درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۴۸: ظن ۴

 

المفسدة الملزمتين في فعل وإن لم يحدث بسببها (١) إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى ، إلّا أنّه إذا اوحي بالحكم الناشئ (٢) من قبل تلك المصلحة أو المفسدة إلى النبيّ أو ألهم به الوليّ (٣) فلا محالة ينقدح في نفسه الشريفة بسببها الإرادة أو الكراهة الموجبة للإنشاء بعثا أو زجرا ، بخلاف ما ليس هناك مصلحة أو مفسدة في المتعلّق ، بل إنّما كانت في نفس إنشاء الأمر به طريقيّا ؛ والآخر واقعيّ حقيقيّ [ناشئ] (٤) عن مصلحة أو مفسدة في متعلّقه ، موجبة لإرادته أو كراهته الموجبة لإنشائه بعثا أو زجرا في بعض المبادئ العالية ، وإن لم يكن في المبدأ الأعلى إلّا العلم بالمصلحة أو المفسدة ـ كما أشرنا ـ (٥). فلا يلزم أيضا اجتماع إرادة وكراهة ، وإنّما لزم إنشاء حكم واقعيّ حقيقيّ بعثا أو زجرا ، وإنشاء حكم آخر طريقيّ ، ولا مضادّة بين الإنشاءين فيما إذا اختلفا (٦) ؛ ولا يكون من اجتماع المثلين فيما اتّفقا (٧) ؛ ولا إرادة ولا كراهة أصلا إلّا بالنسبة إلى متعلّق الحكم الواقعيّ ، فافهم.

نعم (٨) يشكل الأمر في بعض الاصول العمليّة ، كأصالة الإباحة الشرعيّة ، فإنّ

__________________

(١) أي : بسبب المصلحة أو المفسدة.

(٢) وفي بعض النسخ : «بالحكم الشأنيّ».

(٣) وفي بعض النسخ : «ألهم به الوصيّ الوليّ».

(٤) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٥) قبل أسطر ، حيث قال : «وإن لم يحدث بسببها إرادة أو كراهة في المبدأ الأعلى ...».

(٦) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة مع كون الواجب الواقعيّ هو صلاة الظهر.

(٧) كما إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة مع كونها واجبا واقعيّا.

(٨) استدراك على الوجه الثاني ، وشروع في بيان الوجه الثالث عدولا عن الوجه الثاني ، لعدم كفايته في دفع الغائلة في الاصول التعبّديّة ، كأصالة الإباحة والطهارة والاستصحاب. فلا بدّ في توضيح كلامه من بيان أمرين :

الأوّل : أنّ الوجه الثاني ـ وهو دفع غائلة اجتماع الحكمين بجعل أحد الحكمين حقيقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في متعلّقه وجعل الآخر ظاهريّا طريقيّا باعتبار كون منشئه وجود المصلحة في نفسه ـ يشكل في الاصول التعبّديّة ، كأصالة الإباحة والطهارة والاستصحاب ، لأنّها أحكام شرعيّة فعليّة حقيقيّة ، فالحكم بحلّيّة كلّ شيء ـ الّذي دلّ عليه ـ

الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع فعلا ، كما فيما صادف الحرام ، وإن كان الإذن فيه لأجل عدم مصلحة فيه (١) ، لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه ، فلا محيص في مثله إلّا عن الالتزام (٢) بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية أيضا ، كما في المبدأ الأعلى ، لكنّه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعيّ بفعليّ ، بمعنى كونه على صفة ونحو لو علم به المكلّف لتنجّز عليه ، كسائر التكاليف الفعليّة الّتي تتنجّز بسبب القطع بها. وكونه فعليّا إنّما يوجب البعث أو الزجر في النفس النبويّة أو الولويّة فيما إذا لم ينقدح فيها الإذن لأجل مصلحة فيه.

فانقدح بما ذكرنا : أنّه لا يلزم الالتزام بعدم كون الحكم الواقعيّ في مورد

__________________

ـ قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال ...» ـ إباحة فعليّة وترخيص حقيقيّ في الاقتحام في الشبهة من الشارع ، كالترخيص في المباحات الواقعيّة. وعليه فلا يجتمع الإباحة الشرعيّة والإذن في الإقدام مع المنع فعلا ـ كما فيما صادف الحرام ـ ، ولو كان حكم الإباحة عن مصلحة في نفسه ، وإلّا يلزم منه اجتماع الحكمين الفعليّين المتضادّين فيما إذا كان الواقع هو الحرمة ، أو اجتماع الحكمين الفعليّين المتماثلين فيما إذا كان الواقع هو الحلّيّة والإباحة.

وبالجملة : اختلاف المنشأ لا يدفع غائلة الاجتماع في مثل أصالة الإباحة من الاصول التعبّديّة.

