درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۱۱: قطع ۱۱

 

تكلّف ، بل تعسّف ، فإنّه لا يكاد يصحّ تنزيل جزء الموضوع أو قيده بما هو كذلك ، بلحاظ أثره ، إلّا فيما كان جزؤه الآخر أو ذاته محرزا بالوجدان ، أو تنزيله في عرضه. فلا يكاد يكون دليل الأمارة أو الاستصحاب دليلا على تنزيل جزء الموضوع ما لم يكن هناك دليل على تنزيل جزئه الآخر فيما لم يكن محرزا حقيقة ؛ وفيما لم يكن دليل على تنزيلهما بالمطابقة كما في ما نحن فيه ـ على ما عرفت (١) ـ لم يكن دليل الأمارة دليلا عليه أصلا ، فإنّ دلالته على تنزيل المؤدّى تتوقّف على دلالته على تنزيل القطع بالملازمة ، ولا دلالة له كذلك ، إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى. فإنّ الملازمة إنّما تكون بين تنزيل القطع به (٢) منزلة القطع بالموضوع الحقيقيّ وتنزيل المؤدّى منزلة الواقع (٣) ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا ، فإنّه لا يخلو عن دقّة (٤).

__________________

(١) من لزوم اجتماع اللحاظين.

(٢) أي : القطع بالمؤدّى أو المستصحب.

(٣) وفي بعض النسخ بعد قوله : «إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدّى» هكذا : «فإنّ الملازمة إنّما يدّعى بين القطع بالموضوع التنزيليّ والقطع بالموضوع الحقيقيّ ، وبدون تحقّق الموضوع التنزيليّ التعبّدي أوّلا بدليل الأمارة لا قطع بالموضوع التنزيليّ كي يدّعى الملازمة بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقيّ وتنزيل المؤدّى منزلة الواقع». وفي بعض النسخ ضرب عليه خطّ المحو وصحّح بما في المتن. والمعنى واحد.

(٤) حاصل ما أفاده ـ في الردّ على التوجيه الّذي ذكره في الحاشية ـ : أنّه مستلزم للدور.

وتوضيحه : أنّ الموضوع إذا كان مركّبا من جزءين أو أجزاء لا يترتّب الحكم عليه إلّا بعد إحراز كلا الجزءين بالوجدان أو التعبّد. فلو دلّ دليل على ثبوت أحدهما دون الآخر لا يترتّب الحكم عليه. فإذا قامت بيّنة على وجوب التصدّق فيما إذا علم وجوب الصلاة يكون الموضوع ذا جزءين : (أحدهما) وجوب الصلاة. (ثانيهما) العلم به. فلا يترتّب الحكم بوجوب التصدّق إلّا إذ احرز الجزءان وجدانا أو تعبّدا. والمفروض أنّه لم يحرز الموضوع في المقام بالوجدان ، فلا بدّ من إحرازهما تعبّدا ، بأن يدلّ دليل على تنزيلهما منزلة ما يحرز بالوجدان.

فترتّب الحكم الشرعيّ ـ وهو وجوب التعبّدي ـ على الموضوع ـ وهو العلم بوجوب الصلاة ـ متوقّف على دلالة دليل على أنّ وجوب الصلاة ـ وهو مؤدّى الأمارة ـ منزّل منزلة الواقع وأنّ العلم به والأمارة عليه منزّل منزلة العلم بالواقع الحقيقيّ.

ولا دليل على التنزيلين كي يترتّب الحكم الشرعيّ على الموضوع المركّب ، حيث لا دليل في المقام إلّا دليل اعتبار الأمارة ، وقد ثبت أنّه لا يدلّ على التنزيلين ، للزوم اجتماع اللحاظين. ـ

ثمّ لا يذهب عليك : أنّ هذا (١) لو تمّ لعمّ ؛ ولا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا على نحو الكشف.

