درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۲۷: اصل اشتغال ۱

 

يكون لشدّة الطلب في أحدهما وزيادته على الطلب في الآخر بما لا يجوز الإخلال بها في صورة المزاحمة ، ووجب الترجيح بها. وكذا وجب ترجيح احتمال ذي المزيّة في صورة الدوران.

[بطلان ترجيح احتمال الحرمة]

ولا وجه لترجيح احتمال الحرمة مطلقا (١) ، لأجل (٢) أنّ دفع المفسدة أولى من ترك المصلحة ، ضرورة أنّه ربّ واجب يكون مقدّما على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام ، فكيف يقدّم على احتماله في صورة الدوران بين مثليهما؟! فافهم (٣).

__________________

ـ نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٥ ، نهاية الدراية ٢ : ٥٧١ ، مصباح الاصول ٢ : ٣٣٢ ـ ٣٣٣ ، أنوار الهداية ٢ : ١٨٠ ـ ١٨١.

(١) إشارة إلى القول الثاني من الأقوال في مسألة دوران الأمر بين المحذورين ، وهو وجوب الأخذ بأحدهما تعيينا بترجيح جانب الحرمة. فناقش فيه المصنّف قدس‌سره بأنّ غاية ما يمكن أن يقال في الاستدلال على ترجيح احتمال الحرمة هو أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

وهو مردود ، لأنّ ربّ واجب ـ كالصلاة ـ يكون مقدّما على الحرام في صورة المزاحمة.

(٢) تعليل لقوله : «لترجيح ...».

(٣) تتمّة :

قد مرّت الإشارة إلى أنّ ما أفاده المصنّف قدس‌سره في الكتاب يختصّ بما إذا دار الأمر بين المحذورين مع وحدة الواقعة ، سواء كان الدوران بينهما في التوصّليّات أو في التعبّديّات. وأمّا إذا دار الأمر بينهما مع تعدّد الواقعة فلم يتعرّض له المصنّف قدس‌سره في المقام. فينبغي التعرّض له تتميما للبحث ، فنقول :

إذا تعدّدت الواقعة في دوران الأمر بين المحذورين كما إذا علم إجمالا بتعلّق التكليف الإلزاميّ بصلاة الجمعة في كلّ جمعة ، ودار أمره بين الفعل والترك ، فهل يكون التخيير بدويّا ، فلا يجوز للمكلّف أن يختار في الواقعة الثانية غير ما اختاره في الواقعة الاولى ، أو يكون استمراريّا ، فيجوز له أن يختار في الواقعة الثانية غير ما اختاره في الواقعة الاولى؟ مثلا : في مثل صلاة الجمعة الّتي دار أمرها بين الوجوب والحرمة هل يجوز للمكلّف أن يختار في الجمعة الاولى إتيان صلاة الجمعة ويختار في الجمعة الثانية تركها ، فيكون التخيير ـ

__________________

ـ استمراريّا ، أو لا يجوز له ذلك ، بل يجب عليه الإتيان بها في الثانية والثالثة وهكذا ، كما يجب عليه تركها في الجمعات الآتية فيما إذا اختار تركها في الجمعة الاولى ، فيكون التخيير بدويّا؟

الظاهر من كلام المصنّف في حاشية الرسائل هو كونه استمراريّا. وذهب إليه أيضا المحقّقون : العراقيّ والنائينيّ والإمام الخمينيّ. راجع درر الفوائد : ٢٣٥ ، نهاية الأفكار ٣ : ٢٩٦ ، فوائد الاصول ٣ : ٤٥٣ ـ ٤٥٥ ، أنوار الهداية ٢ : ١٨١.

وذهب السيّد الخوئيّ إلى أنّ التخيير هاهنا بدويّ ، لتنجّز العلم الإجماليّ من حيث المخالفة القطعيّة. مصباح الاصول ٢ : ٣٤٣ ـ ٣٤٤.

فصل

[في أصالة الاشتغال]

لو شكّ في المكلّف به مع العلم بالتكليف من الإيجاب أو التحريم (١) فتارة

__________________

(١) لا يخفى : أنّ العلم بالتكليف والإلزام قد يكون علما تفصيليّا وقد يكون علما إجماليّا. وعلى الثاني قد يكون علما بنوع التكليف والإلزام وقد يكون علما بجنسه. وعلى الثاني قد يكون متعلّقا بفعل واحد وقد يكون متعلّقا بفعلين متعدّدين.

وأمّا العلم التفصيليّ بالتكليف فواضح.

وأمّا العلم الإجماليّ بنوع التكليف : فكما إذا علم بالوجوب وتردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة تماما أو الصلاة قصرا ، أو علم بالحرمة وتردّد بين أن يكون متعلّقها هذا المائع أو ذاك المائع ، أو علم بالوجوب وتردّد بين أن يكون متعلّقه الصلاة مع السورة أو الصلاة من دون السورة.

وأمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعل واحد : فكما إذا احرز صدور خطاب إلزاميّ من المولى ودار بين كونه وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وبين كونه حرمة الدعاء حينئذ.

