درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۳۲: اصل اشتغال ۶

 

ومنه قد انقدح : أنّ الملاك في الابتلاء المصحّح لفعليّة الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلا ، هو ما إذا صحّ انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد مع اطّلاعه على ما هو عليه من الحال.

__________________

ـ الثاني : ما أشار إليه بقوله : «بل يكون من قبيل طلب الحاصل». وحاصله : أنّ الغرض من النهي ليس إلّا ترك المنهي عنه ، وهو في غير مورد الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء ، فطلب تركه بالنهي عنه طلب الحاصل ، وهو ممتنع ذاتا.

وقد مرّ أنّ المحقّق العراقيّ قد استدلّ على اعتبار الابتلاء بوجه آخر. فراجع التعليقة (١) من الصفحة السابقة.

ثمّ إنّه قد استدلّ على عدم اعتبار الابتلاء بامور :

الأوّل : ما استدلّ به المحقّق الاصفهانيّ ، وحاصله : أنّ حقيقة التكليف جعل ما يمكن أن يكون داعيا ويصلح لأن يكون باعثا ، بحيث لو انقاد العبد للمولى لانقدح الداعي في نفسه بدعوة البعث أو الزجر ، فيفعل أو يتحرّك بسبب جعل الداعي. وهذه الصفة محفوظة ، سواء كان للمكلّف داع إلى الفعل كما في التوصّلي الّذي يأتي به بداعي هواه ، أو كان له داع إلى تركه كما في العاصي ، أو لم يكن له داع إلى الفعل من قبل نفسه كما في ما نحن فيه. وعليه فمجرّد كونه خارجا عن مورد الابتلاء لا يرجع إلى محصّل. نهاية الدراية ٢ : ٦٠٢ ـ ٦٠٣.

الثاني : ما استدلّ به السيّد المحقّق الخوئيّ ، وحاصله : أنّ الغرض من الأوامر والنواهي الشرعيّة غير الغرض من الأوامر والنواهي العرفيّة ، فإنّ الغرض من العرفيّة ليس إلّا تحقّق الفعل أو تركه خارجا ، وحينئذ كان الأمر بشيء حاصل بنفسه لغوا وطلبا للحاصل. بخلاف الأوامر والنواهي الشرعيّة ، فإنّ الغرض منها ليس مجرّد تحقّق الفعل خارجا ، بل الغرض صدور الفعل استنادا إلى أمر المولى وكون الترك مستندا إلى نهيه ليحصل لهم بذلك الكمال النفسانيّ. وحينئذ لا قبح في الأمر بشيء حاصل بنفسه عادة ، ولا في النهي عن شيء متروك بنفسه ، فلا يعتبر في تنجيز العلم الإجماليّ عدم كون بعض الأطراف خارجا من محلّ الابتلاء. مصباح الاصول ٢ : ٣٩٥ ـ ٣٩٦.

الثالث : ما أفاده السيّد الإمام الخمينيّ ، ومحصّله : أنّ قبح التكليف بالخارج عن الابتلاء انّما هو في الخطاب الشخصيّ إلى آحاد المكلّفين. وأمّا الخطابات الكلّيّة المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين فلا يقدح فيها عجز بعضهم عن الامتثال ، بل انّما يقدح فيما إذا كان العموم غير متمكّن عادة ، فالخطاب فعليّ ولو كان بعضهم عاجزين من جهة كون بعض الموارد خارجا عن محلّ الابتلاء ، غاية الأمر يكون العاجز معذورا في تركه مع الاضطرار الفعليّ. أنوار الهداية ٢ : ٢١٤ ـ ٢١٩.

ولو شكّ في ذلك (١) كان المرجع هو البراءه ، لعدم القطع بالاشتغال ، لا إطلاق الخطاب ، ضرورة أنّه لا مجال للتشبّث به إلّا فيما إذا شكّ في التقييد

__________________

(١) أي : في الابتلاء.