الأمر الرابع

[امتناع أخذ القطع بحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضدّه]

لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع نفس هذا الحكم (٢) ، للزوم الدور(٣)؛

__________________

ـ نعم ، إنّما يدلّ دليل اعتبار الأمارة على التنزيل الأوّل ـ أي تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع ـ ، فلا يدلّ إلّا على وجوب الصلاة وأنّه بمنزلة الواقع. وأمّا التنزيل الثاني فلا يدلّ عليه دليل اعتبار الأمارة إلّا إذا كان العلم بوجوب الصلاة في عرض وجوب الصلاة ، ولكنّه ليس في عرضه ، بل يكون في طوله ومن لوازمه المترتّبة عليه. فإذا اريد إثبات التنزيل الثاني بنفس الدليل الدالّ على التنزيل الأوّل ـ وهو دليل اعتبار الأمارة ـ كي يترتّب الأثر الشرعيّ ـ وهو وجوب التصدّق ـ لزم الدور ، لأنّ تنزيل الأمارة منزلة القطع موقوف على ترتّب الأثر الشرعيّ عليه ، وإلّا كان التنزيل لغوا ، وترتّب هذا الأثر الشرعيّ موقوف على إحراز موضوعه الّذي يكون القطع بوجوب الصلاة أحد جزئيه ، وإحراز هذا القطع موقوف على كون الأمارة منزّلة منزلة القطع بالواقع الحقيقيّ ، فيكون تنزيل الأمارة منزلة القطع الحقيقيّ موقوفا على نفسه ، وهذا دور.

(١) وفي النسخ المخطوطة : «أنّه هذا». والصحيح ما أثبتناه ، وهو الموافق لما في النسخة المطبوعة الّتي عليها حواشي العلّامة المشكينيّ.

(٢) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة» أو «إذا علمت بحرمة الخمر يحرم عليك الخمر».

(٣) ويمكن تقريب الدور بوجهين :

الأوّل : أنّ القطع بوجوب الصلاة ـ في المثال السابق ـ موقوف على ثبوت وجوب الصلاة قبل تعلّق العلم به ، لأنّ العارض متوقّف على معروضه ، ووجوب الصلاة أيضا موقوف على العلم بوجوبها ، لأنّ العلم به جزء الموضوع ويتوقّف الحكم على حصول موضوعه ، فيكون العلم بوجوبها موقوف على وجوبها ، ووجوبها موقوف على العلم بوجوبها ، وهذا دور.

ودفعه المحقّق الأصفهانيّ بما حاصله : أنّ الموقوف عليه غير الموقوف عليه ، فإنّ ما يتوقّف عليه القطع هو الصورة الذهنيّة للحكم ، لأنّ القطع من الامور النفسيّة الذهنيّة ولا يتعلّق بالموجودات الخارجيّة ، وما يتوقّف على القطع هو الوجود الخارجيّ للحكم ، فلا دور. نهاية الدراية ٢ : ٧٥ ـ ٧٦. ـ

ولا مثله ، للزوم اجتماع المثلين (١) ؛

__________________

ـ الثاني : ما ذكره المحقّق النائينيّ في مبحث أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر. وحاصله : أنّ موضوع الحكم يؤخذ بنحو فرض الوجود ، فيثبت الحكم عند فرض وجود الموضوع ، سواء كان الموضوع بسيطا أو مركّبا. فإذا فرض كون الموضوع مركّبا من القطع والحكم يؤخذ القطع بنحو فرض الوجود كما يؤخذ الحكم كذلك ، فيلزم فرض ثبوت الحكم عند فرض وجود الحكم ، وهذا مستلزم لفرض ثبوت الحكم قبل ثبوته ، وهو ملاك الدور المحال. فوائد الاصول ١ : ١٤٨ ـ ١٤٩.

ودفعه المحقّق الأصفهانيّ بوجهين :

أحدهما : أنّ ما تعلّق به العلم هو الوجود الذهنيّ للحكم ، فيكون مفروض الوجود هو الحكم الموجود بالوجود الذهنيّ ، وأمّا الحكم الّذي يكون معلّقا على العلم بالحكم الموجود ذهنا فهو الوجود الخارجيّ للحكم ، فلا يلزم فرض ثبوت الشيء قبل ثبوته.

وثانيهما : أنّ فرض ثبوت الشيء بالوجود الفرضيّ غير ثبوته بالوجود التحقيقيّ ، فلا مانع من توقّف ثبوته التحقيقيّ على ثبوته الفرضيّ. نهاية الدراية ٢ : ٧٦.

ولا يخفى : أنّ توقّف الفرد العالي من الوجود ـ وهو الوجود الخارجيّ ـ على الفرد الداني منه ـ وهو الوجود الذهنيّ ـ غير معقول ، بل صدور هذا الكلام من المحقّق الحكيم الأصفهانيّ عجيب.

