درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۵۳: شرایط اصول ۵

 

ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلا مع تمكّنه من التعلّم فقد قصّر ولو علم بعده وقد وسع الوقت.

فانقدح أنّه لا يتمكّن من صلاة القصر صحيحة بعد فعل صلاة الإتمام ، ولا من الجهر كذلك (١) بعد فعل صلاة الإخفات وإن كان الوقت باقيا.

إن قلت : على هذا يكون كلّ منهما (٢) في موضع الآخر سببا لتفويت الواجب فعلا ، وما هو السبب لتفويت الواجب كذلك حرام ، وحرمة العبادة موجبة لفسادها بلا كلام.

قلت : ليس سببا لذلك ، غايته أنّه يكون مضادّا له ، وقد حقّقنا في محلّه أنّ الضدّ وعدم ضدّه متلازمان ليس بينهما توقّف أصلا (٣).

لا يقال : على هذا فلو صلّى تماما أو صلّى إخفاتا في موضع القصر والجهر مع العلم بوجوبهما في موضعهما لكانت صلاته صحيحة وإن عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر.

فإنّه يقال : لا بأس بالقول به لو دلّ دليل على أنّها (٤) تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم (٥). لاحتمال اختصاص أن يكون كذلك في صورة الجهل ، ولا بعد أصلا في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم بوجوب شيء والجهل به ، كما لا يخفى (٦).

__________________

(١) أي : صحيحة.

(٢) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «يكون إتيان كلّ منهما ...».

(٣) راجع الجزء الأوّل : ٢٣٨. ومرّ توضيح التلازم بينهما فيما علّقنا عليه ، فراجع.

(٤) أي : الصلاة غير المأمور بها.

(٥) أي : ولو مع العلم بعدم الأمر بها.

(٦) حاصل ما أفاده في حلّ الإشكال : أنّه يكون المأتي به ـ وهو الصلاة تماما في موضع القصر ـ واجدا لمصلحة وافية بمعظم مصلحة المأمور به ، وهذا المقدار من المصلحة المستوفاة بالمأتي به مضادّة في مقام الاستيفاء مع المصلحة القائمة بالمأمور به التامّ ، فبما أنّ المأتي به الناقص يوجب استيفاء مقدار من المصلحة المضادّة لمصلحة التامّ يسقط أمر التامّ ، فيكون ـ

وقد صار بعض الفحول (١) بصدد بيان إمكان كون المأتيّ في غير موضعه مأمورا به بنحو الترتّب (٢).

__________________

ـ المأتي به صحيحا لأجل استيفاء ذلك المقدار من المصلحة ، وإن لم يكن مأمورا به لعدم اشتماله على تمام المصلحة الملزمة.

وأورد عليه المحقّق النائينيّ بما حاصله : أنّ المصلحة الملزمة القائمة بإتيان المأمور به التامّ ـ وهو الصلاة قصرا في المثال المزبور ـ إن كانت هي الغرض الداعي إلى جعل الواجب فلا وجه لسقوطها بإتيان ما يكون فاقدا لتلك المرتبة من المصلحة ـ أي الصلاة تماما ـ ، خصوصا مع إمكان استيفاء تمام المصلحة بإعادته في الوقت.

ودعوى عدم القدرة على استيفاء تمام المصلحة بعد استيفاء معظمها بالمأتي به واضحة الفساد ، لعدم الشكّ في قدرة المكلّف على إتيان الصلاة قصرا ـ القائمة بها المصلحة التامّة ـ ، ولا يعتبر في استيفاء المصلحة سوى القدرة على فعل متعلّقها ، وهو حاصل بالوجدان.

وإن لم تكن المصلحة الملزمة القائمة بإتيان المأمور به داعية إلى جعل الواجب ، فاللازم الحكم بالتخيير بين القصر والتمام ، غايته كون القصر ـ في المثال المزبور ـ أفضل الفردين ، فلا وجه لاستحقاق العقاب. فوائد الاصول ٤ : ١٠٢.

وأجاب عنه السيّد الإمام الخمينيّ بما حاصله : أنّ المصلحة التامّة القائمة على المأمور به التامّ لازمة الاستيفاء ، ولكن لا دخالة لها في حصول المصلحة القائمة بالمأتي به الناقص ، فيستوفى المصلحة القائمة بالناقص بالإتيان به فاقدا للباقي من المصلحة اللازمة الاستيفاء بحسب الغرض الأكمل ، ومع الإتيان بالناقص وتحصيل المصلحة القائمة به تكون المصلحة القائمة بالمأمور به التامّ غير ممكنة الاستيفاء ، للتضادّ الواقع بين المصلحتين ، أو لعدم إمكان استيفائها إلّا في ضمن المجموع ، فلا تقدر المكلّف على استيفاء المصلحة الزائدة بعد الإتيان بالناقص. أنوار الهداية ٢ : ٤٣٤.

