درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۳: برائت ۱۲

 

الفري بسائر شرائطها ، كما لا يخفى.

نعم ، لو علم بقبوله التذكية وشكّ في الحلّيّة فأصالة الإباحة فيه محكّمة ، فإنّه حينئذ إنّما يشكّ في أنّ هذا الحيوان المذكّى حلال أو حرام ، ولا أصل فيه إلّا أصالة الإباحة ، كسائر ما شكّ في أنّه من الحلال أو الحرام (١).

هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعيّ آخر مثبت لقبوله التذكية ، كما إذا شكّ ـ مثلا ـ في أنّ الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليّته لها أم لا؟ فأصالة قبوله لها معه محكّمة (٢) ، ومعها لا مجال لأصالة عدم تحقّقها ، فهو قبل الجلل كان يطهر ويحلّ بالفري بسائر شرائطها فالأصل أنّه كذلك بعده.

وممّا ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حلّيّته وحرمته بالشبهة الموضوعيّة من الحيوان ، وأنّ أصالة عدم التذكية محكّمة فيما شكّ فيها لأجل الشكّ في تحقّق ما اعتبر في التذكية شرعا.

كما أنّ أصالة قبول التذكية محكّمة إذا شكّ في طروء ما يمنع عنه ، فيحكم بها فيما احرز الفري بسائر شرائطها عداه (٣) ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا.

__________________

ـ وصريح كلام السيّد الإمام الخمينيّ ـ في كتاب الطهارة ٣ : ٥٢٥ ـ هو المعنى السادس.

هذا ، وتصديق بعض المحتملات خارج عن المقام ، فإنّه مربوط بالبحث الفقهيّ.

(١) وقد أورد عليه المحقّق الاصفهانيّ بما حاصله : أنّ القابليّة والخصوصيّة المفروضة في الحيوان تختلف بحسب الموارد ، فربّما حيوان له قابليّة للحلّيّة والطهارة فتؤثّر التذكية فيهما ، كما في تذكية مأكول اللحم ؛ وربّما حيوان له قابليّة للطهارة فقط فتؤثّر التذكية فيها فقط ، كما في تذكية غير المسوخ ممّا لا يؤكل لحمه ؛ وربّما حيوان له قابليّة للحلّيّة فقط فتؤثّر التذكية فيها فقط ، كما في السمك ، فإنّ ميتته طاهرة ولا ترتبط طهارته بتذكيته. وهذا يكشف أنّ الخصوصيّة والقابليّة المؤثّرة في بعض الحيوانات غير الخصوصيّة والقابليّة المؤثّرة في غيرها.

وعليه فإذا شككنا في حلّيّة الحيوان يرجع الشكّ إلى ثبوت القابليّة الّتي بها تؤثّر التذكية في حلّيّته وإن علمنا بثبوت القابليّة الّتي بها تؤثّر التذكية في طهارته ، ومعه لا مجال لأصالة الحلّ ، بل تجري أصالة عدم تلك القابليّة المستتبع عدم التذكية المؤثّرة في حلّيّته. نهاية الدراية ٢ : ٥١٤.

(٢) أي : فأصالة قبول الحيوان للتذكية مع الجلل محكّمة.

(٣) أي : ما عدا ما يمنع عن قبول التذكية.

[التنبيه] الثاني : [حسن الاحتياط شرعا وعقلا]

أنّه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعا وعقلا في الشبهة الوجوبيّة أو التحريميّة ، في العبادات وغيرها. كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما إذا احتاط وأتى أو ترك بداعي احتمال الأمر أو النهي.

[تقرير إشكال الاحتياط في العبادة]

وربما يشكل في جريان الاحتياط في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب من جهة أنّ العبادة لا بدّ فيها من نيّة القربة المتوقّفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو إجمالا (١).

