درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۴۷: مطلق ظن ۲

 

للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهيّ عنها ، بل إنّما هي تابعة لمصالح فيها (١) ، كما حقّقناه في بعض فوائدنا (٢).

وبالجملة : ليست المفسدة ولا المنفعة الفائتة ـ اللّتان في الأفعال وانيط بهما الأحكام ـ بمضرّة. وليس مناط حكم العقل بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة من الأفعال ـ على القول باستقلاله بذلك (٣) ـ هو كونه (٤) ذا ضرر وارد على فاعله ، أو نفع عائد إليه.

ولعمري هذا أوضح من أن يخفى. فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون هاهنا أصلا ؛ ولا استقلال للعقل بقبح فعل ما فيه احتمال المفسدة ، أو ترك ما فيه احتمال المصلحة ، فافهم (٥).

[الوجه الثاني : قاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح]

الثاني : أنّه لو لم يؤخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح ، وهو قبيح (٦).

__________________

(١) أي : في نفس الأحكام.

(٢) راجع فوائد الاصول (للمصنّف) : (فائدة في اقتضاء الأفعال للمدح والذمّ) ، وحاشية على الرسائل : ٧٦ ، حيث قال : «مع احتمال عدم كون الأحكام تابعة لهما ، بل تابعة لما في أنفسهما من المصلحة».

(٣) أي : بقبح ما فيه المفسدة أو حسن ما فيه المصلحة.

(٤) أي : كون ما فيه المصلحة أو كون ما فيه المفسدة.

(٥) ثمّ إنّ المحقّق النائينيّ قد أطال الكلام حول هذه الوجه والجواب عنه. وتعرّض له السيّد الإمام الخمينيّ وناقش فيما أفاده. تركنا ما أفاداه خوفا من التطويل. وإن شئت فراجع فوائد الاصول ٣ : ٢١٤ ـ ٢٣٤ ، أنوار الهداية ١ : ٣٣٤ ـ ٣٤٤.

(٦) هذا الاستدلال ذكره العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط) : ٣٩٧. وذكره أيضا المحقّق القميّ في قوانين الاصول ١ : ٢٤٣ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٨٦ ، والشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٨٠. ـ

وفيه (١) : أنّه لا يكاد يلزم منه ذلك (٢) إلّا فيما إذا كان الأخذ بالظنّ أو بطرفه (٣) لازما ، مع عدم إمكان الجمع بينهما عقلا ، أو عدم وجوبه شرعا ، ليدور الأمر بين ترجيحه وترجيح طرفه. ولا يكاد يدور الأمر بينهما إلّا بمقدّمات دليل الانسداد ، وإلّا كان اللازم هو الرجوع إلى العلم أو العلميّ أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الأشخاص أو الأحوال في اختلال المقدّمات على ما ستطّلع على حقيقة الحال (٤).

[الوجه الثالث : الجمع بين قاعدتي الاحتياط ونفي الحرج]

الثالث : ما عن السيّد الطباطبائيّ قدس‌سره (٥) من أنّه لا ريب في وجود واجبات

__________________

ـ وحاصل الدليل : أنّه يدور الأمر بين العمل بالظنّ وبين العمل بالشكّ والوهم. ولو لم يؤخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح ـ وهو الشكّ والوهم ـ على الراجح ـ وهو الظنّ ـ ، وهو قبيح.

(١) هذا هو الجواب الحلّيّ الذي ذكره الشيخ الأعظم ـ في فرائد الاصول : ٣٨١ ـ بعد الجواب عنه بالنقض بكثير من الظنون المحرّمة العمل بالإجماع أو بالضرورة.

(٢) أي : ترجيح المرجوح على الراجح.

(٣) أي : بطرف الظنّ ، وهو الوهم.

(٤) والحاصل : أنّ تماميّة هذا الوجه تتوقّف على أمرين :

أحدهما : تنجّز التكليف ولزوم الأخذ بالمظنون وأخويه ، كي لا يجوز ترك العمل بإجراء البراءة.

ثانيهما : عدم إمكان الجمع بين المظنون وطرفه ـ لاختلال النظام ـ أو عدم وجوب الجمع شرعا ـ للعسر والحرج ـ ، فلا يتمكّن المكلّف من الاحتياط ، ويدور الأمر بين ترجيح الظنّ أو ترجيح طرفه.

فإذا لم يتنجّز التكليف لا يثبت التكليف ويجوز ترك العمل بالرجوع إلى البراءة ، وليس ترجيح المرجوح على الراجح. كما إذا تنجّز التكليف وتمكّن المكلّف من الجمع بينهما فعليه بالاحتياط التامّ ، وليس فيه أيضا ترجيح المرجوح على الراجح.

ومعلوم أنّه لم يتنجّز التكليف ولا يجب العمل بالمظنون وأخويه إلّا بعد تماميّة مقدّمات دليل الانسداد ـ كما سيأتي ـ ، فهذا الوجه يرجع إلى دليل الانسداد.

(٥) حكاه الشيخ الأنصاريّ في فرائد الاصول ١ : ٣٨٢ عن استاذ استاذه ، وهو السيّد الأجلّ الطباطبائيّ صاحب رياض المسائل.

ونقل المحقّق الآشتيانيّ أيضا ـ في بحر الفوائد ١ : ١٨٩ ـ : أنّ شريف العلماء حكاه عن استاذه صاحب الرياض.

