درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۸۹: تقسیمات واجب ۶

 

ومن هنا انقدح أنّه في الحقيقة إنّما أنكر الواجب المشروط بالمعنى الّذي يكون هو ظاهر المشهور والقواعد العربيّة ، لا الواجب المعلّق بالتفسير المذكور. وحيث قد عرفت بما لا مزيد عليه إمكان رجوع الشرط إلى الهيئة ، كما هو ظاهر المشهور وظاهر القواعد ، فلا يكون مجال لإنكاره عليه (١).

نعم ، يمكن أن يقال : إنّه لا وقع لهذا التقسيم ، لأنّه بكلا قسميه من المطلق المقابل للمشروط ، وخصوصيّة كونه حاليّا أو استقباليّا لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهمّ (٢) ، وإلّا لكثر (٣) تقسيماته لكثرة الخصوصيّات ، ولا اختلاف فيه ، فإنّ ما رتّبه عليه من وجوب المقدّمة فعلا ـ كما يأتي ـ إنّما هو من أثر إطلاق وجوبه وحاليّته ، لا من استقباليّة الواجب (٤) ، فافهم (٥).

[إشكال المحقّق النهاونديّ على الواجب المطلق ، وجوابه]

ثمّ إنّه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر (٦) إشكال في الواجب المعلّق(٧) ، وهو : أنّ الطلب والإيجاب إنّما يكون بإزاء الإرادة المحرّكة للعضلات

__________________

(١) فالشيخ لم ينكر واقع الواجب المطلق الّذي فرضه صاحب الفصول ، بل إنّما أنكر تسميته بالمعلّق وأطلق عليه المشروط.

(٢) وهو وجوب المقدّمة.

(٣) هكذا في النسخ : «لكثر». والصحيح أن يقول : «لكثرت».

(٤) والحاصل : أنّ هذا التقسيم لا يترتّب عليه الثمرة. وبذلك صرّح السيّد الإمام الخمينيّ في مناهج الوصول ١ : ٣٥٨.

(٥) لعلّه إشارة إلى ما ذكره المحقّق الاصفهانيّ ايرادا على نفى الثمرة ، فقال : «لا يخفى عليك : أنّ انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب هو المصحّح لوجوب المقدّمة قبل زمان ذيها ، لا مجرّد فعليّة الوجوب ولو مع اتّحاد زمانه وزمان الواجب. فيصحّ تقسيم الواجب إلى ما يتّحد زمانه مع زمان وجوبه فلا تكون مقدّمته واجبة قبل زمانه ، وإلى ما يتأخّر زمانه عن زمان وجوبه فيمكن وجوب مقدّمته قبله». نهاية الدراية ١ : ٣٤٤.

(٦) وهو المحقّق النهاونديّ في تشريح الاصول : ١٩١.

(٧) حاصله : أنّ الإرادة التشريعيّة لا يمكن أن تتعلّق بأمر متأخّر ، كما أنّ الإرادة التكوينيّة لا يمكن أن تتعلّق به ، إذ لا فرق بين الإرادتين في الخصوصيّات والآثار ، غير أنّ الاولى تتعلّق بفعل الغير ، والثانية تتعلّق بفعل نفس الشخص المريد. فكما أنّ الإرادة التكوينيّة لا تنفكّ عن ـ

نحو المراد. فكما لا تكاد تكون الإرادة منفكّة عن المراد فليكن الإيجاب غير منفكّ عمّا يتعلّق به ، فكيف يتعلّق بأمر استقباليّ؟! فلا يكاد يصحّ الطلب والبعث فعلا نحو أمر متأخّر.

قلت : فيه أنّ الإرادة تتعلّق بأمر متأخّر استقباليّ ، كما تتعلّق بأمر حاليّ ، وهو أوضح من أن يخفى على عاقل ، فضلا عن فاضل ، ضرورة أنّ تحمّل المشاقّ في تحصيل المقدّمات فيما إذا كان المقصود بعيد المسافة وكثير المئونة ليس إلّا لأجل تعلّق إرادته به ، وكونه مريدا له قاصدا إيّاه ، لا يكاد يحمله على التحمّل إلّا ذلك (١).

