درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۶۵: برائت ۱۴

 

فيها (١) ، وهو كما ترى.

[الجواب الصحيح عن الإشكال المذكور]

قلت : لا يخفى أنّ منشأ الإشكال هو تخيّل كون القربة المعتبرة في العبادة مثل سائر الشروط المعتبرة فيها ممّا يتعلّق بها الأمر المتعلّق بها ، فيشكل جريانه حينئذ ، لعدم التمكّن من جميع ما اعتبر فيها (٢) ، وقد عرفت (٣) أنّه فاسد (٤) ، وإنّما اعتبر قصد القربة فيها عقلا لأجل أنّ الغرض منها لا يكاد يحصل بدونه ، وعليه كان جريان الاحتياط فيه بمكان من الإمكان ، ضرورة التمكّن من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه وكماله ؛ غاية الأمر أنّه لا بدّ أن يؤتى به على نحو لو كان مأمورا به لكان مقرّبا ، بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر أو احتمال كونه محبوبا له تعالى ، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالا لأمره تعالى ، وعلى تقدير عدمه انقيادا لجنابه تبارك وتعالى ، ويستحقّ الثواب على كلّ حال إمّا على الطاعة أو

__________________

(١) أي : والتزام بعدم جريان الاحتياط في العبادة.

(٢) وفي بعض النسخ : «لعدم التمكّن من قصد القربة المعتبر فيها».

(٣) راجع الجزء الأوّل : ١٣٩ ـ ١٤٠.

(٤) هذا. مع أنّه لو اغمض عن فساده لما كان في الاحتياط في العبادات إشكال غير الإشكال فيها. فكما يلتزم في دفعه بتعدّد الأمر فيها ليتعلّق أحدهما بنفس الفعل والآخر بإتيانه بداعي أمره كذلك فيما احتمل وجوبه منها كان على هذا احتمال أمرين كذلك ، أي أحدهما كان متعلّقا بنفسه والآخر بإتيانه بداعي ذاك الأمر ، فيتمكّن من الاحتياط فيها بإتيان ما احتمل وجوبه بداعي رجاء أمره واحتماله ، فيقع عبادة وإطاعة لو كان واجبا ، وانقيادا لو لم يكن كذلك. نعم ، كان بين الاحتياط هاهنا وفي التوصّليّات فرق ، وهو أنّ المأتيّ به فيها قطعا كان موافقا لما احتمل وجوبه مطلقا ، بخلافه هاهنا ، فإنّه لا يوافق إلّا على تقدير وجوبه واقعا ، لما عرفت من عدم كونه عبادة إلّا على هذا التقدير ، ولكنّه ليس بفارق ، لكونه عبادة على تقدير الحاجة إليه وكونه واجبا. ودعوى عدم كفاية الإتيان برجاء الأمر في صيرورته عبادة أصلا ولو على هذا التقدير مجازفة ، ضرورة استقلال العقل بكونه امتثالا لأمره على نحو العبادة لو كان ، وهو الحاكم في باب الإطاعة والعصيان ، فتأمّل جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].

الانقياد (١).

وقد انقدح بذلك أنّه لا حاجة في جريانه في العبادات إلى تعلّق أمر بها ، بل لو فرض تعلّقه بها لما كان من الاحتياط بشيء ، بل [كان] (٢) كسائر ما علم وجوبه أو استحبابه منها ، كما لا يخفى.

[حول الجواب عن الإشكال بقاعدة التسامح في أدلّة السنن]

فظهر أنّه لو قيل (٣) ب «دلالة أخبار (من بلغه ثواب) (٤) على استحباب

__________________

(١) والحاصل : أنّ الإشكال المذكور في المتن انّما يلزم بناء على أنّ عباديّة العبادة متوقّفة على الإتيان بها بقصد الأمر الجزميّ. وليس الأمر كذلك ، بل يكفي في عباديّة العمل مجرّد إتيانه بداع قربيّ إلهيّ ، فيكفي أن يؤتى بالعمل برجاء المطلوبيّة أو المحبوبيّة مع احتمال تعلّق أمر المولى به. وحينئذ فإن كان المأتيّ به مأمورا به في الواقع صار المكلّف مطيعا ، وإن لم يكن مأمورا به صار منقادا.

وهذا الجواب تشبّث به كثير من المتأخّرين ، فراجع فرائد الاصول ٣ : ٤٠ ـ ٤١ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٧٤ ، أنوار الهداية ٢ : ١٢٥ ، مصباح الاصول ٢ : ٣١٦.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) كما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٢ : ١٥٢ ـ ١٥٣.

(٤) وهي أخبار كثيرة يستدلّ بها على قاعدة التسامح في أدلّة السنن :

منها : صحيحة هشام بن سالم الآتية في المتن آنفا.

ومنها : ما روي عن صفوان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، أنّه قال : «من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله». وسائل الشيعة ١ : ٥٩ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ١.

ومنها : خبر محمّد بن مروان عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «من بلغه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان له ذلك الثواب ، وإن كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله». وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٤.

ومنها : خبره الآخر ، قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : «من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب اوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه». المصدر السابق ، الحديث ٧.

ومنها : خبر آخر عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «من سمع شيئا من الثواب ـ

العمل الّذي بلغ عليه الثواب ولو بخبر ضعيف» لما كان يجدي في جريانه (١) في خصوص ما دلّ على وجوبه أو استحبابه خبر ضعيف ، بل كان ـ عليه ـ مستحبّا (٢) ، كسائر ما دلّ الدليل على استحبابه (٣).

__________________

ـ على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه». وسائل الشيعة ١ : ٦٠ ، الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٦.

