درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۲۵: اصل تخییر ۲

 

والالتزام التفصيليّ بأحدهما لو لم يكن تشريعا محرّما لما نهض على وجوبه دليل قطعا(١).

[الفرق بين المقام وبين الخبرين المتعارضين]

وقياسه بتعارض الخبرين الدالّ أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب باطل ، فإنّ التخيير بينهما على تقدير كون الأخبار حجّة من باب السببيّة يكون على القاعدة ومن جهة التخيير بين الواجبين المتزاحمين (٢) ، وعلى تقدير أنّها (٣)

__________________

ـ تجب موافقتها عملا ، والحكم بإباحة كلّ من الترك والفعل ظاهرا ينافي الالتزام القلبىّ بما هو معلوم عند المكلّف من الحكم الواقعيّ الدائر بين الوجوب والحرمة ، فلا تجري أصالة الحلّ في المقام.

وتوضيح الدفع : أنّه قد عرفت في الأمر الخامس من مباحث القطع عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة ، ضرورة عدم دليل عقليّ ولا نقليّ على لزوم الإطاعة الاعتقاديّة. مضافا إلى أنّه لا منافاة بين وجوب الموافقة الالتزاميّة وبين جريان أصالة الحلّ ، لإمكان الالتزام القلبيّ الإجماليّ بالحكم الواقعيّ على ما هو عليه وإن لم يعلم بشخصه فعلا.

(١) هذا جواب عن إشكال مقدّر :

توضيح الإشكال : أنّ متعلّق وجوب الموافقة الالتزاميّة نفس متعلّق وجوب الموافقة العمليّة ، ومعلوم أنّ متعلّق وجوب الموافقة العمليّة ليس إلّا الحكم بعنوانه الخاصّ من الإيجاب أو التحريم ، فمتعلّق وجوب الموافقة الالتزاميّة ليس إلّا ذلك ، لا الحكم الواقعيّ على ما هو عليه. غاية الأمر أنّه تصل النوبة إلى الموافقة الاحتماليّة بعد تعذّر الموافقة الالتزاميّة القطعيّة ، كما هو كذلك مع تعذّر الموافقة العمليّة القطعيّة ، والموافقة الالتزاميّة الاحتماليّة انّما تحصل بالالتزام التفصيليّ بخصوص الوجوب أو الحرمة ، لا الالتزام الإجماليّ بالواقع على ما هو عليه.

وتوضيح الجواب : أنّ الالتزام التفصيليّ بأحدهما المعيّن مع فرض عدم العلم به تشريع محرّم. مضافا إلى أنّه لو سلّم عدم كونه تشريعا لم يقم دليل على وجوب هذا الالتزام التفصيليّ.

(٢) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «من جهة التخيير بين الطلبين المتزاحمين» ، أو يقول : «من قبيل التخيير بين الواجبين المتزاحمين».

(٣) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وعلى تقدير كونها حجّة ...» ، أو يقول : «على تقدير أنّه ...» كي يرجع الضمير إلى كون الأخبار حجّة.

من باب الطريقيّة ، فإنّه (١) وإن كان على خلاف القاعدة (٢) إلّا أنّ أحدهما تعيينا أو تخييرا ـ حيث كان واجدا لما هو المناط للطريقيّة من احتمال الإصابة مع اجتماع سائر الشرائط ـ جعل (٣) حجّة في هذه الصورة بأدلّة الترجيح تعيينا أو التخيير تخييرا (٤) ؛ وأين ذلك ممّا إذا لم يكن المطلوب إلّا الأخذ بخصوص ما صدر واقعا ، وهو (٥) حاصل ، والأخذ بخصوص أحدهما ربما لا يكون إليه بموصل.

نعم ، لو كان التخيير بين الخبرين لأجل إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة وإحداثهما الترديد بينهما ، لكان القياس في محلّه ، لدلالة الدليل على التخيير بينهما على التخيير هاهنا ، فتأمّل جيّدا (٦).

__________________

(١) أي : فإنّ التخيير. والأولى أن يقول : «فهو ...».

