درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۶۱: استصحاب ۲

 

بالبقاء ، بل ذاك الوجه ، إلّا أنّه حيث لم يكن بحدّ ولا رسم (١) بل من قبيل شرح الاسم ـ كما هو الحال في التعريفات غالبا ـ لم يكن له دلالة على أنّه نفس الوجه ، بل للإشارة إليه من هذا الوجه. ولذا لا وقع للإشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد أو العكس ، فإنّه لم يكن به ـ إذا لم يكن بالحدّ أو الرسم ـ بأس.

فانقدح أنّ ذكر تعريفات القوم له وما ذكر فيها من الإشكال بلا حاصل وطول بلا طائل.

[الاستصحاب من المسائل الاصوليّة]

ثمّ لا يخفى : أنّ البحث في حجّيّته (٢) مسألة اصوليّة ، حيث يبحث فيها (٣) لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة. وليس مفادها حكم العمل بلا واسطة وإن كان ينتهي إليه (٤) ، كيف! وربّما لا يكون مجرى الاستصحاب إلّا حكما اصوليّا كالحجّيّة مثلا.

هذا لو كان الاستصحاب عبارة عمّا ذكرنا (٥).

__________________

ـ على أنّ ذلك التعريف هو التعريف الحقيقيّ عند القائل به كي يقع مورد النقض والإبرام.

(١) وفي بعض النسخ : «ولا برسم».

(٢) وفي بعض النسخ : «في حجّيّة». والصحيح أن يقول : «عن حجّيّته».

(٣) أي : في المسألة الاصوليّة.

(٤) وفي مرجع الضمير في قوله : «وليس مفادها» وجوه :

الأوّل : أن يرجع إلى حجّيّة الاستصحاب.

الثاني : أن يرجع إلى المسألة الاصوليّة.

وعلى كلا الوجهين كان الأولى أن يقول : «وليس مفادها حكم العمل بلا واسطة وإن كانت تنتهي إليه».

الثالث : أن يرجع إلى الاستصحاب. وعليه كان الصحيح أن يقول : «وليس مفاده حكم العمل بلا واسطة وإن كان ينتهي إليه».

(٥) وهو كون الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه.

وأمّا لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته أو الظنّ به الناشئ من ملاحظة ثبوته ، فلا إشكال في كونه مسألة اصوليّة (١).

__________________

(١) لا يخفى عليك : أنّهم اختلفوا في أنّ البحث عن الاستصحاب هل يكون بحثا عن المسألة الاصوليّة أو يكون بحثا عن القاعدة الفقهيّة؟

والبحث التفصيليّ عن هذا المطلب لا يسعه المقام ، وأشرنا إلى بعض الكلام ذيل التعليقة (١) من الصفحة : ٥ من هذا الجزء. فنكتفي بتوضيح ما أفاد المصنّف قدس‌سره والإشارة إلى ما اختاره بعض الأعلام من المحقّقين المتأخّرين.

أمّا المصنّف قدس‌سره : فأفاد أنّ الاستصحاب من المسائل الاصوليّة ، سواء كان عبارة عن الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه وكان من الاصول العمليّة الّتي هي وظيفة الشاكّ ، أو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته أو الظنّ به.

أمّا بناء على الأوّل : فلأنّ الضابط في المسألة الاصوليّة كونها ممهّدة لوقوعها في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة ، وهذا ينطبق على الاستصحاب بمعنى الحكم ببقاء الحكم ، فيقال ـ مثلا ـ : «إنّ نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه أو بعلاج مشكوك البقاء ، وكلّ مشكوك البقاء باق ، فنجاسة هذا الماء باق».

هذا فيما إذا كان مجرى الاستصحاب حكما فرعيّا ، وأمّا فيما إذا كان مجراه حكما اصوليّا ـ كالحجّيّة ـ فكونه من مسائل علم الاصول أظهر ، إذ لا مجال لتوهّم كونه من القواعد الفقهيّة ، بل جريانه في الحكم الاصوليّ شاهد على عدم كونه من القواعد الفقهيّة.

وأمّا بناء على الثاني : فبناء على كونه عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته فواضح ، لأنّ البحث عن حجّيّة الاستصحاب ـ حينئذ ـ يرجع إلى البحث عن ثبوت التلازم بين ما علم حدوثه وبين بقائه عند العقلاء وعدمه ، ومعلوم أنّ هذا البحث أجنبيّ عن فعل المكلّف.

وكذا بناء على كونه عبارة عن الظنّ بالبقاء الناشئ من ملاحظة ثبوته سابقا ، فيبحث حينئذ عن حجّيّة هذا الظنّ ، كالبحث عن حجّيّة سائر الظنون ، والبحث عن حجّيّة الظنون من المسائل الاصوليّة لا من المسائل الفقهيّة. هذا ما أفاد المصنّف قدس‌سره.

وتبعه المحقّقان العراقيّ والخمينيّ ، فعدّا الاستصحاب من المسائل الاصوليّة. نهاية الأفكار ٤ : ٦ ، الرسائل ١ : ٧٥.

وتبعه المحقّق الاصفهانيّ أيضا واستدلّ عليه بأنّ الحجّيّة بمعنى الواسطة ، وهي تعمّ الواسطة في إثبات الواقع عنوانا واعتبارا والواسطة في إثبات الواقع أثرا وتنجّزا ، فتعمّ مطلق المنجّزيّة والمعذّريّة ، ويدخل البحث عن منجّزيّة الاحتمال ومعذريّة الجهل في المسائل الاصوليّة.