الثاني : أنّ الغائلة في المقام يدفع بوجه آخر. وحاصله : أنّ الأحكام الفعليّة على قسمين :

أحدهما : الأحكام الفعليّة المنجّزة. وهي الأحكام الّتي تكون تام الفعليّة من جميع الجهات ، فلا تكون فعليّتها معلّقة على شيء.

ثانيهما : الأحكام الفعليّة التعليقيّة. وهي الأحكام الّتي لا تكون تامّ الفعليّة ، فلا تتعلّق الإرادة بمتعلّقها إلّا معلّقا على أمر.

إذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ الحكم الّذي أدّت إليه الاصول التعبّديّة حكم فعليّ منجّز. بخلاف الحكم الواقعيّ ، فإنّه فعليّ معلّق على عدم ثبوت الإذن على خلافه. فإذا كان هناك إذن فعليّ ـ كما في موارد أصالة الإباحة ـ لم يكن الحكم الواقعيّ فعليّا من جميع الجهات ، فلا يكون الواقع مرادا ، إلّا إذا لم يثبت الإذن في الاقتحام في مورده لأجل مصلحة فيه.

وأورد المحقّق الأصفهانيّ على هذا الوجه أيضا. فراجع كلامه في نهاية الدراية ١ : ١٤٧.

(١) أي : في نفس الحكم والإذن.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف كلمة «إلّا». وذلك لأنّ المراد أنّه لا بدّ في دفع غائلة اجتماع الحكمين في المقام من الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ العالية ، فلا مفرّ في المقام عن الالتزام المذكور.

الاصول والأمارات فعليّا (١) ، كي يشكل :

تارة ، بعدم لزوم الإتيان حينئذ بما قامت الأمارة على وجوبه ، ضرورة عدم لزوم امتثال الأحكام الإنشائيّة ما لم تصر فعليّة ولم تبلغ مرتبة البعث والزجر ، ولزوم الإتيان به (٢) ممّا لا يحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان.

لا يقال : لا مجال لهذا الإشكال لو قيل بأنّها (٣) كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّة ، لأنّها بذلك تصير فعليّة تبلغ تلك المرتبة (٤).

فإنّه يقال : لا يكاد يحرز بسبب قيام الأمارة المعتبرة على حكم إنشائيّ ـ لا حقيقة ولا تعبّدا ـ إلّا حكم إنشائيّ تعبّدا ، لا حكم إنشائيّ أدّت إليه الأمارة. أمّا حقيقة : فواضح. وأمّا تعبّدا : فلأنّ قصارى ما هو قضيّة حجيّة الأمارة كون مؤدّاها (٥) هو الواقع تعبّدا ، لا الواقع الّذي أدّت إليه الأمارة ، فافهم.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ الدليل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الّذي صار مؤدّى لها ، هو دليل الحجّيّة بدلالة الاقتضاء (٦). لكنّه لا يكاد يتمّ إلّا إذا لم يكن للأحكام

__________________

(١) إشارة إلى الوجه الرابع للجمع بين الحكم الظاهريّ والحكم الواقعيّ. وهو حمل الحكم الواقعيّ على الإنشائيّ والحكم الظاهريّ على الفعليّ ، ولا تضادّ بين الحكم الإنشائيّ والفعليّ.

وهذا الوجه يستلزم ورود إشكالين عليه. أشار المصنّف رحمه‌الله إلى أوّلهما بقوله : «تارة بعدم ...» ، وإلى ثانيهما بقوله : «وأخرى بأنّه ...».

(٢) أي : والحال أنّ لزوم الإتيان بما قامت الأمارة على وجوبه ...

(٣) أي : الأحكام الواقعيّة.

(٤) أي : لأنّ الأحكام الواقعيّة ـ الّتي كانت قبل أداء الأمارة إليها إنشائيّة ـ تصير بقيام الأمارة فعليّة وتبلغ مرتبة البعث والزجر ، فيلزم امتثالها ، لصيرورتها فعليّة بقيام الأمارة.

(٥) وفي بعض النسخ «مؤدّاه». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) وهي دلالة مقصودة للمتكلّم ، يتوقّف صدق الكلام وصحّته عقلا أو شرعا على تلك الدلالة.

ومثّلوا للعقليّ بقوله تعالى : ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يوسف / ٨٢ ، فإنّ صحّته عقلا تتوقّف على تقدير لفظ «أهل» أو تقدير معناه.

ومثّلوا للشرعيّ بقول المتكلّم : «اعتق عبدك عنّي على ألف» ، فإنّ صحّته شرعا تتوقّف على طلب تمليكه أوّلا له بألف ، فيكون التقدير : «ملّكني العبد بألف ثمّ اعتقه عنّي».