درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۵۴: تنبیهات مشتق ۷

 

غير ذلك من صفات الكمال والجلال (١) ـ عليه تعالى ـ على ما ذهب إليه أهل الحقّ من عينيّة صفاته (٢) ـ يكون على الحقيقة ، فإنّ المبدأ فيها وإن كان عين ذاته تعالى خارجا إلّا أنّه غير ذاته تعالى مفهوما.

ومنه قد انقدح [فساد] ما في الفصول (٣) من الالتزام بالنقل أو التجوّز في ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى ـ بناء على الحقّ من العينيّة ـ ، لعدم المغايرة المعتبرة بالاتّفاق(٤).

وذلك لما عرفت من كفاية المغايرة مفهوما ، ولا اتّفاق على اعتبار غيرها إن لم نقل بحصول الاتّفاق على عدم اعتباره ، كما لا يخفى ؛ وقد عرفت ثبوت المغايرة كذلك (٥) بين الذات ومبادئ الصفات.

الخامس : [كيفيّة قيام المبادئ بالذات]

انّه وقع الخلاف ـ بعد الاتّفاق على اعتبار المغايرة كما عرفت بين المبدأ وما يجري عليه المشتقّ ـ في اعتبار قيام المبدأ به (٦) في صدقه على نحو الحقيقة.

وقد استدلّ من قال بعدم الاعتبار (٧) بصدق الضارب والمؤلم [على الفاعل] مع قيام الضرب والألم بالمضروب والمؤلم ـ بالفتح ـ.

__________________

(١) قال العلّامة المحشّي المشكينيّ : «لا يخفى أنّ صفات الجلال هي الصفات السلبيّة ، وهي ليست عين الذات ، فالظاهر أنّه تفسير للكمال ، وليس المراد منه ما هو المصطلح». كفاية الاصول ـ الطبع الحجريّ ـ المحشّاة بحاشية المشكينيّ ١ : ٨٥.

ولكن يرد عليه : أنّ الصفات السلبيّة ترجع بالحقيقة إلى الصفات الثبوتيّة ، لأنّها ليست إلّا سلب سلب الكمال ، وهو يرجع إلى إيجاب الكمال ، لأنّ نفي النفي إثبات. فقولنا : «الله تعالى ليس بجاهل» يرجع إلى «الله تعالى عالم». وعليه فالصفات السلبيّة أيضا عين الذات.

(٢) والأولى أن يقول : «عينيّة ذاته وصفاته».

(٣) وما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٤) الفصول الغرويّة : ٦٢.

(٥) أي : مفهوما.

(٦) أي : بما يجري عليه المشتقّ.

(٧) ولعلّ القائل به هو المعتزلة ، فإنّهم ذهبوا إلى عدم اعتبار القيام الحلوليّ.

والتحقيق : أنّه لا ينبغي أن يرتاب من كان من اولي الألباب في أنّه يعتبر في صدق المشتقّ على الذات وجريه عليها من التلبّس (١) بالمبدإ بنحو خاصّ ، على اختلاف أنحائه ـ الناشئة من اختلاف الموادّ تارة (٢) ، واختلاف الهيئات اخرى (٣) ـ من القيام صدورا ، أو حلولا ، أو وقوعا عليه أو فيه (٤) ، أو انتزاعه عنه مفهوما مع اتّحاده معه خارجا ، كما في صفاته تعالى ـ على ما أشرنا إليه آنفا ـ ، أو مع (٥) عدم تحقّق إلّا للمنتزع عنه ، كما في الإضافات والاعتبارات الّتي لا تحقّق لها ، ولا يكون بحذائها (٦) في الخارج شيء ، وتكون من الخارج المحمول لا المحمول بالضميمة (٧).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف «من» ، فإنّ قوله : «التلبّس» فاعل «يعتبر».

(٢) بأنّ المبدأ قد يكون بمعنى القوّة ، وقد يكون بمعنى الملكة ، وقد يكون بمعنى الفعليّة ، وهكذا.

(٣) فالهيئة قد تكون اسم فاعل ، وقد تكون اسم مفعول ، وقد تكون صفة مشبّهة ، وهكذا.

(٤) القيام الصدوريّ كالضرب بالنسبة إلى الفاعل ، والقيام الحلوليّ كالمرض القائم بالمريض ، والقيام وقوعا عليه كالضرب بالنسبة إلى المفعول ، والقيام وقوعا فيه كالجلوس القائم بالمجلس.