ولعلّ الّذي أوقعه في الغلط ما قرع سمعه من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات نحو المراد (٢) ، وتوهّم أنّ تحريكها نحو المتأخّر ممّا لا يكاد. وقد غفل عن أنّ كونه محرّكا نحوه يختلف حسب اختلافه (٣) في كونه (٤) ممّا لا مئونة

__________________

ـ المراد زمانا ـ لأنّها الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات ـ كذلك الإرادة التشريعيّة يستحيل أن تنفكّ عن المراد ، لأنّها لا تنفكّ عن الإيجاب المستتبع لتحريك العبد في الخارج.

وعليه فيمتنع تعلّق الإيجاب بأمر استقباليّ ، لاستلزامه انفكاك الإيجاب عن التحريك ، وهو مستلزم لانفكاك المراد عن الإرادة ، وهو ممتنع.

وبيان الإشكال على الشكل المنطقيّ أنّه مركّب من ثلاثة قياسات مرتّبة :

١ ـ الإرادة التشريعيّة يشترك الإرادة التكوينيّة في الخصوصيّات والآثار ، وكلّ إرادة تكوينيّة يمتنع انفكاكها عن المراد ، فالإرادة التشريعيّة يشترك التكوينيّة في امتناع انفكاكها عن المراد.

٢ ـ الإرادة التشريعيّة يمتنع انفكاكها عن المراد ، وتعلّق الايجاب بأمر استقباليّ يستلزم انفكاك الإرادة التشريعيّة عن المراد ، فتعلّق الايجاب بأمر استقباليّ يستلزم أمرا ممتنعا هو انفكاكها عن المراد.

٣ ـ تعلّق الايجاب بأمر استقباليّ يستلزم الممتنع ، وكلّ ما يستلزم الممتنع ممتنع ، فتعلّق الايجاب بأمر استقباليّ ممتنع.

(١) أي : تعلّق الإرادة.

(٢) هكذا عرّفها الحكيم السبزواريّ ، راجع شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ١٨٤ ، وتعليقته على الأسفار ٦ : ٣٢٣ ، الرقم (١).

(٣) أي : قد غفل عن أنّ كون الشوق المؤكّد محرّكا للعضلات نحو المراد يختلف حسب اختلاف المراد.

(٤) أي : كون ما تعلّق به الشوق ، وهو المراد.

له كحركة نفس العضلات ، أو ممّا له مئونة ومقدّمات قليلة أو كثيرة. فحركة العضلات تكون أعمّ من أن تكون بنفسها مقصودة أو مقدّمة له ، والجامع أن يكون نحو المقصود (١).

بل مرادهم من هذا الوصف في تعريف الإرادة بيان مرتبة الشوق الّذي يكون هو الإرادة ، وإن لم يكن هناك فعلا تحريك ، لكون المراد وما اشتاق إليه كمال الاشتياق أمرا استقباليّا غير محتاج إلى تهيئة مئونة أو تمهيد مقدّمة ، ضرورة أنّ شوقه إليه ربما يكون أشدّ من الشوق المحرّك فعلا نحو أمر حاليّ أو استقباليّ محتاج إلى ذلك (٢) ، هذا.

__________________

(١) هذا هو الوجه الأوّل من الوجوه الّتي ذكرها المصنّف في التفصّي عن إشكال المحقّق النهاونديّ.

وحاصله : منع الكبرى في القياس الأوّل ، فيقال : انفكاك المراد عن الإرادة التكوينيّة أمر ممكن ، فتعلّقها بالأمر الاستقباليّ أيضا ممكن. وذلك لأنّ المراد قد يكون ممّا يحتاج إلى مقدّمات كثيرة ، ومعلوم أنّه لم تتعلّق بفعلها إرادة استقلاليّة ، بل يفعلها تبعا لإرادة المراد ـ وهو ذو المقدّمة بالنسبة إلى تلك المقدّمات ـ ، فتنفكّ الإرادة ـ بتوسيط فعل المقدّمات ـ عن المراد.

وناقش فيه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ الشوق إلى المقدّمات بما أنّها مقدّمات وإن كان تبعا للشوق المتعلّق بذيها ، إلّا أنّ الشوق المتعلّق بذيها لم يبلغ حدّ الإرادة ، لعدم وصوله حدّ التحريك ، فلم تتحقّق إرادة ذي المقدّمة حتّى يستشهد به على انفكاكها عن المراد. بخلاف الشوق إلى المقدّمة ، فإنّه بلغ حدّ الإرادة ، لوصوله إلى حدّ التحريك. فالتبعيّة في أصل تعلّق الشوق ، لا في وصوله إلى حدّ الإرادة. نهاية الدراية ١ : ٣٤٧.

