درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۱۷: حقیقت شرعیه ۳ - صحیح و اعم ۱

 

ومنه قد انقدح حال دعوى الوضع التعيّنيّ معه (١). ومع الغضّ عنه فالإنصاف أنّ منع حصوله (٢) في زمان الشارع (٣) في لسانه ولسان تابعيه مكابرة. نعم حصوله في خصوص لسانه ممنوع ، فتأمّل.

[ثمرة البحث]

وأمّا الثمرة بين القولين فتظهر في لزوم حمل الألفاظ الواقعة في كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغويّة مع عدم الثبوت ، وعلى معانيها الشرعيّة على الثبوت فيما إذا علم تأخّر الاستعمال (٤). وفيما إذا جهل التأريخ ففيه إشكال. وأصالة تأخّر الاستعمال ـ مع معارضتها بأصالة تأخّر الوضع ـ لا دليل على اعتبارها تعبّدا إلّا على القول بالأصل المثبت(٥). ولم يثبت بناء من العقلاء على التأخّر مع الشّك. وأصالة عدم النقل (٦) إنّما كانت معتبرة فيما إذا شكّ في أصل النقل ، لا في تأخّره ، فتأمّل (٧).

__________________

(١) أي : مع هذا الاحتمال.

(٢) أي : حصول الوضع التعيّنيّ.

(٣) وهو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(٤) وأنكر المحقّق النائينيّ وجود أيّة ثمرة للبحث عن هذه المسألة ، لأنّ ألفاظ الكتاب والسنّة الّتي وصلت إلينا يدا بيد كان المراد منها معلوما ، فليس لنا مورد نشكّ في المراد الاستعماليّ منه. أجود التقريرات : ١ : ٣٣.

وتبعه السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ ، فراجع مناهج الوصول ١ : ١٣٨ ، ومحاضرات في اصول الفقه ١ : ١٣٣.

(٥) لأنّه يرجع إلى استصحاب عدم الاستعمال إلى حين الوضع ، وهو ملازم لتأخّر الاستعمال عن الوضع وثبوته بعده.

(٦) بمعنى استصحاب عدم النقل إلى ما قبل الاستعمال ، وهو أصل عقلائيّ يسمّى بالاستصحاب القهقريّ.

(٧) لعلّه إشارة إلى سقوط الثمرة السابقة ، لما ذكره المحقّق النائينيّ ، كما مرّ.

العاشر

[الصحيح والأعمّ]

أنّه وقع الخلاف في أنّ ألفاظ العبادات أسام لخصوص الصحيحة أو للأعمّ منها (١).

وقبل الخوض في ذكر أدلّة القولين يذكر امور :

[١ ـ ابتناء النزاع على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة]

منها : أنّه لا شبهة في تأتّي الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة (٢). وفي جريانه على القول بالعدم إشكال.

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره (٣) : أنّ النزاع وقع على هذا في أنّ الأصل

__________________

(١) وقد يقال : «ألفاظ العبادات هل هي موضوعة بإزاء خصوص الصحيحة أو الأعمّ؟».

(٢) فيقال : «إنّ ألفاظ العبادات هل وضعها الشارع بالوضع الثانويّ لخصوص الصحيحة من العبادات أو لما يعمّ الفاسدة منها؟».

(٣) أي : تصوير الخلاف على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة. وهذا التصوير ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ على ما في تقريرات بحثه : ٣ ـ. وحاصله : أنّه لا شكّ أنّ استعمال ألفاظ العبادات في معانيها استعمال في غير الموضوع له ـ على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة ـ ، واستعمال اللفظ في غير الموضوع له غلط إلّا فيما إذا كان بينه وبين المعنى الموضوع له علاقة بها يصحّح الاستعمال ، كي يكون استعمال ألفاظ العبادات في معانيها استعمالا ـ

في هذه الألفاظ المستعملة مجازا في كلام الشارع هو استعمالها في خصوص الصحيحة أو الأعمّ ، بمعنى أنّ أيّهما قد اعتبرت العلاقة بينه وبين المعاني اللغويّة ابتداء وقد استعمل في الآخر بتبعه ومناسبته ، كي ينزّل كلامه عليه مع القرينة الصارفة عن المعاني اللغويّة وعدم قرينة اخرى معيّنة للآخر.

وأنت خبير بأنّه لا يكاد يصحّ هذا إلّا إذا علم أنّ العلاقة إنّما اعتبرت كذلك ، وأنّ بناء الشارع في محاوراته استقرّ ـ عند عدم نصب قرينة اخرى (١) ـ على إرادته (٢) ، بحيث كان هذا (٣) قرينة عليه (٤) من غير حاجة إلى قرينة معيّنة اخرى ، وأنّى لهم بإثبات ذلك (٥).

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلانيّ (٦) ، وذلك بأن يكون النزاع في أنّ قضيّة القرينة المضبوطة (٧) الّتي لا يتعدّى عنها إلّا بالاخرى الدالّة على أجزاء المأمور به وشرائطه هي تمام الأجزاء والشرائط أو هما في الجملة ، فلا تغفل.

__________________

ـ مجازيّا. انّما الكلام في أنّ العلاقة هل اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين خصوص الصحيحة من المعاني الشرعيّة ثمّ استعملت فيما يعمّ الفاسدة بالتبع والمناسبة فيكون من قبيل سبك مجاز في مجاز أم اعتبرت ابتداء بين الموضوع له وبين ما يعمّ الفاسدة؟ فعلى الأوّل تحمل الألفاظ على خصوص الصحيحة فيما إذا لم تقم قرينة على تعيين أحد المعنيين ـ بعد قيام قرينة صارفة عن الموضوع له ـ ، وعلى الثاني تحمل على الأعمّ.

(١) غير القرينة الصارفة عن المعنى اللغويّ الّتي لا بدّ منها.

(٢) أي : إرادة خصوص المعنى الّذي اعتبرت العلاقة ابتداء بينه وبين المعنى اللغويّ.

(٣) أي : هذا البناء.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «وعليها» ، فإنّ الضمير يرجع إلى إرادة أحد المعنيين بالخصوص.

(٥) وقد ذكر المحقّق النائينيّ وجها آخر في التصوير لا يتوقّف على اثبات ما ذكره المصنّف.

فراجع فوائد الاصول ١ : ٥٩ ، أجود التقريرات ١ : ٣٤.

(٦) وحاصله : أنّ ألفاظ العبادات استعملت في معانيها اللغويّة ، وأمّا المعاني الشرعيّة فاريدت بالقرائن من قبيل تعدّد الدالّ والمدلول. شرح العضديّ ١ : ٥١ ـ ٥٢.

(٧) فإنّ النزاع ـ حينئذ ـ يقع في القرائن ، لا في نفس الألفاظ.