[ما قيل في الجواب عن إشكال الاحتياط ، والإيراد عليه]

وحسن الاحتياط عقلا (٢) لا يكاد يجدي في رفع الإشكال ولو قيل بكونه

__________________

(١) حاصل الإشكال : أنّه لا يمكن جريان الاحتياط فيما لو دار الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب. بيان ذلك: أنّه لا شكّ في اعتبار قصد القربة ـ بمعنى قصد امتثال الأمر ـ في العمل العباديّ ، وهو متوقّف على العلم بتعلّق أمر الشارع بالعمل تفصيلا ـ كالعلم بتعلّق الأمر بصلاة الظهر إذا حان وقته ـ أو إجمالا ـ كالعلم بتعلّق الأمر بإحدى الصلوات الأربع عند اشتباه القبلة ـ ، فمع الجهل بتعلّق أمر الشارع بالعمل لا يمكن قصد القربة ، ومعلوم أنّ الشكّ بين الوجوب وغير الاستحباب يرجع إلى الشكّ بين تعلّق الأمر بالعمل وعدمه ، وإذا شكّ في تعلّق الأمر بالعمل لم يكن الاحتياط به من الاحتياط في العبادة ، فإنّ الاحتياط من العبادة عبارة عن الإتيان بمحتمل العبادة ، ومع عدم إحراز تعلّق الأمر بالعمل لا يمكن قصد امتثال الأمر به ، فيكون الإتيان به بلا نيّة القربة ، وحينئذ يعلم بأنّ المأتي به ليس عبادة قطعا.

هذا كلّه فيما إذا دار الأمر بين الوجوب وغير الاستحباب ، وأمّا إذا دار الأمر بين الوجوب والاستحباب ، فلا مجال للإشكال ، للعلم بالأمر المصحّح لنيّة القربة.

وهذا الإشكال تعرّض له الشيخ الأعظم في فرائد الاصول ٢ : ١٥٠ ـ ١٥١.

(٢) إشارة إلى الجواب الأوّل من الأجوبة الّتي ذكروها لدفع الإشكال المتقدّم. وهو مركّب ـ

__________________

ـ من قياسين :

الأوّل : أنّ الاحتياط حسن عقلا ، وكلّ ما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بحسنه ، فالاحتياط حسن شرعا.

الثاني : الاحتياط حسن شرعا ، وكلّ ما حكم الشرع بحسنه تعلّق الأمر به شرعا ، فالاحتياط تعلّق به الأمر شرعا.

والحاصل : أنّ الاحتياط لمّا كان حسنا عقلا كان ـ بمقتضى قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ متعلّقا للأمر الشرعيّ ، فيثبت الأمر به بنحو اللمّ ، وقصد هذا الأمر الشرعيّ كاف في الاحتياط في العبادة.

وقد ناقشه المصنّف قدس‌سره بوجهين :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «ولو قيل بكونه موجبا لتعلّق الأمر به شرعا». ثمّ وضّحه بقوله الآتي : «مع أنّ حسن الاحتياط لا يكون بكاشف ... بل يكون حاله في ذلك حال الإطاعة ، فإنّه نحو من الانقياد والطاعة». وحاصل ما أفاده : أنّ حسن الاحتياط عقلا انّما يدلّ ـ بقاعدة الملازمة ـ على تعلّق الأمر الإرشاديّ بالاحتياط ، والأمر الإرشاديّ لا يصلح للتقرّب به. وبعبارة اخرى : لا يستكشف من قاعدة الملازمة تعلّق الأمر المولويّ بالاحتياط كي يمكن قصد امتثاله والتقرّب به ، بل غاية ما يستكشف منه تعلّق الأمر الإرشاديّ به ، ومن المعلوم أنّ الأمر الإرشاديّ لا يصلح للتقرّب به.

