درس کفایة الاصول - جلد دوم

جلسه ۷۳: اشتغال ۴

 

بشيء (١) بعد الفراغ عن صحّة الإطلاق بدونه (٢) ، لا فيما شكّ في اعتباره في صحّته (٣) ، تأمّل لعلّك تعرف إن شاء الله تعالى.

الثالث : [تنجيز العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة]

أنّه قد عرفت أنّه مع فعليّة التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة (٤).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في التقييد به».

(٢) أي : بدون ذلك الشيء المشكوك.

(٣) نعم ، لو كان الإطلاق في مقام يقتضي بيان التقييد بالابتلاء لو لم يكن هناك ابتلاء مصحّح للتكليف كان الإطلاق وعدم بيان التقييد دالّا على فعليّته ووجود الابتلاء المصحّح لهما ، كما لا يخفى ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

ولا يخفى : أنّ العبارة غامضة ، والأولى أن يقول : «لا فيما إذا شكّ في وجود ما اعتبر في صحّة الإطلاق».

(٤) فتجب الموافقة القطعيّة برعاية الاحتياط كما تحرم المخالفة القطعيّة. بخلاف ما عن الشيخ الأعظم الأنصاريّ من التفصيل بين الموافقة القطعيّة فلا تجب وبين المخالفة القطعيّة فتحرم. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٥٧ و ٢٦٥ ، فوائد الاصول ٤ : ١١٩.

وفي المقام أقوال أخر لا بأس بالإشارة إليها :

منها : عدم وجوب الاحتياط مطلقا ، فلا تجب الموافقة القطعيّة ، بل تجوز المخالفة القطعيّة. ذهب إليه السيّد الإمام الخمينيّ في تهذيب الاصول ٢ : ٣٩٥ ، انوار الهداية ٢ : ٢٢٨.

ومنها : التفصيل بين الشبهات التحريميّة والشبهات الوجوبيّة ، بأنّ الحكم في الشبهة التحريميّة غير المحصورة هو جواز المخالفة القطعيّة وعدم وجوب الموافقة القطعيّة ، وهو في الشبهة الوجوبيّة لزوم الاحتياط في الجملة ووجوب الموافقة الاحتماليّة. وهذا مختار المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٤ : ١١٨ ـ ١١٩.

ومنها : عدم وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة. وهذا يظهر من المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٣٣١.

ومنها : التفصيل بين ما إذا تمكّن المكلّف من المخالفة القطعيّة دون الموافقة القطعيّة وبين ما إذا تمكّن من الموافقة القطعيّة دون المخالفة القطعيّة. فعلى الأوّل تحرم المخالفة القطعيّة وتجوز الموافقة القطعيّة. وعلى الثاني تجب الموافقة القطعيّة وإن لم تكن المخالفة القطعيّة حراما ، لعجز المكلّف عنها. وهذا مختار السيّد المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ٣٧٥ ـ ٣٧٦.

نعم ، ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعيّة باجتناب كلّها (١) أو ارتكابه (٢) أو ضرر فيها أو غيرهما (٣) ممّا لا يكون معه التكليف فعليّا بعثا أو زجرا فعلا (٤) ، وليس بموجبة (٥) لذلك في غيره. كما أنّ نفسها ربما تكون موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر. فلا بدّ من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال أنّه يكون ، أو لا يكون في هذا المورد ، أو يكون مع كثرة أطرافه (٦)؟ وملاحظة أنّه مع أيّة مرتبة من كثرتها؟ كما لا يخفى.

ولو شكّ في عروض الموجب (٧) ، فالمتّبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان ، وإلّا فالبراءة لأجل الشكّ في التكليف الفعليّ.

هذا هو حقّ القول في المقام. وما قيل في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف(٨).

__________________

(١) في الشبهة التحريميّة.

(٢) في الشبهة الوجوبيّة.

(٣) أي : غير العسر والضرر.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «فعلا» ، فإنّه مستدرك. والأولى منه أن يقول :

«ممّا لا يكون معه التكليف ـ بعثا أو زجرا ـ فعليّا».

(٥) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وليست بموجبة» أي : وليست كثرة الأطراف بموجبة لعسر الموافقة أو ضرر فيها أو غيرهما في غير ذلك المورد.

(٦) هكذا في النسخ. والأولى سوق العبارة هكذا. «فلا بدّ من ملاحظة أنّه هل يكون في هذا المورد ما يوجب رفع فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال أو لا يكون أو يكون مع كثرة أطرافه؟».

(٧) هكذا في النسخ. ولكن اللغة لا تساعد عليه. فالصحيح أن يقول : «في عرض الموجب».

وغرض المصنّف قدس‌سره بيان حكم الشكّ في التكليف الفعليّ من جهة الشكّ في طروء ما يوجب ارتفاع فعليّة التكليف. فهل هو إطلاق الدليل الدالّ على ثبوت التكليف فيحكم بلزوم الإتيان في الشبهات الوجوبيّة ولزوم الاجتناب في الشبهات التحريميّة ، أو هو إجراء أصالة البراءة؟ ذهب المصنّف قدس‌سره إلى لزوم اتّباع إطلاق الدليل لو كان ، وإلّا فيكون المرجع هو البراءة.

(٨) لا بأس بالإشارة إلى بعض ما قيل في تعريف غير المحصور ، وهو ما يلي :

الأوّل : أنّ غير المحصور هو ما يعسر عدّها. مدارك الأحكام ٣ : ٣٥٣.

الثاني : أنّ غير المحصور ما كانت كثرة الاحتمال بحدّ يكون احتمال التكليف في كلّ ـ

الرابع (١) : [حكم ملاقي بعض أطراف المعلوم بالإجمال]

أنّه إنّما يجب عقلا رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف ممّا يتوقّف على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين (٢) في البين دون غيرها (٣) ، وإن كان حاله حال بعضها في كونه محكوما بحكمه (٤) واقعا.