(٢) لأنّ القاعدة الأوّليّة في تعارض الطرق هو التساقط.

(٣) وفي بعض النسخ : «صار».

(٤) أي : صار أحدهما حجّة تعيينا في صورة وجود المرجّح له ، كموافقته للكتاب وغيرها ، وصار أحدهما حجّة تخييرا في صورة عدم وجود المرجّح لأحدهما.

(٥) أي : الأخذ بخصوص ما صدر واقعا.

(٦) غرض المصنّف قدس‌سره ردّ الاستدلال على القول الثالث ، وهو الحكم بالتخيير الشرعيّ في دوران الأمر بين المحذورين.

حاصل الاستدلال : أنّ ما يوجب الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين الدالّ أحدهما على الوجوب والآخر على الحرمة يوجب الحكم بالتخيير في دوران الأمر بالمحذورين.

وتوضيح الردّ عليه : أنّ في تقريب هذه المقايسة احتمالين :

الأوّل : أن يقال : إنّ المناط في الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو كون كلّ واحد منهما جامعا لشرائط الحجّيّة ، فيحتمل كون مؤدّى كلّ منهما مطابقا للواقع ، وبما كان المكلّف متعذّرا من مراعاة الواقع بالقطع فحكم الشارع بلزوم الأخذ بأحدهما تخييرا. وهذا المناط بعينه موجود في المقام بطريق أولى ، إذ المفروض هو العلم بوجود الإلزام الواقعيّ ، غاية الأمر يدور أمره بين الوجوب والحرمة ، ولمّا لم يتمكّن المكلّف من موافقة الواقع تفصيلا فحكم الشارع بالموافقة الاحتماليّة ولزوم الأخذ بأحدهما تخييرا ، لا بالإباحة الظاهريّة.

الثاني : أن يقال : إنّ الملاك في الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو إبدائهما احتمال الوجوب والحرمة وإحداثهما الترديد بينهما ، ولمّا كان المكلّف متعذّرا من رعاية ـ

[عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان]

ولا مجال هاهنا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فإنّه لا قصور فيه هاهنا ، وإنّما يكون عدم تنجّز التكليف لعدم التمكّن من الموافقة القطعيّة كمخالفتها (١) ، والموافقة الاحتماليّة حاصلة لا محالة ، كما لا يخفى (٢).

__________________

ـ كلا الاحتمالين حكم الشارع بالتخيير بينهما. وهذا الملاك بعينه موجود في المقام ، فيحكم بالتخيير بينهما والأخذ بأحدهما.

إذا عرفت هذا ، فاعلم : أنّ مقايسة المقام بالخبرين المتعارضين بالتقريب الأوّل باطل. وذلك لأنّ منشأ الحكم بالتخيير بين الخبرين المتعارضين هو حجّيّتهما أو حجّيّة أحدهما تعيينا أو تخييرا ، فإنّ الأخبار إمّا أن تكون حجّة من باب السببيّة أو تكون حجّة من باب الطريقيّة ، فعلى الأوّل يحدث في مؤدّى الخبر الدالّ على الوجوب مصلحة ملزمة وفي مؤدّى الآخر مفسدة ملزمة ، ولمّا كان المفروض كون كلّ منهما جامعا لشرائط الحجّيّة وكان العمل بكلّ منهما غير مقدور فيقع التزاحم بين الطلبين : طلب الفعل وطلب الترك. وحينئذ يحكم العقل بالتخيير. فيكون الحكم بالتخيير على القاعدة. وعلى الثاني فيكون الخبران واجدين لمناط الطريقيّة ـ وهو كون كلّ منهما كاشفا عن الواقع واحتمال إصابة مؤدّى كلّ منهما للواقع مع اجتماع سائر الشرائط ـ ، ولمّا لم يمكن الجمع بينهما في الحجّيّة الفعليّة فجعل الشارع أحدهما حجّة تخييرا مع التكافؤ ، وأحدهما تعيينا مع المزيّة.

