درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۵۰: مطلق ظن ۵

 

وأمّا المقدّمة الرابعة : فهي بالنسبة إلى عدم وجوب الاحتياط التامّ بلا كلام ، فيما يوجب عسره اختلال النظام. وأمّا فيما لا يوجب فمحلّ نظر بل منع ، لعدم حكومة قاعدة نفي العسر والحرج على قاعدة الاحتياط ؛ وذلك لما حقّقناه (١) في معنى ما دلّ على نفي الضرر والعسر ، من أنّ التوفيق بين دليلهما ودليل التكليف أو الوضع المتعلّقين بما يعمّهما ، هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما ، فلا يكون له حكومة على الاحتياط العسر إذا كان بحكم العقل ، لعدم العسر في متعلّق التكليف ، وإنّما هو في الجمع بين محتملاته احتياطا.

نعم ، لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر ـ كما قيل (٢) ـ لكانت قاعدة نفيه محكّمة على قاعدة الاحتياط ، لأنّ العسر حينئذ يكون من قبل التكاليف المجهولة ، فتكون منفيّة بنفيه.

ولا يخفى : أنّه على هذا لا وجه لدعوى استقلال العقل بوجوب الاحتياط في بعض الأطراف بعد رفع اليد عن الاحتياط في تمامها ، بل لا بدّ من دعوى وجوبه شرعا ، كما أشرنا إليه في بيان المقدّمة الثالثة (٣) ، فافهم وتأمّل جيّدا.

وأمّا الرجوع إلى الاصول : فبالنسبة إلى الاصول المثبتة ـ من احتياط أو استصحاب مثبت للتكليف ـ فلا مانع عن إجرائها عقلا مع حكم العقل وعموم النقل. هذا ، ولو قيل بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجماليّ ، لاستلزام شمول دليله لها التناقض في مدلوله ، بداهة تناقض حرمة النقض في كلّ منها ـ بمقتضى «لا ينقض» ـ لوجوبه في البعض ، كما هو قضيّة «ولكن ينقضه بيقين آخر» (٤).

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «لما يأتي من التحقيق». وذلك لأنّه لم يحقّقه في السابق ، بل تعرّض لهذا المطلب ذيل البحث عن قاعدة لا ضرر في الجزء الثالث.

(٢) والقائل الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ٤٦ ـ ٤٦٢.

(٣) راجع الصحفة المتقدّمة ، حيث قال : «قلت : هذا إنّما يلزم لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط ...».

(٤) وسائل الشيعة ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ١.

وذلك لأنّه إنّما يلزم فيما إذا كان الشكّ في أطرافه فعليّا ؛ وأمّا إذا لم يكن كذلك ، بل لم يكن الشكّ فعلا إلّا في بعض أطرافه ، وكان بعض أطرافه الآخر غير ملتفت إليه فعلا أصلا ـ كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام ، كما لا يخفى ـ فلا يكاد يلزم ذلك ، فإنّ قضيّة «لا تنقض» ليست (١) حينئذ إلّا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك ، وليس فيه علم بالانتقاض ، كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له ، فافهم.

ومنه قد انقدح ثبوت حكم العقل وعموم النقل بالنسبة إلى الاصول النافية أيضا ، وأنّه لا يلزم محذور لزوم التناقض من شمول الدليل لها ، لو لم يكن هناك مانع عقلا أو شرعا من إجرائها ، ولا مانع كذلك لو كانت موارد الاصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلا أو نهض عليه علميّ بمقدار المعلوم إجمالا ، بل بمقدار لم يكن معه مجال لاستكشاف إيجاب الاحتياط ، وإن لم يكن بذاك المقدار ، ومن الواضح أنّه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

وقد ظهر بذلك : أنّ العلم الإجماليّ بالتكاليف ربما ينحلّ ببركة جريان الاصول المثبتة وتلك الضميمة ، فلا موجب حينئذ للاحتياط عقلا ولا شرعا أصلا ، كما لا يخفى.

كما ظهر : أنّه لو لم ينحلّ بذلك كان خصوص موارد الاصول النافية مطلقا ولو من مظنونات عدم التكليف (٢) محلّا للاحتياط فعلا ـ ويرفع اليد عنه فيها كلّا أو بعضا بمقدار رفع الاختلال أو رفع العسر على ما عرفت ـ ، لا محتملات التكليف مطلقا.

وأمّا الرجوع إلى فتوى العالم : فلا يكاد يجوز ، ضرورة أنّه لا يجوز إلّا

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ليس». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) وفي بعض النسخ : «مظنونات التكليف». والصحيح ما أثبتناه.