وأمّا العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بفعلين : فكما إذا علم بصدور خطاب إلزاميّ من المولى ودار أمره بين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وحرمة شرب التتن.

فالأقسام أربعة :

١ ـ العلم التفصيليّ.

٢ ـ العلم الإجماليّ بنوع التكليف.

٣ ـ العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمر واحد.

٤ ـ العلم الإجماليّ بجنس التكليف المتعلّق بأمرين أو امور.

ولا شكّ في خروج القسم الأوّل والثالث من محلّ البحث.

أمّا القسم الأوّل ، فواضح. وأمّا القسم الثالث فلأنّه من الشكّ في التكليف ويرجع فيه إلى البراءة.

لتردّده بين المتباينين (١) ، واخرى بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين (٢) ، فيقع الكلام في مقامين:

__________________

ـ ولا شكّ أيضا في دخول القسم الثاني في محلّ النزاع.

وإنّما الكلام في القسم الرابع. فهل يعدّ من الشكّ في التكليف كي يخرج من محلّ النزاع ، أو يعدّ من الشكّ في المكلّف به كي يدخل في محلّ النزاع؟

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى أنّ العلم بالجنس من الشكّ في التكليف ، لا المكلّف به ، فإنّه قال : «الموضع الثاني في الشكّ في المكلّف به مع العلم بنوع التكليف ، بأن يعلم الحرمة أو الوجوب ويشتبه الحرام أو الواجب». فرائد الاصول ٢ : ١٩٥.

وظاهر قول المصنّف قدس‌سره في المقام : «من الإيجاب أو التحريم» أيضا أنّ العلم بالجنس من الشكّ في التكليف ، فإنّ كلامه هذا بيان عن قوله : «مع العلم بالتكليف». ولكن سيصرّح بعد أسطر بدخول العلم بجنس التكليف في الشكّ في المكلّف به إذا كان متعلّقا بأمرين ، كما صرّح بذلك أيضا في درر الفوائد : ٢٣١.

(١) لا يخفى عليك : أنّ في التعبير عن هذا القسم ب «المتباينين» مسامحة ظاهرة ، لعدم اختصاص هذا القسم بما إذا كان الترديد ذا طرفين فقط ، بل يعمّ ما إذا كان الترديد ذا أطراف ، كما إذا علم بوجوب صلاة عليه ، وتردّد بين كونها صلاة الآيات أو صلاة الميّت أو صلاة القضاء. وعليه فكان الأولى أن يعبّر عن هذا القسم هكذا : «فتارة لتردّد المكلّف به بين المتباينين أو أكثر» أو : «فتارة لتردّد المكلّف به بين امور متبايية».

(٢) سواء كان الترديد ذا طرفين ، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر وتردّد بين كون الصلاة المكلّف بها هي الصلاة مع السورة أو هي من دون السورة ، أو كان الترديد ذا أطراف ، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر وشكّ في أنّها هل هي الصلاة مع السورة والقنوت أو الصلاة مع السورة دون القنوت أو الصلاة مع القنوت دون السورة أو الصلاة من دونهما. هذا في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.

وأمّا الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان ـ سواء كان ذا طرفين أو ذا أطراف ـ : فهو يرجع إلى الشكّ في التكليف بالنسبة إلى الأكثر ، إذ يعلم من أوّل الأمر بتعلّق التكليف بالأقلّ ويشكّ في تعلّقه بالزائد عليه ، فتجري البراءة.

ولا يخفى : أنّ الضابط في تشخيص كون أطراف الترديد هو التباين أو الأقلّ والأكثر الارتباطيّان أو الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان ما يلي :

فإن كان في أطراف الترديد ما يكون الإتيان به موجبا للعلم بحصول الامتثال وسقوط التكليف بالنسبة إلى الأطراف الأخر فيكون من الأقلّ والأكثر. وحينئذ لا يخلو : إمّا أن يكون الإتيان بسائر الأطراف أيضا موجبا للعلم بحصول الامتثال وسقوط التكليف بالنسبة إلى

المقام الأوّل

في دوران الأمر بين المتباينين (١)

[منجّزيّة العلم الإجماليّ]

لا يخفى : أنّ التكليف المعلوم بينهما مطلقا ـ ولو كانا فعل أمر وترك

__________________

ـ خصوص تلك الأطراف ، كما كان الإتيان بالأكثر موجبا للعلم بسقوط التكليف بالنسبة إلى جميع الأطراف ، وهذا هو الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان ، ومثاله : ما إذا علم بأنّه مديون ، وتردّد بين كون ما عليه عشرة أو تسعة ، فإنّ إعطاء العشرة يوجب العلم بسقوط الدين بالنسبة إلى عشرة وتسعة ، وإعطاء التسعة أيضا يوجب العلم بسقوط الدين بالنسبة إلى خصوص التسعة.

