درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۴: اصل برائت ۱۴

 

قلت : قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته وإن كانت ذلك (١) ـ على ما قوّينا في البحث (٢) ـ ، إلّا أنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف ، يكون عقلا بحكم الانحلال وصرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، والعذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف ؛ مثلا : إذا علم إجمالا بحرمة إناء زيد بين الإنائين ، وقامت البيّنة على أنّ هذا إناؤه ، فلا ينبغي الشكّ في أنّه (٣) كما إذا علم أنّه إناؤه في عدم لزوم الاجتناب إلّا عن خصوصه دون الآخر. ولو لا ذلك لما كان يجدي القول بأنّ قضيّة اعتبار الأمارات هي كون المؤدّيات أحكاما شرعيّة فعليّة ، ضرورة أنّها تكون كذلك بسبب حادث ، وهو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة.

هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة في موارد الطرق المثبتة بمقدار

__________________

ـ إلى الواقع وكاشفا عنه ، فيترتّب عليها ما يترتّب على الطريق المعتبر من أنّها منجّزة للواقع فيما إذا أصابته ومعذّرة للمكلّف في مخالفته فيما إذا أخطأته.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى الثاني.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فيقال ـ إيرادا على المصنّف قدس‌سره ـ : أنّ الظاهر من كلامه أنّه ادّعى الانحلال الحقيقيّ في المقام ، بمعنى أنّ التتبّع في موارد الطرق والاصول يوجب العلم الإجماليّ بوجود تكاليف واقعيّة فعليّة تؤدّيها الأمارات والاصول ، وهي بمقدار يحتمل انطباقها على الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير ، فينحلّ العلم الإجماليّ الكبير بالعلم الإجماليّ الصغير ، بل يكشف بالعلم الإجماليّ الصغير عدم تعلّق العلم الإجماليّ الكبير بالتكاليف الواقعيّة من أوّل الأمر. وأنت خبير بأنّ دعوى هذا الانحلال إنّما يصحّ على القول بحجّيّة الأمارات على نحو السببيّة ، حيث أنّ مؤدّاها حينئذ تكاليف حقيقيّة فعليّة ، فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة بالعلم الإجماليّ الكبير على تلك المؤدّيات. وأمّا على القول بحجّيّتها على نحو الطريقيّة وأنّ المجعول هو المنجّزيّة والمعذّريّة ـ كما عليه المصنّف قدس‌سره ـ فلا يتمّ ما ذكر ، لعدم كون مؤدّاها تكاليف حقيقيّة فعليّة كي يدّعى احتمال انطباق الأحكام الواقعيّة المعلومة ثبوتها بالعلم الإجماليّ الكبير عليها.

(١) وفي بعض النسخ : «وإن كان ذلك». والصحيح ما أثبتناه. والمشار إليه بقوله : «ذلك» هو ترتيب التنجّز والتعذير.

(٢) من حجّيّة الأمارات على نحو الطريقيّة.

(٣) أي : قيام البيّنة

المعلوم بالإجمال ، وإلّا فالانحلال إلى العلم بما في الموارد وانحصار أطرافه بموارد تلك الطرق بلا إشكال ، كما لا يخفى (١).

__________________

(١) حاصل الجواب : دعوى الانحلال الحكميّ بعد تسليم عدم تحقّق الانحلال الحقيقيّ. وتوضيحه موقوف على تقديم مقدّمة :

وهي : أنّه يمكن انحلال العلم الإجماليّ بأحد الوجهين :

الأوّل : الانحلال الحقيقيّ. وهذا على قسمين : (أحدهما) : أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة العلم التفصيليّ بالمعلوم بالإجمال ، كما إذا علم إجمالا بوقوع قطرة دم في أحد هذين الإنائين ، ثمّ علم تفصيلا بأنّ قطرة الدم وقعت في الإناء الأبيض مثلا. (ثانيهما) : أن ينحلّ العلم الإجماليّ بواسطة انكشاف عدم تعلّق العلم الإجماليّ بالتكليف الفعليّ من أوّل الأمر ، كما إذا تعلّق العلم الإجماليّ بوقوع قطرة بول في الإناء الأسود أو الإناء الأبيض ، ثمّ علم أنّ الإناء الأسود خارج عن مورد الابتلاء ، وهذا يكشف عن عدم تعلّق التكليف بالإناء الأسود من أوّل الأمر ، فيزول العلم الإجماليّ.

الثاني : الانحلال الحكميّ. وهو ارتفاع أثر العلم الإجماليّ ـ من التنجيز ووجوب الاحتياط ـ وإن كان العلم الإجماليّ باقيا على حاله.

إذا عرفت هذه المقدّمة ، فاعلم أنّ المصنّف قدس‌سره أجاب عن دليل العقل بدعوى تحقّق الانحلال بأحد الوجهين.

فأشار إلى تحقّق القسم الأوّل من الانحلال الحقيقيّ بقوله : «هذا إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعيّة ...».

وأشار إلى تحقّق القسم الثاني من الانحلال الحقيقيّ بقوله : «وقد انحلّ هاهنا ، فإنّه كما علم بوجود تكاليف إجمالا كذلك». ومرّ توضيحه في التعليقة (٣) من الصفحة : ٥١.

والتزم بالانحلال الحكميّ بعد تسليم عدم انحلال الحقيقيّ ، فقال : «قضيّة الاعتبار شرعا على اختلاف ألسنة أدلّته ... وهو كونها مؤدّيات الأمارات الشرعيّة». وحاصله : أنّه لو سلّم عدم تحقّق الانحلال الحقيقيّ ، لبقاء العلم الإجماليّ بعد قيام الأمارة أيضا على حاله ، ولكن ندّعي تحقّق الانحلال الحكميّ ، بمعنى أنّ قيام الأمارة غير العلميّة على وجود التكليف في بعض الأطراف يستلزم انصراف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى خصوص الأطراف الّتي قامت الأمارة على وجود التكليف فيها ، ضرورة أنّ مقتضى طريقيّة الأمارات هو ترتيب ما للعلم ـ من التنجيز والتعذير ـ عليها ، فقيام الحجّة والأمارة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف يستلزم صرف التكليف المنجّز بالعلم الإجماليّ إلى ما إذا كان التكليف الواقعيّ في ذلك الطرف والعذر عمّا إذا كان في الطرف الآخر ، فتجري ـ