(٥) معطوف على قوله : «مع اتّحاده».

(٦) الضمير يرجع إلى صفات الواجب والاضافات والاعتبارات. والمراد أنّ صفات الواجب والاضافات والاعتبارات غير موجودة بالوجود في نفسه لنفسه ، بل الصفات موجودة بالوجود في نفسه لغيره ، والاضافات والاعتبارات موجودة بالوجود في غيره ـ أي بالوجود الرابط الّذي لا تحقّق له خارجا من وجود طرفيه ، بل ليس ما بإزائه في الخارج شيء ، وانّما يوجب نحوا من الاتّحاد الوجوديّ بين طرفيه ـ.

(٧) لا يخفى : أنّ «الخارج المحمول» و «المحمول بالضميمة» اصطلاحان معروفان. ولكن اختلفوا في المراد منها على أقوال :

الأوّل : أنّ المحمول بالضميمة ما يكون محتاجا في حمله على الشيء إلى الضميمة ، والخارج المحمول ما يكون خارجا عن ذات الشيء ومحمولا عليه ، أعمّ من أن يكون محتاجا فيه إليها أو غير محتاج إليها. وهذا هو المشهور بين أهل المعقول.

الثاني : أنّ المحمول بالضميمة ما يكون محتاجا في حمله على الشيء إلى الضميمة ، والخارج المحمول ما لا يحتاج في حمله إلى الضميمة.

الثالث : أنّ المحمول بالضميمة ما يكون له ما بإزاء في الخارج كالمقولات العرضيّة. ـ

ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايرا له تعالى مفهوما (١) ، وقائما به عينا ، لكنّه بنحو من القيام ، لا بأنّ يكون هناك اثنينيّة ، وكان ما بحذائه غير الذات ، بل بنحو الاتّحاد والعينيّة ، وكان ما بحذائه عين الذات. وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس من الامور الخفيّة لا يضرّ بصدقها عليه تعالى على نحو الحقيقة إذا كان لها مفهوم صادق عليه «تعالى» حقيقة ولو بتأمّل وتعمّل من العقل ، والعرف إنّما يكون مرجعا في تعيين المفاهيم ، لا في تطبيقها على مصاديقها (٢).

وبالجملة : يكون مثل العالم والعادل وغيرهما من الصفات الجارية عليه تعالى وعلى غيره جارية عليهما بمفهوم واحد ومعنى فارد ، وإن اختلفا فيما يعتبر في الجري من الاتّحاد وكيفية التلبّس بالمبدإ ، حيث إنّه بنحو العينيّة فيه تعالى وبنحو الحلول أو الصدور في غيره.

فلا وجه لما التزم به في الفصول (٣) من نقل الصفات الجارية عليه تعالى عمّا هي عليها من المعنى ، كما لا يخفى. كيف! ولو كانت بغير معانيها العامّة جارية عليه

__________________

ـ والخارج المحمول ما لا يكون له ما بإزاء في الخارج كالاعتباريّات.

والظاهر من كلمات المصنّف في المقام ـ بل المنقول عنه في مجلس درسه* ـ أنّ مراده منهما هو المعنى الثالث ، فالمراد من الخارج المحمول هو العارض الاعتباريّ كالزوجيّة ، وبالمحمول بالضميمة هو العارض المتأصّل كالسواد والعلم والبياض.

* نقل عنه العلّامة المشكينيّ في حواشيه على كفاية الاصول ـ الطبع الحجريّ ـ ١ : ٨٦.

(١) أورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ بقوله : «اختلاف المبادئ مع ذاته (تعالى) ليس في المفهوم ـ بناء على أنّه (تعالى) نفس العلم والقدرة ـ ، بل الاختلاف بينهما هو الاختلاف بين المفهوم ومصداقه الذاتيّ» ، مناهج الوصول ١ : ٢٣١.

(٢) أورد عليه السيّد الإمام الخمينيّ : أوّلا : بأنّ المدّعى أنّ العرف يحمل هذه الصفات عليه (تعالى) كما يحملها على غيره ، فكون المرجع هو العرف في المفاهيم لا في التطبيق أجنبيّ عن هذا. وثانيا : أنّ عدم مرجعيّة العرف في التطبيق محلّ منع. وثالثا : أنّ العقل يرى عينيّة الصفات مع الذات غير قيامها بها. مناهج الوصول ١ : ٢٣١.

(٣) الفصول الغرويّة : ٦٢.