(٢) وهذا هو الوجه الثاني من وجوه التفصّي عن الإشكال. وحاصله : منع الكبرى المذكورة ببيان آخر. وهو أنّ المراد من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد بيان مرتبة خاصّة من الشوق الّتي يكون من شأنها تحريك العضلات نحو المراد ، غاية الأمر إن كان المراد أمرا حاليّا فيوجب التحريك الفعليّ نحوه ؛ وإن كان أمرا استقباليّا محتاجا إلى مقدّمات خارجيّة فيوجب أيضا التحريك الفعليّ نحوه ؛ وإن كان أمرا استقباليّا غير محتاج إلى المقدّمات فلا يوجب التحريك الفعليّ نحوه ، بل يستتبع التحريك الشأنيّ ، فيتعلّق الشوق فعلا بأمر استقباليّ ، فإذا لا مانع من تعلّق الإرادة بأمر متأخّر وانفكاكها عن المراد.

وناقش فيه أيضا المحقّق الاصفهانيّ بأنّ المراد من تعريف الإرادة بالشوق المؤكّد ليس الشوق بأيّة مرتبة ، بل هو الشوق البالغ حدّ النصاب بحيث صارت القوّة الباعثة باعثة بالفعل. ولذا قالوا : «إنّ الإرادة هي الجزء الأخير من العلّة التامّة». وحينئذ فلا يتخلّف المراد عن الإرادة. نهاية الدراية ١ : ٣٤٥.

مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخّر عن زمان البعث ، ضرورة أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به بأن يتصوّره بما يترتّب عليه من المثوبة (١) وعلى تركه من العقوبة ، ولا يكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمان ، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّر عنه بالزمان (٢) ، ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب (٣).

ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه ، والإطناب إنّما هو لأجل رفع المغالطة الموقعة في أذهان بعض الطّلاب.

وربما اشكل على المعلّق أيضا بعدم القدرة على المكلّف به في حال البعث ، مع أنّها من الشرائط العامّة.

وفيه : أنّ الشرط (٤) إنّما هو القدرة على الواجب في زمانه ، لا في زمان الإيجاب والتكليف ، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخّر ،

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «بما يترتّب على فعله من المثوبة».

(٢) والأولى أن يقول : «فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّرا عنه بالزمان» كي يكون قوله : «متأخّرا عنه بالزمان» خبر كان التامّة ، أي : البعث إذا تعلّق بأمر فلا محالة يكون متأخّرا عنه.

(٣) وهذا هو الوجه الثالث الّذي تفصّى به المصنّف عن إشكال المحقّق النهاونديّ. وحاصله : منع صغرى القياس ـ أعني اشتراك الإرادتين في جميع الخصوصيّات والآثار ـ ، بل انفكاك المراد عن الإرادة التشريعيّة قهريّ ، لأنّ الطلب انّما يكون لإحداث الداعي في نفس المكلّف نحو المأمور به ، وحدوث الداعي يتوقّف على مقدّمات ـ كتصوّر العمل وتصوّر ما يترتّب عليه وغيرهما ـ ، وهذا يحتاج إلى زمان ولو قليلا ، فيكون البعث نحو العمل متأخّرا عنه دائما. وإذا جاز الانفكاك بينهما بفصل زمان قصير جاز الانفكاك بفصل زمان طويل.

وناقش فيه أيضا المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ الطلب انّما هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا للمكلّف نحو الفعل عند انقياده. وعليه فلا يمكن تعلّق الطلب بالأمر الاستقباليّ ، إذ مع تماميّة جميع المقدّمات وانقياد المكلّف لأمر المولى لا يمكن انبعاثه نحو الفعل بهذا البعث ، فلا يتحقّق البعث بالأمر ولو بنحو الإمكان. نهاية الدراية ١ : ٣٤٨.

ولا يخفى : أنّ هذه المناقشة انّما تستقيم على مبناه.

(٤) أي : شرط التكليف.