ومنه ينقدح الحال في مسألة ملاقاة شيء مع أحد أطراف النجس المعلوم بالإجمال :

وأنّه تارة يجب الاجتناب عن الملاقى دون ملاقيه فيما كانت الملاقاة بعد العلم إجمالا بالنجس بينها ، فإنّه إذا اجتنب عنه وطرفه اجتنب عن النجس في

__________________

ـ واحد من الأطراف موهوما لا يعتني به العقلاء ، بل يرون الاعتناء به نوعا من الوسوسة. فرائد الاصول ٢ : ٤٣٣ و ٤٣٨.

الثالث : أنّ غير المحصور ما تعسر موافقتها القطعيّة. حاشية كفاية الاصول (للبروجرديّ) ٢ : ٢٨٧ ـ ٢٨٩.

الرابع : أنّ غير المحصور ما كانت كثرة الأطراف بحدّ يستلزم عدم تمكّن المكلّف عادة من المخالفة القطعيّة بارتكاب جميع الأطراف وإن كان كلّ طرف في نفسه مقدورا عادة.

أجود التقريرات ٣ : ٤٧١ و ٤٧٢ ، فوائد الاصول ٤ : ١١٧.

الخامس : أنّ الميزان هو الصدق العرفيّ. روض الجنان : ٢٢٤.

السادس : أنّ الميزان أن تكون الكثرة بمثابة لا يعتني العقلاء باحتمال كون الواقع في بعض الأطراف في مقابل البقيّة ، لضعف الاحتمال الحاصل لأجل الكثرة. أنوار الهداية ٢ : ٢٣١.

وذكر المحقّق الخوئيّ أكثر هذه الوجوه ثمّ ناقش فيها جميعا وقال : «لم يظهر لنا معنى محصّل مضبوط للشبهة غير المحصورة». مصباح الاصول ٢ : ٣٧٥.

(١) هذا هو الصحيح. بخلاف ما في بعض النسخ من قوله : «الثالث».

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «المعلوم» ، إلّا أن تكون كلمة «أو» في قوله : «أو ترك الحرام» بمعنى الواو.

(٣) أي : غير الأطراف الّتي يتوقّف حصول العلم بإتيان الواجب أو ترك الحرام على ارتكابها أو اجتنابها.

(٤) وفي بعض النسخ : «محكوما بحكم». والصحيح ما أثبتناه.

البين قطعا ولو لم يجتنب عمّا يلاقيه ، فإنّه على تقدير نجاسته لنجاسته كان فردا آخر من النجس قد شكّ في وجوده ، كشيء آخر شكّ في نجاسته بسبب آخر (١).

ومنه ظهر : أنّه لا مجال لتوهّم أنّ قضيّة تنجّز الاجتناب عن المعلوم هي الاجتناب عنه أيضا ، ضرورة أنّ العلم به إنّما يوجب تنجّز الاجتناب عنه ، لا تنجّز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه ، وإن احتمل (٢).

واخرى يجب الاجتناب عمّا لاقاه دونه (٣) فيما لو علم إجمالا بنجاسته (٤) أو

__________________

(١) والحاصل : أنّه إذا علم إجمالا بنجاسة أحد المائعين المفروض أحدهما في ظرف أبيض والآخر في ظرف أحمر ، ثمّ علم بملاقاة ثوب لما في الأبيض ـ مثلا ـ. فحينئذ وجب الاجتناب عن الملاقى (ما في الأبيض) دون الملاقي (الثوب) ، لأنّ الملاقي (الثوب) على تقدير نجاسته بسبب نجاسة الملاقى (المائع) يكون فردا آخر من أفراد النجس قد شكّ في نجاسته ، كما يشكّ في نجاسة فرد آخر بسبب آخر غير الملاقاة ، فكما لا يجب الاجتناب عن الفرد المشكوك النجاسة بسبب آخر كذلك لا يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب). وأمّا وجوب الاجتناب عن الملاقى فلأنّ المفروض فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال بالنسبة إليه.

(٢) والحاصل : أنّ هاهنا وهم ودفع :

محصّل الوهم : أنّه كما يجب الاجتناب عن الملاقى يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب). والوجه في ذلك أنّ الملاقي من شئون الملاقى ، فيكون الاجتناب عن الملاقي من شئون الاجتناب عن الملاقى ، وحينئذ يكون تنجّز الاجتناب عن الملاقى مقتضيا لتنجّز الاجتناب عن الملاقي.

ومحصّل الدفع : أنّ الموجب لتنجّز الاجتناب هو العلم التفصيليّ أو الإجماليّ بنجاسة الشيء. ولا شكّ في أنّ العلم الإجماليّ انّما يتعلّق بنجاسة أحد ما في الأبيض أو الأحمر. والملاقي لأحدهما فرد من النجس إذا كان الملاقى نجسا واقعا ، وليس بفرد له إذا كان الملاقى طاهرا واقعا. وبما أنّ الملاقاة بعد العلم الإجماليّ بأنّ النجس بينهما فلا يشمل العلم الإجماليّ هذا الفرد الّذي حدوثه غير معلوم ، بل لا يكون في البين إلّا مجرّد الاحتمال. وحينئذ فالعلم إجمالا بنجاسة أحد المائعين واقعا انّما يوجب تنجّز الاجتناب عن المعلوم ـ وهو المائعان ـ ، لا تنجّز الاجتناب عن فرد آخر لم يعلم حدوثه ـ وهو الملاقى ـ.

(٣) أي : يجب الاجتناب عن الملاقي (الثوب) دون الملاقى (المائع المردّد).

(٤) أي : نجاسة ما لاقاه (الملاقي).