درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۶: مطلق ظن ۱

 

فصل

في الوجوه الّتي أقاموا (١) على حجّيّة الظنّ (٢)

وهي أربعة :

[الوجه الأوّل : قاعدة رفع الضرر المظنون]

الأوّل : أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبيّ أو التحريميّ مظنّة ، ودفع الضرر المظنون لازم (٣).

أمّا الصغرى : فلأنّ الظنّ بوجوب شيء أو حرمته يلازم الظنّ بالعقوبة على مخالفته ، أو الظنّ بالمفسدة فيها ، بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد.

وأمّا الكبرى : فلاستقلال العقل بدفع الضرر المظنون ، ولو لم نقل بالتحسين والتقبيح (٤) ، لوضوح عدم انحصار ملاك حكمه بهما ، بل يكون التزامه بدفع الضرر

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «اقيمت أو أقاموها».

(٢) أي : مطلق الظنّ.

(٣) هذا الدليل استدلّ به العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٧. وهذا أوّل الوجوه الأربعة الّتي ذكرها الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ١ : ٣٦٧.

(٤) تعريض لما أفاده الحاجبيّ جوابا عن هذا الوجه من منع الكبرى. فإنّه قال ـ على ما حكاه الشيخ الأنصاريّ ـ : «إنّ دفع الضرر إذا قلنا بالتحسين والتقبيح العقليّين احتياط مستحبّ ، لا واجب». راجع شرح العضديّ على مختصر الاصول ١ : ١٦٣ ، وفرائد الاصول ١ : ٣٦٨.

وأورد عليه المصنّف رحمه‌الله بأنّ وجوب دفع الضرر المظنون من الامور الفطريّة التي يحكم به العاقل بما هو عاقل ، ولذا لا ينكر الأشعريّ ـ المنكر للحسن والقبح ـ أنّه لا يصدر من العاقل ـ

المظنون ، بل المحتمل بما هو كذلك ، ولو لم يستقلّ بالتحسين والتقبيح ، مثل الالتزام بفعل ما استقلّ بحسنه إذا قيل باستقلاله ، ولذا أطبق العقلاء عليه مع خلافهم في استقلاله بالتحسين والتقبيح (١) ، فتدبّر جيّدا.

والصواب في الجواب هو منع الصغرى (٢):

أمّا العقوبة : فلضرورة عدم الملازمة بين الظنّ بالتكليف والظنّ بالعقوبة على مخالفته ، لعدم الملازمة بينه والعقوبة على مخالفته ؛ وإنّما الملازمة بين خصوص معصيته واستحقاق العقوبة عليها ، لا بين مطلق المخالفة والعقوبة بنفسها. ومجرّد الظنّ به (٣) بدون دليل على اعتباره لا يتنجّز به ، كي يكون مخالفته عصيانه.

إلّا أن يقال : إنّ العقل وإن لم يستقلّ بتنجّزه بمجرّده (٤) بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته ، إلّا أنّه لا يستقلّ أيضا بعدم استحقاقها معه (٥) ، فيحتمل العقوبة حينئذ على المخالفة. ودعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدّا ، لا سيّما إذا كان هو العقوبة الاخرويّة ، كما لا يخفى.

وأمّا المفسدة : فلأنّها وإن كان الظنّ بالتكليف يوجب الظنّ بالوقوع فيها لو خالفه ، إلّا أنّها ليست بضرر على كلّ حال ، ضرورة أنّ كلّ ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله ، بل ربما يوجب حزازة ومنقصة في الفعل بحيث يذمّ عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا ، كما لا يخفى.

وأمّا تفويت المصلحة : فلا شبهة في أنّه ليس فيه مضرّة ، بل ربما يكون في استيفائها المضرّة ، كما في الإحسان بالمال ، هذا. مع منع كون الأحكام تابعة

__________________

ـ ما يكون محتمل الضرر فضلا عن عمل يكون مظنّة للضرر.

(١) فالعدليّة ذهبوا إلى استقلال العقل في الحسن والقبح ، والأشاعرة ذهبوا إلى عدم استقلاله.

(٢) كما منعه استاذه المحقّق الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٧٣.

(٣) أي : بالتكليف.

(٤) أي : بتنجّز التكليف بمجرّد الظنّ به.

(٥) أي : مع الظنّ بالتكليف.

للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهيّ عنها ، بل إنّما هي تابعة لمصالح فيها (١) ، كما حقّقناه في بعض فوائدنا (٢).

وبالجملة : ليست المفسدة ولا المنفعة الفائتة ـ اللّتان في الأفعال وانيط بهما الأحكام ـ بمضرّة. وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة من الأفعال ـ على القول باستقلاله بذلك (٣) ـ هو كونه (٤) ذا ضرر وارد على فاعله ، أو نفع عائد إليه.

ولعمري هذا أوضح من أن يخفى. فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون هاهنا أصلا ؛ ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة ، أو ترك ما فيه احتمال المصلحة ، فافهم (٥).

[الوجه الثاني : قاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح]

الثاني : أنّه لو لم يؤخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو قبيح (٦).

__________________

(١) أي : في نفس الأحكام.

(٢) راجع فوائد الاصول (للمصنّف) : (فائدة في اقتضاء الأفعال للمدح والذمّ) ، وحاشية على الرسائل : ٧٦ ، حيث قال : «مع احتمال عدم كون الأحكام تابعة لهما ، بل تابعة لما في أنفسهما من المصلحة».

(٣) أي : بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة.

(٤) أي : كون ما فيه المصلحة أو كون ما فيه المفسدة.

(٥) ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ قد أطال الكلام حول هذه الوجه والجواب عنه. وتعرّض له السيّد الإمام الخمينيّ وناقش فيما أفاده. تركنا ما أفاداه خوفا من التطويل. وإن شئت فراجع فوائد الاصول ٣ : ٢١٤ ـ ٢٣٤ ، أنوار الهداية ١ : ٣٣٤ ـ ٣٤٤.

(٦) هذا الاستدلال ذكره العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٣٩٧. وذكره أيضا المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٢٤٣ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٨٦ ، والشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٨٠. ـ