ومحرّمات كثيرة بين المشتبهات. ومقتضى ذلك وجوب الاحتياط بالإتيان بكلّ ما يحتمل الوجوب ولو موهوما ، وترك ما يحتمل الحرمة كذلك ؛ ولكن مقتضى قاعدة نفي الخرج عدم وجوب ذلك كلّه ، لأنّه عسر أكيد وحرج شديد ؛ فمقتضى الجمع بين قاعدتي الاحتياط وانتفاء الحرج ، العمل بالاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات ، لأنّ الجمع على غير هذا الوجه بإخراج بعض المظنونات وإدخال بعض المشكوكات والموهومات باطل إجماعا.

ولا يخفى ما فيه من القدح والفساد ، فإنّه بعض مقدّمات دليل الانسداد (١) ، ولا يكاد ينتج بدون سائر مقدّماته ، ومعه لا يكون دليلا آخر (٢) بل ذاك الدليل.

[الوجه] الرابع : دليل الانسداد (٣)

وهو مؤلّف من مقدّمات يستقلّ العقل مع تحقّقها بكفاية الإطاعة الظنيّة

__________________

(١) لأنّ هذا الوجه مؤلّف من مقدّمات ثلاث :

إحداها : العلم الإجماليّ بوجود تكاليف فعليّة في الشريعة.

ثانيتها : عدم وجوب الاحتياط التامّ ، لأنّه مستلزم للعسر والحرج.

ثالثتها : العمل بالمظنونات ورفع العسر بطرح المشكوكات والموهومات.

وهي بعض مقدّمات دليل الانسداد. فالاولى هي الأولى منها ، والثانية هي بعض الرابعة منها ، والثالثة هي الخامسة منها.

فتماميّة هذا الوجه تبتني على ضمّ المقدّمة الثانية ـ وهي انسداد باب العلم والعلميّ ـ والثالثة ـ وهي عدم جواز إهمالها ـ وبعض آخر من الرابعة ـ وهو عدم جواز الرجوع إلى الاصول العمليّة أو التقليد ـ. ومع ضميمة هذه المقدّمات يرجع هذا الوجه إلى دليل الانسداد الآتي.

وهذا الجواب ذكره الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ١ : ٣٨٢.

(٢) وفي بعض النسخ : «دليل آخر». والصحيح ما أثبتناه.

(٣) لا يخفى : أنّه لا ثمرة عمليّة ـ بل علميّة ـ للبحث عن هذا الدليل. ولا ينبغي التعرّض له وإطالة الكلام فيه ، لأنّ هذا الدليل ـ بعد ما ثبتت حجّيّة خبر الواحد ـ فاسد من أساسه ، فالتعرّض لها ممّا لا طائل تحته.

فلا وجه للإسهاب في تحقيق تنبيهات دليل الانسداد والتعرّض للمباحث الّتي تعرّضوا لها في المقام ، كالبحث عن عدد مقدّمات دليل الانسداد ، والبحث عن نتيجة هذا الدليل ، والبحث ـ

حكومة أو كشفا ـ على ما تعرف ـ ، ولا يكاد يستقلّ بها بدونها. وهي خمس :

اوليها : أنّه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف كثيرة فعليّة في الشريعة.

ثانيتها : أنّه قد انسدّ علينا باب العلم والعلميّ إلى كثير منها.

ثالثها : أنّه لا يجوز لنا إهمالها وعدم التعرّض لامتثالها أصلا.

رابعتها : أنّه لا يجب علينا الاحتياط في أطراف علمنا ، بل لا يجوز في الجملة ، كما لا يجوز الرجوع إلى الأصل في المسألة من استصحاب وتخيير وبراءة واحتياط ، ولا إلى فتوى العالم بحكمها.

خامستها : أنّه كان ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا.

فيستقلّ العقل حينئذ بلزوم الإطاعة الظنّيّة لتلك التكاليف المعلومة ، وإلّا لزم بعد انسداد باب العلم والعلميّ بها إمّا إهمالها ، وإمّا لزوم الاحتياط في أطرافها ، وإمّا الرجوع إلى الأصل الجاري في كلّ مسألة مع قطع النظر عن العلم بها ، أو التقليد فيها ، أو الاكتفاء بالإطاعة الشكّيّة أو الوهميّة مع التمكّن من الظنّيّة ، والفرض بطلان كلّ واحد منها.

أمّا المقدّمة الأولى : فهي وإن كانت بديهيّة ، إلّا أنّه قد عرفت انحلال العلم الإجماليّ بما في الأخبار الصادرة عن الأئمّة الطاهرة عليهم‌السلام الّتي تكون فيما بأيدينا من الروايات في الكتب المعتبرة ، ومعه لا موجب للاحتياط إلّا في خصوص ما في الروايات ، وهو غير مستلزم للعسر فضلا عمّا يوجب الاختلال ، ولا إجماع على

__________________

ـ عن كيفيّة خروج الظنّ القياسيّ ، والبحث عن تقدّم الظنّ المانع أو الممنوع ، وسائر المباحث.

ولذا ترى ـ في هذه الآونة ـ أنّ المدرّسين يهملون تدريس الكتاب من هنا إلى أوّل المقصد السابع.

ولأجل هذا تركنا التعليق على هذه المباحث ، واكتفينا بتصحيحها واستخراج منابعها.

ونحيل الطلّاب للبحث عنها بأوسع ممّا في الكتاب إلى المطوّلات ، كفرائد الاصول ١ : ٣٨٤ ـ ٥٩٩ ، وفوائد الاصول ٣ : ٢٥٥ ـ ٣٢٤ ، ونهاية الأفكار ٢ : ١٤٥ ـ ١٨٤ ، ونهاية الدراية ٢ : ٢٥٤ ـ ٤٢٠ ، وأنوار الهداية ١ : ٣٤٥ ـ ٣٨٥ ، ومصباح الاصول ٢ : ٢١٩ ـ ٢٤٤.