درس کفایة الاصول - جلد اول

جلسه ۹۰: تقسیمات واجب ۷

 

مع أنّه لا يكاد يتعلّق البعث إلّا بأمر متأخّر عن زمان البعث ، ضرورة أنّ البعث إنّما يكون لإحداث الداعي للمكلّف إلى المكلّف به بأن يتصوّره بما يترتّب عليه من المثوبة (١) وعلى تركه من العقوبة ، ولا يكاد يكون هذا إلّا بعد البعث بزمان ، فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّر عنه بالزمان (٢) ، ولا يتفاوت طوله وقصره فيما هو ملاك الاستحالة والإمكان في نظر العقل الحاكم في هذا الباب (٣).

ولعمري ما ذكرناه واضح لا سترة عليه ، والإطناب إنّما هو لأجل رفع المغالطة الموقعة في أذهان بعض الطّلاب.

وربما اشكل على المعلّق أيضا بعدم القدرة على المكلّف به في حال البعث ، مع أنّها من الشرائط العامّة.

وفيه : أنّ الشرط (٤) إنّما هو القدرة على الواجب في زمانه ، لا في زمان الإيجاب والتكليف ، غاية الأمر يكون من باب الشرط المتأخّر ،

__________________

(١) هكذا في جميع النسخ. والأولى أن يقول : «بما يترتّب على فعله من المثوبة».

(٢) والأولى أن يقول : «فلا محالة يكون البعث نحو أمر متأخّرا عنه بالزمان» كي يكون قوله : «متأخّرا عنه بالزمان» خبر كان التامّة ، أي : البعث إذا تعلّق بأمر فلا محالة يكون متأخّرا عنه.

(٣) وهذا هو الوجه الثالث الّذي تفصّى به المصنّف عن إشكال المحقّق النهاونديّ. وحاصله : منع صغرى القياس ـ أعني اشتراك الإرادتين في جميع الخصوصيّات والآثار ـ ، بل انفكاك المراد عن الإرادة التشريعيّة قهريّ ، لأنّ الطلب انّما يكون لإحداث الداعي في نفس المكلّف نحو المأمور به ، وحدوث الداعي يتوقّف على مقدّمات ـ كتصوّر العمل وتصوّر ما يترتّب عليه وغيرهما ـ ، وهذا يحتاج إلى زمان ولو قليلا ، فيكون البعث نحو العمل متأخّرا عنه دائما. وإذا جاز الانفكاك بينهما بفصل زمان قصير جاز الانفكاك بفصل زمان طويل.

وناقش فيه أيضا المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ الطلب انّما هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا للمكلّف نحو الفعل عند انقياده. وعليه فلا يمكن تعلّق الطلب بالأمر الاستقباليّ ، إذ مع تماميّة جميع المقدّمات وانقياد المكلّف لأمر المولى لا يمكن انبعاثه نحو الفعل بهذا البعث ، فلا يتحقّق البعث بالأمر ولو بنحو الإمكان. نهاية الدراية ١ : ٣٤٨.

ولا يخفى : أنّ هذه المناقشة انّما تستقيم على مبناه.

(٤) أي : شرط التكليف.

وقد عرفت (١) بما لا مزيد عليه أنّه كالمقارن من غير انخرام للقاعدة العقليّة أصلا (٢) ، فراجع.

[تعميم الواجب المعلّق]

ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور (٣) ، بل ينبغي تعميمه إلى [ما يتوقّف حصوله على] (٤) أمر مقدور متأخّر ، اخذ على نحو

__________________

(١) في مبحث الشرط المتأخّر : ١٨٠.

(٢) لا يخفى : أنّ هذا الجواب لا يدفع الإيراد على القول بامتناع الشرط المتأخّر ، بل انّما يدفعه بناء على القول بجوازه.

(٣) تعريض بدفع ما أورد المحقّق الرشتيّ على صاحب الفصول الغرويّة في تعميم الواجب المعلّق إلى ما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور.

بيان ذلك : أنّ صاحب الفصول قال أوّلا : «وينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف ولا يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور له ، كالمعرفة ، وليسمّ : منجّزا. وإلى ما يتعلّق وجوبه بالمكلّف ويتوقّف حصوله على أمر غير مقدور ، وليسمّ : معلّقا». وعبارته هذه توهم أنّه ذهب إلى تخصيص الواجب المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور. ولكنّه عمّم الواجب المعلّق بعد سطور ، فقال : «واعلم أنّه كما يصحّ أن يكون وجوب الواجب على تقدير حصول أمر غير مقدور ـ وقد عرفت بيانه ـ كذلك يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر مقدور بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله ، وعلى تقدير حصوله يكون واجبا قبل حصوله». الفصول الغرويّة : ٧٩ ـ ٨٠.

ثمّ أنّ المحقّق الرشتيّ أورد على التعميم الّذي ذكره صاحب الفصول ، وقال : «الظاهر أنّه اشتباه ، فكيف يكون ذلك من الواجب المعلّق مع عدم كون الوجوب معلّقا على تقدير وجودها ...». بدائع الأفكار : ٣٢١.

ومن هنا يظهر أنّ كلام المصنّف : «ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق ...» ليس تعريضا بصاحب الفصول كما توهّمه بعض المحشّين على الكفاية ـ كالسيّد الحكيم في حقائق الاصول ١ : ٢٤٨ ، والعلّامة المشكينيّ في حاشية الكفاية ـ ، فإنّه بعيد من المصنّف أن لم يلاحظ آخر كلام صاحب الفصول. بل كلامه هذا تعريض بالمحقّق الرشتيّ حيث أورد على تعميم صاحب الفصول وذهب إلى تخصيص الواجب المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور.