والوجه في عدم استكشافه من قاعدة الملازمة أنّ مورد قاعدة الملازمة هو الحكم العقليّ الواقع في مرتبة علل الأحكام من المصالح والمفاسد ، فإنّ هذا الحكم نشأ عن مصلحة في نفس متعلّقه ويكشف بقاعدة الملازمة أنّه مأمور به شرعا. وأمّا الحكم العقليّ الواقع في مرتبة معلولات الأحكام ـ من الإطاعة والمعصية والثواب والعقاب ـ فليس من موارد قاعدة الملازمة. والحكم العقليّ في باب الاحتياط من قبيل الثاني ، فإنّ حكم العقل بحسن الاحتياط كحكمه بحسن الإطاعة وقبح المعصية ، فحكمه بحسنه واقع في مرتبة معلولات الأحكام ، وحينئذ لا يكون الأمر بالاحتياط ـ المستفاد من قاعدة الملازمة أو الأخبار ـ إلّا إرشادا إلى ما يستقلّ به العقل من حسن الانقياد واستيفاء الواقع والتحرّز عن الوقوع في المفسدة الواقعيّة وفوات المصلحة النفس الأمريّة. فلا يستكشف من قاعدة الملازمة تعلّق الأمر الشرعيّ المولويّ بالاحتياط.

وهذا الوجه تعرّض له المحقّق النائينيّ وارتضى به على ما في فوائد الاصول ٣ : ٣٩٩.

ولكنّ المحقّق الأصفهانيّ أورد على هذا الوجه بما حاصله : أنّ قياس أوامر الاحتياط ـ

__________________

ـ بأوامر الإطاعة قياس مع الفارق ، لأنّ المانع عن تعلّق الأمر المولويّ بالطاعة ليس مجرّد استقلال العقل بحسنها ، ولا كون حسن الطاعة في رتبة متأخّرة عن الأمر ، بل المانع عن تعلّق الأمر المولويّ بها هو عدم قابليّة موردها للحكم المولويّ ، لكونه محكوما عليه بالحكم المولويّ ، فإثبات الحكم المولويّ الآخر في موردها لغو. ومعلوم أنّ هذا المانع في موارد الاحتياط مفقود ، ضرورة أنّه ليس في موارد الاحتياط إلّا مجرّد احتمال الأمر المولويّ ، وهذا الاحتمال لا يكفي للدعوة ، فلا مانع من أن يأمر المولى نحو المحتمل مولويّا. نهاية الدراية ٢ : ٥٢٢ ـ ٥٢٣.

وهذا الإيراد أورده السيّد المحقّق الخوئيّ أيضا على المحقّق النائينيّ بتقرير آخر. راجع مصباح الاصول ٢ : ٣١٧ ـ ٣١٨.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «بداهة توقّفه على ثبوته ... من مبادئ ثبوته؟!». وحاصله : أنّه لو سلّم استكشاف تعلّق الأمر المولويّ بالاحتياط من قاعدة الملازمة ، لا يكاد يجدى إثبات الأمر به في رفع الإشكال ، للزوم الدور. وتوضيحه : أنّ الاحتياط في العبادة عبارة عن إتيان العبادة بجميع ما يعتبر فيها من الأجزاء والشرائط ، ومن شرائطها إتيانها بقصد أمرها ، فلا يتحقّق الاحتياط في العبادة إلّا إذا احرز كونها مأمورا بها ، فالأمر بالاحتياط بهذا الاعتبار مقدّم على الاحتياط تقدّم الموضوع على حكمه ، وهو باعتبار كونه مستكشفا من حكم العقل بحسن الاحتياط مؤخّر عن الاحتياط تأخّر الحكم عن موضوعه. وعليه فالأمر بالاحتياط متوقّف على ثبوت الاحتياط ، وهو متوقّف على الأمر به ، وهذا دور باطل.

وقد أورد المحقّق الأصفهانيّ على هذا الوجه بما حاصله : أنّ العارض على قسمين :

أحدهما : عارض الوجود. وهو ما يحتاج إلى موضوع موجود ، كالبياض المحتاج في وجوده إلى موضوع موجود.

ثانيهما : عارض الماهيّة. وهو ما لا يحتاج إلى موضوع موجود خارجا أو ذهنا ، بل ثبوت المعروض هاهنا بثبوت عارضه ، والعروض تحليليّ ، كالفصل العارض على الجنس ، فإنّ الجنس في حدّ ذاته مبهمة ولا يتعيّن إلّا بعروض الفصل ، فلا ثبوت له إلّا بثبوت الفصل.

