درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۶۴: استصحاب ۵

 

[بعض الآراء في حجيّة الاستصحاب]

ثمّ إنّه لا يخفى اختلاف آراء الأصحاب في حجّيّة الاستصحاب مطلقا (١) ، وعدم حجّيّته كذلك (٢) ، والتفصيل بين الموضوعات والأحكام (٣) ، أو بين ما كان الشكّ في الرفع وما كان في المقتضي (٤) ، إلى غير ذلك من التفاصيل الكثيرة على أقوال شتّى لا يهمّنا نقلها ونقل ما ذكر من الاستدلال عليها (٥).

[المختار والاستدلال عليه]

وإنّما المهمّ الاستدلال على ما هو المختار منها ـ وهو الحجّيّة مطلقا ـ على نحو يظهر بطلان سائرها.

فقد استدلّ عليه بوجوه :

[١ ـ الاستدلال ببناء العقلاء ، وما فيه]

الوجه الأوّل : استقرار بناء العقلاء من الإنسان ـ بل ذوي الشعور من كافّة أنواع الحيوان ـ على العمل على طبق الحالة السابقة ، وحيث لم يردع عنه الشارع كان ماضيا.

وفيه : أوّلا : منع استقرار بنائهم على ذلك تعبّدا ، بل إمّا رجاء واحتياطا ، أو

__________________

(١) ذهب إليه أكثر العامّة ، كالحنابلة والمالكيّة وأكثر الشافعيّة والظاهريّة على ما في إرشاد الفحول : ٢٣٧. واختاره المصنّف قدس‌سره في المقام كما سيأتي.

(٢) والقائل به أكثر الحنفيّة وجماعة من المتكلّمين كأبي الحسين البصريّ على ما في الإحكام (للآمدي) ٤ : ١٧٢.

(٣) وهذا ما استظهره المحقّق القمّيّ عن كلمات المحقّق السبزواريّ. راجع قوانين الاصول ٢ : ٦٣ ، وذخيرة المعاد : ١١٥ ـ ١١٦.

(٤) ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ٥١.

(٥) ولتحقيق الأقوال والقائلين بها والاستدلال عليها راجع قوانين الاصول ٢ : ٥٦ ـ ٥٧ ، والحاشية على استصحاب القوانين : ٣٧ ـ ٨٠.

اطمئنانا بالبقاء ، أو ظنّا ولو نوعا ، أو غفلة كما هو الحال في سائر الحيوانات دائما وفي الإنسان أحيانا.

وثانيا : سلّمنا ذلك (١) ، لكنّه لم يعلم أنّ الشارع به راض وهو عنده ماض ، ويكفي في الردع عن مثله ما دلّ من الكتاب (٢) والسنّة (٣) على النهي عن اتّباع غير العلم ، وما دلّ على البراءة أو الاحتياط في الشبهات ، فلا وجه لاتّباع هذا البناء فيما لا بدّ في اتّباعه من الدلالة على إمضائه ، فتأمّل جيّدا (٤).

__________________

(١) أي : استقرار بنائهم على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّدا.

(٢) الأنعام / ١١٦ ، يونس / ٣٦ ، الإسراء / ٣٦.

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ـ ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي.

(٤) توضيح ما أفاده يتوقّف على بيان امور :

الأمر الأوّل : أنّ الاستدلال ببناء العقلاء مركّب من صغرى وكبرى ونتيجة :

أمّا الصغرى : فهي أنّ السيرة القطعيّة من العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة ثابتة.

وأمّا الكبرى : فهي أنّ هذه السيرة حجّة ، فإنّ الشارع رضى به حيث لم يردع عنها.

وأمّا النتيجة : فهي أنّ العمل على طبق الحالة السابقة حجّة.