وهذه الأخبار هي المدرك لقاعدة التسامح في أدلّة السنن الّتي مفادها إثبات الاستحباب بالخبر الضعيف. وسيأتي مزيد توضيح آنفا.

(١) أي : في جريان الاحتياط في العبادة.

(٢) أي : بل كان العمل ـ على القول بدلالة تلك الأخبار على استحبابه ـ مستحبّا.

(٣) غرض المصنّف قدس‌سره من العبارة هو الإشارة إلى ضعف جواب آخر عن إشكال الاحتياط في العبادة.

توضيح الجواب : أنّ الشيخ الأعظم الأنصاريّ ـ بعد ما أجاب عن إشكال الاحتياط في العبادة بما مرّ ـ تعرّض لجواب آخر ، وهو : أنّ مدار إشكال الاحتياط في العبادة هو عدم إحراز تعلّق الأمر بالعمل ، فإنّ الاحتياط في العبادة عبارة عن إتيان العمل العباديّ بجميع ما له دخل فيه ، حتّى قصد الأمر ؛ فإذا دار الأمر بين كون عمل واجبا وكونه غير مستحبّ شكّ في تعلّق الأمر به وعدمه ، وما لم يحرز تعلّق الأمر به لا يتمشّى منه قصد القربة ، وما لم يتمشّ قصد القربة لم يتحقّق الاحتياط في العبادة. هذا. ويمكن دفع الإشكال باستكشاف تعلّق الأمر به من أخبار «من بلغ» ، فإنّها تدلّ على ثبوت الثواب في كلّ عمل يأتي به المكلّف بداعى التماس الثواب ، وثبوت الثواب لعمل دليل على استحبابه ، فهذه الأخبار تكشف عن تعلّق الأمر الاستحبابيّ بالعمل الّذي كان أمره دائرا بين الوجوب وغير الاستحباب ، فإنّ المكلّف يأتي به بداعى التماس الثواب. فيمكن له أن يتقرّب به بقصد امتثال أمره.

ثمّ ناقش الشيخ في هذا الجواب بأن ثبوت الثواب غير ملازم للاستحباب ولا بكاشف عن تعلّق الأمر بالشيء ، لاحتمال كون الثواب على الانقياد. راجع فرائد الاصول ٢ : ١٥٣ ـ ١٥٤.

وأمّا المصنّف قدس‌سره فناقش في الجواب بوجه آخر ، حاصله : أنّه لو سلّم دلالة أخبار «من بلغ» على استحباب كلّ فعل يأتي به المكلّف بداعى التماس الثواب ، لم يكن الإتيان بالفعل الدائر بين الوجوب وغير الاستحباب بداعي أمره المستفاد من أخبار «من بلغ» من الاحتياط ، بل حينئذ يثبت الأمر الاستحبابيّ لهذا العمل حقيقة ، ويكون إتيانه مستحبّا واقعا ، فلا مساس له حينئذ بالاحتياط المتقوّم باحتمال الأمر.

وبالجملة : فلا يجدي الأمر الاستحبابيّ المستفاد من أخبار «من بلغ» في إمكان الاحتياط في العبادة.

لا يقال : هذا لو قيل بدلالتها على استحباب نفس العمل الّذي بلغ عليه الثواب بعنوانه (١) ، وأمّا لو دلّ (٢) على استحبابه لا بهذا العنوان ، بل بعنوان أنّه محتمل الثواب (٣) ، لكانت دالّة على استحباب الإتيان به بعنوان الاحتياط ، كأوامر الاحتياط لو قيل بأنّها للطلب المولويّ لا الإرشاديّ.

فإنّه يقال : إنّ الأمر بعنوان الاحتياط (٤) ولو كان مولويّا لكان توصّليّا (٥). مع أنّه لو كان عباديّا لما كان مصحّحا للاحتياط ومجديا في جريانه في العبادات ، كما أشرنا إليه آنفا(٦).

[مفاد أخبار من بلغ]

ثمّ أنّه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار (٧) على استحباب ما بلغ عليه الثواب ، فإنّ صحيحة هشام بن سالم المحكيّة عن المحاسن عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «من بلغه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له ، وإن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقله» (٨) ظاهرة في أنّ الأجر كان مترتّبا على نفس العمل الّذي

__________________

(١) أي : بعنوانه الأوّلي.

(٢) هكذا في جميع النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «لو دلّت».

(٣) بمعنى أنّها تدلّ على أنّ كلّ عمل متحمل الثواب مستحبّ.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يقول : «أنّ الأمر به بعنوان الاحتياط».

(٥) إذ لم يدل دليل على تعبّديّته ولا على توصّليّته ، والأصل حينئذ هو التوصّليّة. وإذا كان الأمر به ـ بعنوان الاحتياط ومحتمل الثواب ـ توصّليّا لم ينفع في تصحيح قصد القربة في العبادة المشكوكة.

(٦) حيث قال : «لما كان يجدي في جريانه ...». وحاصله : أنّه إذا دلّت أخبار «من بلغ» على استحباب محتمل الثواب صار العمل مستحبّا ، وحينئذ لا مجال للاحتياط المتقوّم باحتمال الأمر ، سواء صار نفس العمل مستحبّا بعنوانه الأوّلي أو صار مستحبّا بعنوان محتمل الثواب.

(٧) أي : أخبار «من بلغ».

(٨) المحاسن (للبرقيّ) ١ : ٢٥ ، الحديث ٢ ؛ وسائل الشيعة ١ : ٦٠ الباب ١٨ من أبواب مقدّمة العبادات ، الحديث ٣.