وعليه فيدخل الاستصحاب في المسائل الاصوليّة. نهاية الدراية ٢ : ٤٠٥ ـ ٤٠٨ و ٣ : ١٥ ـ ١٨. ـ

[اعتبار اتّحاد القضيّة المشكوكة والمتيقّنة]

وكيف كان ، فقد ظهر ممّا ذكرنا في تعريفه اعتبار أمرين في مورده : القطع بثبوت شيء ، والشكّ في بقائه.

ولا يكاد يكون الشكّ في البقاء إلّا مع اتّحاد القضيّة المشكوكة والمتيقّنة بحسب الموضوع والمحمول. وهذا (١) ممّا لا غبار عليه في الموضوعات الخارجيّة في الجملة (٢).

وأمّا الأحكام الشرعيّة ، سواء كان مدركها العقل أم النقل ، فيشكل حصوله

__________________

ـ وذهب المحقّق النائينيّ إلى التفصيل بين الاستصحابات الجارية في الشبهات الحكميّة فتكون من المسائل الاصوليّة ، وبين الجارية في الشبهات الموضوعيّة فتكون من القواعد الفقهيّة. فوائد الاصول ٤ : ٣٠٧ ـ ٣١٢.

واختار بعض المحقّقين أنّ الاستصحاب من القواعد الفقهيّة. منهم العلّامة المحشّي المشكينيّ في حاشية الكفاية ٤ : ٣٨٢ ، والسيّد المحقّق الخوئيّ في دراسات في الاصول ٤ : ٨ ـ ٩ ومصباح الاصول ٣ : ٦.

(١) أي : اعتبار اتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة.

(٢) لعلّه إشارة إلى بعض التفاصيل في جريان الاستصحاب في الموضوعات الخارجيّة ، حيث يعتبر اتّحاد القضيّتين في بعض الموارد ، وأمّا في مقابليها فلا يجري الاستصحاب كي يقال باعتبار اتّحاد القضيّتين.

منها : التفصيل بين ما إذا كان الشكّ في بقاء الموضوع الخارجيّ من جهة الشكّ في المقتضي ، كالشكّ في حياة زيد من جهة الشكّ في انقضاء استعداده للبقاء ، وبين ما إذا كان الشكّ فيه من جهة الشكّ في الرافع ، كالشكّ في حياته من جهة الشكّ في قتله ؛ فلا يجري الاستصحاب في الأوّل ، ويجري في الثاني. ذهب إليه المحقّق التبريزيّ في أوثق الوسائل : ٥٣٢.

ومنها : التفصيل بين ما إذا كانت الموضوعات من الموضوعات المستنبطة ـ وهي مفاهيم الألفاظ ، مثل كون الصعيد مطلق وجه الأرض ـ ، وبين ما إذا كانت من الموضوعات الصرفة ـ وهي المصاديق الخارجيّة للمفاهيم الكلّيّة ـ ؛ فلا يجري الاستصحاب في الأوّل ، ويجري في الثاني. وهذا ما نسبه الشيخ الأعظم إلى بعض مشايخه. راجع الحاشية على استصحاب القوانين : ٢٢٢.

فيها (١) ، لأنّه لا يكاد يشكّ في بقاء الحكم إلّا من جهة الشكّ في بقاء موضوعه بسبب تغيّر بعض ما هو عليه ممّا احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء (٢) ، وإلّا (٣) لما تخلّف (٤) الحكم عن موضوعه إلّا بنحو البداء بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى ؛ ولذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا.

ويندفع هذا الإشكال بأنّ الاتّحاد في القضيّتين بحسبهما (٥) وإن كان ممّا لا محيص عنه في جريانه ، إلّا أنّه لمّا كان الاتّحاد بحسب نظر العرف كافيا في تحقّقه وفي صدق الحكم ببقاء ما شكّ في بقائه ، وكان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيّات الّتي يقطع معها بثبوت الحكم له ممّا يعدّ بالنظر العرفيّ من حالاته وإن كان واقعا من قيوده ومقوّماته ، كان جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعيّة الثابتة لموضوعاتها عند الشكّ فيها لأجل طروء انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها ممّا عدّ من حالاتها لا من مقوّماتها ، بمكان من الإمكان (٦) ، ضرورة صحّة إمكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبّدا أو لكونه مظنونا ولو نوعا ، أو دعوى دلالة النصّ أو قيام الإجماع عليه قطعا ، بلا تفاوت في ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا (٧).

__________________

(١) أي : حصول اتّحاد القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة في الأحكام الشرعيّة.

(٢) فيرجع الشكّ في بقاء الحكم إلى الشكّ في بقاء موضوعه ، وحينئذ لا يحرز بقاء الموضوع كي يحرز وحدته في القضيّتين ويستصحب الحكم ، مثلا : إذا ثبتت النجاسة للماء المتغيّر أوصافه بما هو متغيّر ، ثمّ زال تغيّر أوصافه بنفسه أو بعلاج فيشكّ في بقاء نجاسته من جهة الشكّ في بقاء موضوعه ، لاحتمال دخل التغيّر في موضوع النجاسة ، فلا يحرز وحدة القضيّتين المتيقّنة والمشكوكة موضوعا.

(٣) أي : وإن لا يكن الشكّ في الحكم من جهة الشكّ في بقاء الموضوع.

(٤) وفي بعض النسخ : «لا يتخلّف».

(٥) أي : بحسب الموضوع والمحمول.

(٦) قوله : «بمكان من الإمكان» خبر كان.

(٧) تعريض بما ابتكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ من التفصيل بين كون المستصحب ممّا ثبت بدليل عقليّ فلا يجري فيه الاستصحاب ، وبين ما ثبت بدليل نقليّ فيجري فيه الاستصحاب. فرائد الاصول ٣ : ٣٧.