درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۵۵: قاعده لا ضرر ۲

 

بقول الأنصاريّ وما شكاه ، فقال : إذا أردت الدخول فاستأذن ، فأبى ، فلمّا أبى فساومه حتّى بلغ من الثمن ما شاء الله ، فأبى أن يبيعه ، فقال : لك بها عذق في الجنّة ، فأبى أن يقبل ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للأنصاريّ : اذهب فاقلعها وارم بها إليه ، فإنّه لا ضرر ولا ضرار» (١).

وفي رواية الحذّاء عن أبي جعفر عليه‌السلام مثل ذلك ، إلّا أنّه فيها بعد الإباء : «ما أراك يا سمرة إلّا مضارّا ؛ اذهب يا فلان ، فاقلعها وارم بها وجهه» (٢).

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في قصّة سمرة وغيرها (٣). وهي كثيرة ، وقد ادّعي تواترها مع اختلافها لفظا وموردا (٤) ، فليكن المراد به تواترها إجمالا ، بمعنى القطع بصدور بعضها.

والإنصاف : أنّه ليس في دعوى التواتر كذلك (٥) جزاف. وهذا مع استناد المشهور إليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها ؛ مع أنّ بعضها موثّقة (٦) ؛ فلا مجال للإشكال فيها من جهة سندها ، كما لا يخفى.

__________________

(١) ما ذكره المصنّف قدس‌سره مضمون الموثّقة. وإليك بنصّها في الكافي ٥ : ٢٢٩ ، والتهذيب ٧ : ١٧٤ ، والوسائل ١٧ : ٣٤١ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ١.

(٢) وسائل الشيعة ١٧ : ٣٤٠ ، الباب ١٢ من أبواب احياء الموات ، الحديث ١.

(٣) منها : رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : «قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يمنع نفع الشيء ، وقضى بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع بأفضل كلاء ، وقال : لا ضرر ولا ضرار». الكافي ٥ : ٢٩٢.

ومنها : رواية اخرى عن عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن ، وقال : لا ضرر ولا ضرار ، وقال : إذا رفّت الأرف وحدّت الحدود فلا شفعة». الكافي ٥ : ٢٨٠ ، من لا يحضره الفقيه ٣ : ٥٠ ، الحديث ٣٣٦٨.

ومنها : ما رواه الصدوق في الفقيه من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». من لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٤٧ ، الحديث ٥٧١٨.

(٤) والمدّعي هو فخر المحقّقين (ابن العلّامة) في إيضاح الفوائد ٢ : ٤٨.

(٥) أي : إجمالا ، بمعنى القطع بصدور بعضها.

(٦) كموثّقة زرارة المتقدّمة.

[دلالة القاعدة]

وأمّا دلالتها : فالظاهر أنّ الضرر هو ما يقابل النفع (١) ـ من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال ـ تقابل العدم والملكة (٢).

كما أنّ الأظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر ، جيء به تأكيدا ـ كما يشهد به إطلاق المضارّ على سمرة (٣) ، وحكي عن النهاية (٤) ؛ لا فعل الاثنين ، وإن كان هو الأصل في باب المفاعلة ؛ ولا الجزاء على الضرر ، لعدم تعاهده من باب المفاعلة. وبالجملة : لم يثبت له معنى آخر غير الضرر.

كما أنّ الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة ـ كما هو الأصل في هذا التركيب ـ حقيقة أو ادّعاء كناية عن نفي الآثار ، كما هو (٥) الظاهر من مثل «لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد» (٦) ، و «يا أشباه الرجال ولا رجال» (٧) ، فإنّ قضيّة البلاغة في الكلام هي إرادة نفي الحقيقة ادّعاء ، لا نفي الحكم أو الصفة كما لا يخفى. ونفي الحقيقة ادّعاء بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداء مجازا في التقدير أو في الكلمة ، ممّا لا يخفى(٨) على من له معرفة بالبلاغة (٩).

وقد انقدح بذلك بعد إرادة نفي الحكم الضرريّ (١٠) أو الضرر غير

__________________

(١) كما في الكتب اللغويّة ، فراجع العين ٧ : ٧ ، الصحاح ٢ : ٧١٩ ، النهاية (لابن الأثير) ٣ : ٨١ ، لسان العرب ٤ : ٤٨٢.

(٢) إذ لا يطلق الناقص إلّا على الشيء الّذي من شأنه عدم ذلك النقص ، مثلا : لا يطلق الأعمى إلّا على فاقده الّذي من شأنه أن يكون بصيرا ، كالحيوان.

(٣) اطلق المضارّ على سمرة في رواية الحذّاء المتقدّمة.

(٤) النهاية (لابن الأثير) ٣ : ٨١.

(٥) أي : نفي الحقيقة ادّعاء.

(٦) دعائم الإسلام ١ : ١٤٨.

(٧) نهج البلاغة ، الخطبة : ٢٧.

(٨) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «كما لا يخفى».

(٩) والحاصل : أنّ المقصود من نفي الضرر في قوله : «لا ضرر» نفي أحكام الموضوع الضرريّ من باب نفي الحكم بلسان نفي موضوعه.

(١٠) بأن يكون المراد بالضرر في قوله : «لا ضرر» سببه ، وهو الحكم. فيطلق الضرر عليه من ـ