراد الشيخ هو البناء على الإمكان مطلقا. ولكن الظاهر أنّ مراده هو البناء على الإمكان عند قيام دليل معتبر على الوقوع ، كما إذا دلّ ظاهر كلام المولى على حجّيّة الظنّ. وحينئذ تترتّب الثمرة على البحث عن الإمكان والاستحالة ، إذ على تقدير ثبوت الإمكان لا بدّ من الأخذ بظاهر كلام المولى والعمل بالظنّ ، وعلى تقدير ثبوت الاستحالة لا مناص من رفع اليد عن الظهور للقرينة القطعيّة العقليّة». مصباح الاصول ١ : ٩٠ ـ ٩١.

(٧) فرائد الاصول ١ : ١٠٦.

(٨) أي : لم يمنعك عنه.

(٩) قال في آخر النمط العاشر من الإشارات والتنبيهات : «بل عليك الاعتصام بحبل التوقّف وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته إليك. فالصواب أن تسرح ـ

والإيقان. ومن الواضح أن لا موطن له إلّا الوجدان ، فهو المرجع فيه بلا بيّنة وبرهان.

[محاذير التعبّد بالأمارات]

وكيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في بيان ما يلزم التعبّد (١) بغير العلم ـ من المحال ، أو الباطل ولو لم يكن بمحال ـ امور :

أحدها : اجتماع مثلين ـ من إيجابين ، أو تحريمين مثلا ـ فيما أصاب ، أو ضدّين ـ من إيجاب وتحريم ، ومن إرادة وكراهة ، ومصلحة ومفسدة ملزمتين بلا كسر وانكسار في البين ـ فيما أخطأ ، أو التصويب وأن لا يكون هناك غير مؤدّيات الأمارات أحكام (٢).

ثانيها : طلب الضدّين فيما إذا أخطأ وأدّى إلى وجوب ضدّ الواجب (٣).

ثالثها : تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فيما أدّى إلى عدم وجوب ما هو واجب أو عدم حرمة ما هو حرام ، وكونه محكوما بسائر الأحكام.

[الجواب عن المحاذير الثلاثة]

والجواب : أنّ ما ادّعي لزومه إمّا غير لازم أو غير باطل (٤).

__________________

ـ أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان». راجع شرح الإشارات ٣ : ٤١٨.

(١) هكذا في النسخ. والصواب أن يقول : «ما يلزمه التعبّد» أو «ما يلزم من التعبّد ...» أو «ما يستلزم التعبّد ...».

(٢) والحاصل : أنّ الحكم الواقعيّ إمّا أن لا يكون محفوظا بل ينقلب إلى ما تؤدّي إليه الأمارة ، وإمّا أن يكون محفوظا فيما إذا قامت الأمارة على حكم. فعلى الأوّل يلزم التصويب. وعلى الثاني إمّا أن يكون ما أدّت إليه الأمارة موافقا للحكم الواقعيّ ، وإمّا أن يكون مخالفا له ؛ فعلى الأوّل يلزم اجتماع المثلين ، وعلى الثاني يلزم اجتماع الضدّين.

(٣) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب الواقعيّ هو صلاة الظهر.

(٤) اعلم أنّ الجواب عن المحاذير الثلاثة من المباحث المهمّة. وتصدّى الأعلام للجواب عنها بوجوه مختلفة. ـ