(١) وهو كاشف الغطاء في كشف الغطاء : ٢٦ ـ ٢٧.

(٢) وحاصل ما أفاده من الترتّب : أنّ المأتي به ـ كالصلاة جهرا في موضع الإخفات ـ يتعلّق به الأمر بشرط العزم على عصيان الأمر بالصلاة إخفاتا بنحو الشرط المتأخّر.

واستشكل عليه : تارة بعدم معقوليّة الترتّب ـ كما في فرائد الاصول ٢ : ٤٤٠ ـ ، واخرى بوجوه أخر ذكرها المحقّق النائينيّ ، وتعرّض لها السيّدان العلمان ـ الإمام الخمينيّ والسيّد الخوئيّ ـ ثمّ ناقشا فيها. بل قد يذكر في المقام وجوها أخر في مقام التفصيّ عن الإشكال المذكور. تركناها مخافة التطويل. وإن شئت الاطّلاع عليها فراجع فرائد الاصول ٢ : ٤٣٨ ، فوائد الاصول ٤ : ٢٨٩ ـ ٣٠١ ، نهاية الأفكار ٣ : ٤٨٧ ، أنوار الهداية ٢ : ٤٣١ ـ ٤٤٠ ، مصباح الاصول ٢ : ٥٠٦ ـ ٥١٠.

وقد حقّقنا في مبحث الضدّ امتناع الأمر بالضدّين مطلقا ولو بنحو الترتّب بما لا مزيد عليه (١) ، فلا نعيد.

[ما أفاد الفاضل التونيّ حول شروط جريان البراءة]

ثمّ إنّه ذكر لأصل البراءة شرطان آخران (٢) :

أحدهما : أن لا يكون موجبا لثبوت حكم شرعيّ من جهة اخرى (٣).

ثانيهما : أن لا يكون موجبا للضرر على آخر (٤).

ولا يخفى : أنّ أصالة البراءة عقلا ونقلا في الشبهة البدويّة بعد الفحص لا محالة تكون جارية. وعدم استحقاق العقوبة ـ الثابت بالبراءة العقليّة ـ والإباحة أو رفع التكليف ـ الثابت بالبراءة النقليّة ـ لو كان موضوعا لحكم شرعيّ أو ملازما له فلا محيص عن ترتّبه عليه بعد إحرازه (٥). فإن لم يكن مترتّبا عليه بل على نفي التكليف واقعا فهي وإن كانت جارية إلّا أنّ ذاك الحكم لا يترتّب ، لعدم ثبوت

__________________

(١) راجع الجزء الأوّل : ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٢) ذكرهما الفاضل التونيّ في الوافية : ١٩٣.

(٣) مثاله : ما إذا شكّ في ثبوت الدين على الذمّة ، وإجراء أصالة البراءة من الدين موجب للحكم بوجوب الحجّ ، لحصول الاستطاعة حينئذ.

ومثال آخر : ما إذا شكّ في حرمة شرب التتن ، فتجري البراءة ويوجب جواز بيع التتن.

(٤) وفي الوافية : «مثلا : إذا فتح إنسان قفصا للطائر فطار ، أو حبس شاة فمات ولدها ، أو أمسك رجلا فهربت دابّته ، فإنّه لا يصحّ حينئذ التمسّك ببراءة الذمّة ، بل ينبغي للمفتي التوقّف عن الإفتاء حينئذ ، ولصاحب الواقعة الصلح إذا لم يكن منصوصا بنصّ خاصّ أو عامّ ، لاحتمال اندراج مثل هذه الصورة في قوله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ، وفيما يدلّ على حكم من أتلف مالا لغيره ...». الوافية : ١٩٣ ـ ١٩٤.

(٥) أي : لو كان عدم استحقاق العقوبة والإباحة موضوعا لحكم شرعيّ أو ملازما له ـ كما إذا شكّ في إباحة شرب التتن فتجري البراءة وتصير موضوعا لجواز البيع ـ فلا محيص عن ترتّب ذلك الحكم الشرعيّ على الإباحة وعدم استحقاق العقوبة بعد إحراز رفع التكليف وثبوت عدم استحقاق العقوبة.