وبالجملة : فالمناط في الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين كونهما حجّتين فعليّتين ـ على السببيّة ـ أو كونهما مقتضيا للحجّيّة ـ على الطريقيّة ـ. وهذا المناط لم يوجد في الاحتمالين المتعارضين ، ضرورة أنّه لم يدلّ دليل على مطلوبيّة كلا الاحتمالين ، ولا على اقتضائهما للمطلوبيّة ، بل يكون المطلوب هنا هو الأخذ بخصوص ما صدر واقعا ، والأخذ بالواقع بالمقدار الممكن ـ من الموافقة الاحتماليّة ـ حاصل إذا حكمنا بالإباحة الظاهريّة.

هذا كلّه بناء على الاحتمال الأوّل في تقريب المقايسة. وأمّا بناء على الاحتمال الثاني فكان القياس في محلّه ، لوجود مناط الحكم بالتخيير في المقام أيضا ، وهو واضح.

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كالمخالفة القطعيّة» أو يقول : «ولا المخالفة القطعيّة» ، أو يقول : «لعدم التمكّن من الموافقة والمخالفة القطعيّتين».

(٢) وقد مرّ بعض الكلام حول ما أفاده الأعلام في جريان القاعدة المذكورة. فراجع التعليقة (١) من الصفحة : ٨٢.

[تعميم محلّ النزاع]

ثمّ إنّ مورد هذه الوجوه وإن كان ما إذا لم يكن واحد من الوجوب والحرمة على التعيين تعبّديّا ، إذ لو كانا تعبّديّين أو كان أحدهما المعيّن كذلك لم يكن إشكال في عدم جواز طرحهما والرجوع إلى الاباحة ، لأنّها (١) مخالفة عمليّة قطعيّة ـ على ما أفاد شيخنا الأستاذ «قدس‌سره» (٢) ـ ، إلّا أنّ الحكم أيضا فيهما إذا كانا كذلك هو التخيير عقلا بين إتيانه على وجه قربيّ ـ بأن يؤتى به بداعي احتمال طلبه ـ وتركه كذلك ، لعدم الترجيح ، وقبحه بلا مرجّح.

فانقدح أنّه لا وجه لتخصيص المورد بالتوصّليّين بالنسبة إلى ما هو المهمّ في المقام ، وإن اختصّ بعض الوجوه (٣) ، كما لا يخفى.

[تقديم محتمل الأهميّة]

ولا يذهب عليك أنّ استقلال العقل بالتخيير إنّما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين. ومع احتماله لا يبعد دعوى استقلاله بتعيّنه (٤) ، كما هو الحال في دوران الأمر بين التخيير والتعيين في غير المقام (٥). ولكنّ الترجيح إنّما

__________________

(١) تعليل لقوله : «لم يكن إشكال». والضمير يرجع إلى الإباحة.

(٢) فرائد الاصول ٢ : ١٧٩.

(٣) وهو القول بالإباحة الظاهريّة.

(٤) أي : استقلال العقل بتعيّن محتمل الترجيح.

(٥) والحاصل : أنّ التخيير العقليّ في المقام مقيّد بما إذا لم يحتمل مزيّة أحدهما على الآخر ، فضلا عن العلم بها ، وإلّا فلا يبعد دعوى استقلال العقل بتعيّن محتمل الأهمّيّة ، فضلا عن معلومها.

وخالفه الأعلام الثلاثة ، بل السيّدان العلمان : الخمينيّ والخوئيّ.

فاختار الأعلام الثلاثة الحكم بالتخيير في المقام ، واختار السيّد الخوئيّ الحكم بالبراءة مطلقا ، واختار السيّد الإمام الخمينيّ جريان البراءة عن التعيينيّة إلّا فيما إذا كان أقوائيّة المحتمل بحيث يكون لازم الاحتياط عقلا أو شرعا ، كما لو دار الأمر بين كون المرأة زوجته الّتي حلف على وطئها وبين كونها أمّه ، فحينئذ يجب الاحتياط. راجع فوائد الاصول ٣ : ٤٥ ، ـ