وهذا شروع في بيان حكم الشكّ في الابتلاء. وتوضيح محلّ البحث : أنّه لا شكّ في فعليّة التكليف مع العلم بكون مورد في معرض الابتلاء ، كما لا شكّ في عدم فعليّته مع العلم بكونه خارجا عن محلّ الابتلاء. وانّما الكلام فيما إذا شكّ في مورد هل يكون داخلا في محلّ الابتلاء أو يكون خارجا عنه؟ فهل يرجع إلى إطلاقات أدلّة التكليف ويحكم بشموله للمشكوك أو يرجع إلى أصل البراءة أو يرجع إلى أصل الاحتياط؟

ذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى الأوّل. وتبعه المحقّق النائينيّ بدعوى أنّ إطلاق ما دلّ على حرمة شرب الخمر ـ مثلا ـ يشمل كلتا صورتي الابتلاء به وعدمه ، والقدر الثابت من التقييد والخارج عن الإطلاق عقلا هو ما إذا كان الخمر خارجا عن مورد الابتلاء ، بحيث يلزم استهجان النهي عنه بنظر العرف ، فإذا شكّ في استهجان النهي وعدمه في مورد الشكّ في إمكان الابتلاء به وعدمه فالمرجع هو إطلاق الدليل. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٣٨ ، فرائد الاصول ٤ : ٥٥ ـ ٥٨.

وذهب المصنّف قدس‌سره إلى الثاني. وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ في أنوار الهداية ٢ : ٢٢١.

واستدلّ المصنّف قدس‌سره عليه بأنّ فعليّة التكليف منوطة بالابتلاء بالمتعلّق ، فإذا شكّ في الابتلاء به يشكّ في التكليف الفعليّ ، وهو مجرى أصالة البراءة.

ثمّ أشار بقوله : «لا إطلاق الخطاب» إلى عدم صحّة ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاريّ من الرجوع إلى الإطلاقات والحكم بالاجتناب عن المشكوك خروجه عن محلّ الابتلاء. وحاصل ما أفاده : أنّ التمسّك بالإطلاق يتفرّع على صحّة الإطلاق في نفسه ثبوتا ، ومع الشكّ في إمكان الإطلاق ثبوتا لا أثر للإطلاق إثباتا. وهو في المقام مشكوك فيه ، فإذا شكّ في دخول مورد في محلّ الابتلاء يرجع إلى الشكّ في إمكان الإطلاق بالنسبة إليه ، ومع الشكّ في إمكانه ثبوتا لا ينفع الرجوع إلى الإطلاق في مقام الإثبات.

وذهب المحقّق العراقيّ إلى الثالث ، بدعوى رجوع الشكّ المزبور إلى الشكّ في القدرة المحكوم عقلا بوجوب الاحتياط ، فإنّه بعد تماميّة مقتضيات التكليف من طرف المولى وعدم دخل قدرة المكلّف بكلا قسميها ـ من الفعليّة والعاديّة ـ في ملاكات الأحكام يستقلّ العقل بلزوم رعاية الملاك بالاحتياط. نهاية الأفكار ٣ : ٣٤٢.

ثمّ فصّل السيّد المحقّق الخوئيّ بين الشبهة المفهوميّة وبين الشبهة المصداقيّة ، فوافق الشيخ في الاولى والمصنّف في الثانية. مصباح الاصول ٢ : ٣٩٧ ـ ٤٠٠.

بشيء (١) بعد الفراغ عن صحّة الإطلاق بدونه (٢) ، لا فيما شكّ في اعتباره في صحّته (٣) ، تأمّل لعلّك تعرف إن شاء الله تعالى.

الثالث : [تنجيز العلم الإجماليّ في الشبهة غير المحصورة]

أنّه قد عرفت أنّه مع فعليّة التكليف المعلوم لا تفاوت بين أن تكون أطرافه محصورة وأن تكون غير محصورة (٤).

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في التقييد به».

(٢) أي : بدون ذلك الشيء المشكوك.

(٣) نعم ، لو كان الإطلاق في مقام يقتضي بيان التقييد بالابتلاء لو لم يكن هناك ابتلاء مصحّح للتكليف كان الإطلاق وعدم بيان التقييد دالّا على فعليّته ووجود الابتلاء المصحّح لهما ، كما لا يخفى ، فافهم. منه [أعلى الله مقامه].

ولا يخفى : أنّ العبارة غامضة ، والأولى أن يقول : «لا فيما إذا شكّ في وجود ما اعتبر في صحّة الإطلاق».

(٤) فتجب الموافقة القطعيّة برعاية الاحتياط كما تحرم المخالفة القطعيّة. بخلاف ما عن الشيخ الأعظم الأنصاريّ من التفصيل بين الموافقة القطعيّة فلا تجب وبين المخالفة القطعيّة فتحرم. راجع فرائد الاصول ٢ : ٢٥٧ و ٢٦٥ ، فوائد الاصول ٤ : ١١٩.