وهذا المحقّق ـ بعد ما دفع الدور بكلا التقريبين ـ استدلّ على امتناع أخذ العلم في موضوع الحكم نفسه بوجه آخر. وملخّصه : أنّ الحكم قد يعلّق على القطع بذلك الحكم بنحو القضيّة الخارجيّة ، وقد يعلّق عليه بنحو القضيّة الحقيقيّة. فعلى الأوّل لا خلف ، ولكن يلزم اللغو ، لأنّ الحكم إنّما يجعل لأجل جعل الداعي والمحرّك ، فلو فرض علم المكلّف بالحكم لا يكون جعل الحكم داعيا ولا محرّكا ، بل يكون جعله لغوا. وعلى الثاني يلزم الخلف ، إذ يستحيل تحقّق العلم بالحكم ـ مثلا العلم بوجوب الصلاة ـ بوصول قوله : «إذا علمت بوجوب الصلاة يجب عليك الصلاة» ، لأنّ المفروض أنّ وجوبها متوقّف على العلم بوجوبها ، وهو متوقّف على وجوبها ، وهو دور ، وما يبتني على أمر محال محال. نهاية الدراية ٢ : ٧٧.

وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى امتناع أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم إذا كان القطع بعض الموضوع ، وإلى جوازه إذا كان تمام الموضوع. راجع هامش أنوار الهداية ١ : ١٣١.

(١) أي : ولا يمكن أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع مثل هذا الحكم ، كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تجب عليك الصلاة بوجوب آخر».

وخالفه السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ. ـ

ولا ضدّه (١) ، للزوم اجتماع الضدّين (٢).

نعم ، يصحّ أخذ القطع بمرتبة من الحكم في مرتبة اخرى منه (٣) ، أو من مثله (٤) ، أو ضدّه (٥).

وأمّا الظنّ بالحكم : فهو وإن كان كالقطع في عدم جواز أخذه في موضوع نفس ذاك الحكم المظنون ، إلّا أنّه لمّا كان معه مرتبة الحكم الظاهريّ محفوظة ، كان جعل حكم آخر في مورده ـ مثل الحكم المظنون أو ضدّه ـ بمكان من الإمكان.

إن قلت : إن كان الحكم المتعلّق به الظنّ فعليّا أيضا بأن يكون الظنّ متعلّقا بالحكم الفعليّ ، لا يمكن أخذه في موضوع حكم فعليّ آخر مثله أو ضدّه ، لاستلزامه الظنّ باجتماع الضدّين أو المثلين ، وإنّما يصحّ أخذه في موضوع حكم آخر ، كما في القطع طابق النعل بالنعل.

قلت : يمكن أن يكون الحكم فعليّا ، بمعنى أنّه لو تعلّق به القطع ـ على ما هو عليه من الحال ـ لتنجّز ، واستحقّ على مخالفته العقوبة. ومع ذلك (٦) لا يجب على الحاكم رفع عذر المكلّف برفع جهله لو أمكن ، أو بجعل لزوم الاحتياط عليه فيما أمكن ، بل يجوز جعل أصل أو أمارة مؤدّية إليه تارة ، وإلى ضدّه اخرى ، ولا يكاد يمكن مع القطع به جعل حكم آخر مثله أو ضدّه ، كما لا يخفى (٧).

__________________

ـ أمّا الأوّل : فذهب إلى التفصيل بين المأخوذ تمام الموضوع فيجوز ، وبين المأخوذ بعض الموضوع فلا يجوز. راجع هامش أنوار الهداية ١ : ١٣١.

وأمّا الثاني : فذهب إلى إمكانه مطلقا. مصباح الاصول ٢ : ٤٥.

(١) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بوجوب الصلاة تحرم عليك الصلاة».

(٢) وخالفه السيّد الإمام الخمينيّ ، فذهب إلى التفصيل المتقدّم.

(٣) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بإنشاء الحرمة لشرب التتن فهو حرام لك فعلا».

(٤) كما إذا قال المولى : «إذا علمت بإنشاء وجوب الصلاة يجب عليك فعلا وجوبا مماثلا».

(٥) كأن يقال : «إذا علمت بإنشاء الحرمة للخمر فهو حلال لك فعلا».

وفي بعض النسخ : «أو من مثله أو من ضدّه».

(٦) أي : مع كون الحكم المظنون فعليّا.

(٧) وفي بعض النسخ : «كما لا يخفى ، فافهم».