والحكم بالإضافة إلى موضوعه من قبيل عوارض الماهيّة ، فإنّ الحكم عارض على ماهيّة العمل لا على وجوده ، فلا يتوقّف ثبوته على ثبوت موضوعه ، بل يثبت موضوعه بثبوته ويكون العروض تحليليّا ، فلا دور ، إذ ليس هناك تعدّد الوجود حتّى يلزم الدور.

ثمّ تصدّى للمناقشة في الجواب الأوّل بوجه آخر ، فقال : «الأمر الاحتياطيّ إن تعلّق بذات الفعل بعنوانه لا بعنوان التحفّظ على الواقع فإنّه وإن أمكن أخذ قصد الأمر في موضوع ـ

موجبا لتعلّق الأمر به شرعا ، بداهة توقّفه على ثبوته (١) توقّف العارض على معروضه ، فكيف يعقل أن يكون من مبادئ ثبوته؟!

وانقدح بذلك (٢) أنّه لا يكاد يجدي في رفعه أيضا القول بتعلّق الأمر به من جهة ترتّب الثواب عليه (٣) ، ضرورة أنّه فرع إمكانه ، فكيف يكون من مبادئ جريانه؟! هذا.

مع أنّ حسن الاحتياط لا يكون بكاشف عن تعلّق الأمر به بنحو اللمّ ، ولا ترتّب الثواب عليه بكاشف عنه بنحو الإنّ ، بل يكون حاله في ذلك حال

__________________

ـ نفسه إلّا أنّ لازمه خروج الشيء عن كونه احتياطا ، لأنّ موضوعه محتمل الوجوب حتّى ينحفظ عليه ؛ وبعد فرض تعلّق الأمر بذات الفعل بقصد هذا الأمر كان تحقيقا للعبادة الواقعيّة المعلومة المنافية لعنوان الاحتياط ، وهو خلف. وإن تعلّق الأمر بالاحتياط بعنوانه المأخوذ فيه قصد شخص الأمر فهو خلف من وجه آخر ، لأنّ معناه جعل الاحتياط عبادة ، لا جعل الاحتياط في العبادة ، والكلام في الثاني دون الأوّل». نهاية الدراية ٢ : ٥١٨ ـ ٥٢٢.

(١) أي : توقّف الأمر بالاحتياط على ثبوت الاحتياط.

(٢) أي : بما مرّ في المناقشة على الجواب الأوّل.

(٣) وهذا هو الجواب الثاني من الأجوبة الّتي ذكروها للجواب عن الإشكال المتقدّم. وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط يكشف ـ بنحو الإنّ ـ عن تعلّق الأمر به ، لأنّ ثبوت الثواب معلول ثبوت الأمر ، فيحرز به تعلّق الأمر الشرعيّ بالاحتياط.

وناقش فيه المصنّف قدس‌سره أيضا بالوجهين السابقين :

أحدهما : ما أشار إليه بقوله : «ضرورة أنّه فرع إمكانه ...». وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط فرع إمكان الاحتياط ، وقد مرّ عدم إمكانه لمحذور الدور ، فلا يمكن استكشاف تعلّق الأمر بالاحتياط من ترتّب الثواب عليه.

ثانيهما : ما أشار إليه بقوله الآتي : «ولا ترتّب الثواب عليه بكاشف بنحو الإنّ ...».

وحاصله : أنّ ترتّب الثواب على الاحتياط لا يستلزم الأمر المولويّ به ، فإنّ حال الاحتياط في ترتّب الثواب عليه حال الإطاعة فيه ، فكما أنّ الطاعة الحقيقيّة حسنة عقلا ويترتّب عليها الثواب بمجرّد كونها في نفسها انقيادا من دون تعلّق الأمر المولويّ به فكذلك الاحتياط ، فلا يكشف تعلّق الأمر الشرعيّ من ترتّب الثواب عليه.

ولا يخفى : أنّ ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ إيرادا على الوجهين جار في المقام أيضا.