وفي المقام أقوال أخر لا بأس بالإشارة إليها :

منها : عدم وجوب الاحتياط مطلقا ، فلا تجب الموافقة القطعيّة ، بل تجوز المخالفة القطعيّة. ذهب إليه السيّد الإمام الخمينيّ في تهذيب الاصول ٢ : ٣٩٥ ، انوار الهداية ٢ : ٢٢٨.

ومنها : التفصيل بين الشبهات التحريميّة والشبهات الوجوبيّة ، بأنّ الحكم في الشبهة التحريميّة غير المحصورة هو جواز المخالفة القطعيّة وعدم وجوب الموافقة القطعيّة ، وهو في الشبهة الوجوبيّة لزوم الاحتياط في الجملة ووجوب الموافقة الاحتماليّة. وهذا مختار المحقّق النائينيّ في فوائد الاصول ٤ : ١١٨ ـ ١١٩.

ومنها : عدم وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة. وهذا يظهر من المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٣٣١.

ومنها : التفصيل بين ما إذا تمكّن المكلّف من المخالفة القطعيّة دون الموافقة القطعيّة وبين ما إذا تمكّن من الموافقة القطعيّة دون المخالفة القطعيّة. فعلى الأوّل تحرم المخالفة القطعيّة وتجوز الموافقة القطعيّة. وعلى الثاني تجب الموافقة القطعيّة وإن لم تكن المخالفة القطعيّة حراما ، لعجز المكلّف عنها. وهذا مختار السيّد المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٢ : ٣٧٥ ـ ٣٧٦.

نعم ، ربما تكون كثرة الأطراف في مورد موجبة لعسر موافقته القطعيّة باجتناب كلّها (١) أو ارتكابه (٢) أو ضرر فيها أو غيرهما (٣) ممّا لا يكون معه التكليف فعليّا بعثا أو زجرا فعلا (٤) ، وليس بموجبة (٥) لذلك في غيره. كما أنّ نفسها ربما تكون موجبة لذلك ولو كانت قليلة في مورد آخر. فلا بدّ من ملاحظة ذاك الموجب لرفع فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال أنّه يكون ، أو لا يكون في هذا المورد ، أو يكون مع كثرة أطرافه (٦)؟ وملاحظة أنّه مع أيّة مرتبة من كثرتها؟ كما لا يخفى.

ولو شكّ في عروض الموجب (٧) ، فالمتّبع هو إطلاق دليل التكليف لو كان ، وإلّا فالبراءة لأجل الشكّ في التكليف الفعليّ.

هذا هو حقّ القول في المقام. وما قيل في ضبط المحصور وغيره لا يخلو من الجزاف(٨).

__________________

(١) في الشبهة التحريميّة.

(٢) في الشبهة الوجوبيّة.

(٣) أي : غير العسر والضرر.

(٤) هكذا في النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «فعلا» ، فإنّه مستدرك. والأولى منه أن يقول :

«ممّا لا يكون معه التكليف ـ بعثا أو زجرا ـ فعليّا».

(٥) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «وليست بموجبة» أي : وليست كثرة الأطراف بموجبة لعسر الموافقة أو ضرر فيها أو غيرهما في غير ذلك المورد.

(٦) هكذا في النسخ. والأولى سوق العبارة هكذا. «فلا بدّ من ملاحظة أنّه هل يكون في هذا المورد ما يوجب رفع فعليّة التكليف المعلوم بالإجمال أو لا يكون أو يكون مع كثرة أطرافه؟».

(٧) هكذا في النسخ. ولكن اللغة لا تساعد عليه. فالصحيح أن يقول : «في عرض الموجب».

وغرض المصنّف قدس‌سره بيان حكم الشكّ في التكليف الفعليّ من جهة الشكّ في طروء ما يوجب ارتفاع فعليّة التكليف. فهل هو إطلاق الدليل الدالّ على ثبوت التكليف فيحكم بلزوم الإتيان في الشبهات الوجوبيّة ولزوم الاجتناب في الشبهات التحريميّة ، أو هو إجراء أصالة البراءة؟ ذهب المصنّف قدس‌سره إلى لزوم اتّباع إطلاق الدليل لو كان ، وإلّا فيكون المرجع هو البراءة.

(٨) لا بأس بالإشارة إلى بعض ما قيل في تعريف غير المحصور ، وهو ما يلي :

الأوّل : أنّ غير المحصور هو ما يعسر عدّها. مدارك الأحكام ٣ : ٣٥٣.

الثاني : أنّ غير المحصور ما كانت كثرة الاحتمال بحدّ يكون احتمال التكليف في كلّ ـ