وإمّا أن لا يكون الإتيان بسائر الأطراف غير الطرف الخاصّ ـ وهو الأكثر ـ موجبا للعلم بسقوط التكليف بالنسبة إلى خصوص تلك الأطراف ، لاحتمال مطلوبيّتها منضمّا إلى غيرها ، فحينئذ يكون الترديد بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين ، كما إذا علم بوجوب صلاة الظهر وتردّد بين أن يكون المكلّف به هو الصلاة مع السورة والقنوت أو هو الصلاة من دونهما أو هو الصلاة مع أحدهما ، فإنّ الإتيان بالأكثر ـ أي الصلاة مع السورة والقنوت ـ يوجب العلم بفراغ الذمّة بالنسبة إلى الصلاة من دونهما.

وأمّا الإتيان بسائر الأطراف ـ أي الصلاة مع السورة فقط أو مع القنوت فقط أو من دونهما ـ فلا يوجب حصول العلم بالفراغ أصلا ، لا بالنسبة إلى خصوص تلك الأطراف ولا بالنسبة إلى الطرف الخاصّ ـ أي الأكثر ـ.

وإن لم يكن في أطراف الترديد ما يكون الإتيان به موجبا للعلم بحصول الامتثال وسقوط التكليف بالنسبة إلى الأطراف الأخر ، فيكون من دوران الأمر بين امور متبايية ، سواء كان التباين ذاتيّا كدوران المكلّف به بين موضوعات مستقلّة كالصوم والصدقة والصلاة ، أو كان عرضيّا كما إذا كان المكلّف به موضوعا واحدا ذا أطراف متبايية ، بأن تكون النسبة بين تلك الأطراف نسبة بشرط شيء وبشرط لا ، كما إذا علم إجمالا بوجوب الصلاة وتردّد بين كونها قصرا أو تماما.

والحاصل : أنّه إذا دار الأمر بين الماهيّتين أو الماهيّات أو بين الماهيّة بشرط شيء وبين تلك الماهيّة لا بشرط فيكون من دوران الأمر بين المتباينين. وإذا دار الأمر بين الماهيّة بشرط شيء وبين تلك الماهيّة لا بشرط فيكون من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.

(١) يظهر ممّا ذكرنا في التعليقة السابقة أنّه كان الاولى ـ بل الصحيح ـ أن يقول : «دوران المكلّف به بين امور متباينة».

آخر (١) ـ إن كان فعليّا من جميع الجهات ـ بأن يكون واجدا لما هو العلّة التامّة للبعث أو الزجر الفعليّ مع ما هو [عليه] (٢) من الإجمال والتردّد والاحتمال ـ فلا محيص عن تنجّزه وصحّة العقوبة على مخالفته ؛ وحينئذ لا محالة (٣) يكون ما دلّ بعمومه على الرفع (٤) أو الوضع (٥) أو السعة (٦) أو الإباحة (٧) ممّا يعمّ أطراف العلم (٨) مخصّصا عقلا ، لأجل مناقضتها معه (٩). وإن لم يكن فعليّا كذلك ـ ولو كان بحيث لو علم تفصيلا لوجب امتثاله وصحّ العقاب على مخالفته ـ لم يكن هناك مانع عقلا ولا شرعا عن شمول أدلّة البراءة الشرعيّة للأطراف.

ومن هنا انقدح : أنّه لا فرق بين العلم التفصيليّ والإجماليّ ، إلّا أنّه لا مجال للحكم الظاهريّ مع التفصيليّ ، فإذا كان الحكم الواقعيّ فعليّا من سائر الجهات لا محالة يصير فعليّا معه (١٠) من جميع الجهات ، وله (١١) مجال مع الإجماليّ ،

__________________

(١) أي : ولو كان المتباينان ـ وهما طرفا الترديد ـ فعل أمر وترك أمر آخر ، فعلمنا إجمالا بتكليف إلزاميّ تعلّق إمّا بفعل هذا الأمر وإمّا بترك ذاك الأمر.

ولعلّ غرضه تعميم محلّ البحث للعلم بجنس التكليف ، وهو الإلزام الجامع بين الإيجاب والتحريم.

والأولى سوق العبارة هكذا : «إنّ التكليف المعلوم بين أطراف متباينة مطلقا ـ سواء كانت الأطراف فعل أحد الامور أو ترك أحد الامور أو فعل أمر وترك آخر ...».

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ.

(٣) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «فلا محالة».

(٤) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «رفع عن امّتي تسعة : الخطأ و ...». الخصال ٢ : ٤١٧ ، التوحيد : ٣٥٣.

(٥) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه و ...». المحاسن (للبرقي) ٢ : ٣٣٩.

(٦) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا». عوالي اللئالي ١ : ٤٢٤.

(٧) كقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا ...». وسائل الشيعة ٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ١.

(٨) أي : أطراف العلم الإجماليّ.

(٩) أي : لأجل مناقضة الرفع والوضع والسعة والإباحة مع التكليف الفعليّ.

(١٠) أي : مع العلم التفصيليّ.

(١١) أي : للحكم الظاهريّ.