(٤) وما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

يكون موردا للتكليف ويترشّح عليه الوجوب من الواجب أولا (١) ، لعدم (٢) تفاوت فيما يهمّه من وجوب تحصيل المقدّمات الّتي لا يكاد يقدر عليها في زمان الواجب على المعلّق (٣) دون المشروط ، لثبوت الوجوب الحاليّ فيه (٤) ، فيترشّح منه الوجوب على المقدّمة ـ بناء على الملازمة ـ دونه (٥) ، لعدم ثبوته فيه إلّا بعد الشرط.

نعم ، لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخّر وفرض وجوده كان الوجوب المشروط به حاليّا أيضا ، فيكون وجوب سائر المقدّمات الوجوديّة للواجب أيضا حاليّا ؛ وليس الفرق بينه وبين المعلّق حينئذ إلّا كونه (٦) مرتبطا بالشرط ، بخلافه وإن ارتبط به الواجب (٧).

تنبيه : [في بيان المقدّمات القابلة لترشّح الوجوب عليها]

قد انقدح من مطاوي ما ذكرناه أنّ المناط في فعليّة وجوب المقدّمة الوجوديّة وكونه في الحال بحيث يجب على المكلّف تحصيلها هو فعليّة وجوب ذيها ولو كان أمرا استقباليّا ـ كالصوم في الغد ، والمناسك في الموسم ـ ، كان وجوبه مشروطا بشرط موجود اخذ فيه ولو متأخّرا ، أو مطلقا ـ منجّزا كان أو معلّقا ـ فيما إذا لم تكن مقدّمة للوجوب أيضا أو مأخوذة في الواجب (٨) على نحو يستحيل أن

__________________

(١) هكذا في النسخ الّتي بأيدينا. ومعنا العبارة : أنّه ينبغي تعميم الواجب المعلّق إلى أمر مقدور متأخّر ، سواء يكون موردا للتكليف وواقعا في حيّز الوجوب المترشّح من الواجب كالطهارة للصلاة ، أو لا يكون موردا للتكليف ، ولا واقعا في حيّز الوجوب ، بأن يكون ملحوظا بوجوده الاتّفاقيّ ، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج.

وحكى المحشّي المشكينيّ عن المصنّف أنّ الصحيح ثبوت كلمة «لا» وعدم كلمة «أو لا».

(٢) تعليل قوله : «لا وجه لتخصيص ...».

(٣) أي : بناء على الواجب المعلّق. وفي بعض النسخ : «الواجب المعلّق» وهو أيضا صحيح ، كما لا يخفى.

(٤) أي : في الواجب المعلّق.

(٥) أي : دون الواجب المشروط.

(٦) أي : كون الوجوب في المشروط.

(٧) أي : بخلاف الوجوب في المعلّق ، فانّه لا يكون مرتبطا ومقيّدا بالشرط وإن ارتبط به الواجب.

(٨) أي : أو لم تكن المقدّمة مأخوذة في الواجب.

تكون موردا للتكليف ، كما إذا اخذ عنوانا للمكلّف ، كالمسافر والحاضر والمستطيع ... إلى غير ذلك ، أو جعل (١) الفعل المقيّد باتّفاق حصوله وتقدير وجوده ـ بلا اختيار أو باختياره ـ موردا للتكليف ، ضرورة أنّه لو كان مقدّمة الوجوب أيضا لا يكاد يكون هناك وجوب إلّا بعد حصوله ، وبعد الحصول يكون وجوبه طلب الحاصل ، كما أنّه إذا اخذ على أحد النحوين يكون كذلك ، فلو لم يحصل لما كان الفعل موردا للتكليف ، ومع حصوله لا يكاد يصحّ تعلّقه به ، فافهم.

[المقدّمات المفوّتة وتصحيح وجوبها قبل زمان الواجب]

إذا عرفت ذلك فقد عرفت : أنّه لا إشكال أصلا في لزوم الإتيان بالمقدّمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه بعد زمانه فيما كان وجوبه حاليّا مطلقا ، ولو كان مشروطا بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد كما لا يخفى ، ضرورة فعليّة وجوبه وتنجّزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدّمته ، فيترشّح منه الوجوب عليها ـ على الملازمة ـ. ولا يلزم منه (٢) محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها ، وإنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به ، بل لزوم الإتيان بها عقلا ـ ولو لم نقل بالملازمة ـ لا يحتاج إلى مزيد بيان ومئونة برهان ، كالإتيان بسائر المقدّمات في زمان الواجب قبل إتيانه.

فانقدح بذلك : أنّه لا ينحصر التفصّي عن هذه العويصة بالتعلّق بالتعليق (٣) أو بما يرجع إليه من جعل الشرط من قيود المادّة في المشروط (٤).

فانقدح بذلك : أنّه لا إشكال في الموارد الّتي يجب في الشريعة الإتيان بالمقدّمة قبل زمان الواجب (٥) ، كالغسل في الليل في شهر رمضان وغيره (٦) على

__________________

(١) عطف على قوله : «اخذ عنوانا ...».

(٢) أي : من وجوب المقدّمة.

(٣) أي : بالتشبّث بالوجوب التعليقيّ الّذي أفاده صاحب الفصول.

(٤) كما تفصّى به الشيخ الأعظم الأنصاريّ.

(٥) ويطلق على هذا المقدّمات : «المقدّمات المفوّتة» أي : المقدّمات الّتي يفوت الواجب بتركها.

(٦) أي : غير شهر رمضان. أو : غير الغسل من التيمّم.