الأمر الثاني : أنّ المصنّف قدس‌سره أورد على الاستدلال صغرويّا وكبرويّا :

أمّا الصغرى : فلعدم ثبوت استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة تعبّدا ـ أي اعتمادا على الحالة السابقة ـ ، بل يكون منشأ بنائهم عليه أحد الامور العقلائيّة التالية :

الأوّل : أن يكون عملهم رجاء واحتياطا ، كمن يرسل الدرهم إلى ابنه الّذي يعيش في بلد آخر ليصرفه في حوائجه ، وإذا أخبر واحد بموته وشكّ في حياته فيرسل إليه أيضا للرجاء والاحتياط حذرا من وقوعه في المضيقة على تقدير حياته.

الثاني : أن يكون عملهم لأجل اطمئنانهم بالبقاء ، كمن يرسل أموالا إلى تاجر آخر في بلدة اخرى لاطمئنانه بحياته ، لا للاعتماد على مجرّد الحالة السابقة ، ولذا لو زال اطمئنانه بحياته لم يرسل إليه هذه الأموال لما فيه من الخطر.

الثالث : أن يكون عملهم لغفلتهم عن البقاء وعدمه ، بحيث ليس لهم التفات حتّى يحصل لهم الشكّ ، فيعملون اعتمادا على الحالة السابقة ، كمن يجىء إلى داره بلا التفات إلى بقاء الدار وعدمه.

وبالجملة : فلم يثبت استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة اعتمادا عليها.

وأمّا الكبرى : فلعدم العلم بأنّ الشارع أمضاه ورضى به ، فإنّ ما دلّ من الكتاب والسنّة ـ

__________________

ـ على النهي عن اتّباع غير العلم يكفي في الردع عن مثل بناء العقلاء.

الأمر الثالث : أنّ المحقّق النائينيّ ناقش فيما أفاد المصنّف قدس‌سره إيرادا على الصغرى والكبرى.

أمّا الإيراد على الصغرى : فناقش فيه بما حاصله : أنّ دعوى ثبوت بناء العقلاء في الجملة ممّا لا اشكال ولا سبيل إلى إنكارها ، لأنّه قد استقرّت الطريقة العقلائيّة على العمل بالحالة السابقة وترتيب آثار البقاء عند الشكّ في الارتفاع ، كما يشاهد ذلك في مراسلاتهم ومعاملاتهم ومحاوراتهم ، بل لو لا ذلك يلزم اختلال النظام. وليس عملهم على ذلك لأجل الرجاء ، ولا لحصول الاطمئنان ، بل يكون لأجل أنّه مقتضى فطرتهم ، فصار البناء على بقاء المتيقّن من المرتكزات في أذهانهم.

وأمّا الإيراد على الكبرى : فناقش فيه بأنّ الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم لا تصلح لأن تكون رادعة عن السيرة العقلائيّة ، لما مرّ في حجّيّة خبر الواحد من أنّ جميع موارد السيرة العقلائيّة خارجة عن العمل بما وراء العلم تخصّصا ، فإنّ السيرة حاكمة على الآيات.

ثمّ ناقش فيما ذكره المصنّف قدس‌سره من أنّه تكفي الآيات والسنّة الناهيتان عن العمل بغير العلم في الردع عن مثل بنائهم. وحاصل المناقشة : أنّ كلامه هذا ينافي ما تقدّم منه في مبحث حجّيّة خبر الواحد من أنّ تلك الآيات لا يمكن أن تكون رادعة عن الطريقة العقلائيّة ، مع أنّ بناء العقلاء على الأخذ بالحالة السابقة لو لم يكن أقوى من بنائهم على العمل بخبر الواحد فلا أقلّ من التساوي بين المقامين ، فكيف كانت الآيات رادعة عن بناء العقلاء في المقام ولم تكن رادعة عنه في ذلك المقام؟!

ثمّ إنّه ـ بعد ما قوّى اعتبار السيرة العقلائيّة في المقام ـ قال : «ولكنّ القدر المتيقّن من بناء العقلاء هو الأخذ بالحالة السابقة عند الشكّ في الرافع». فوائد الاصول ٤ : ٣٣٢ ـ ٣٣٣.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فوافق المصنّف في الكبرى ومنع عن حجّيّة بناء العقلاء ، وفصّل في الصغرى وذهب إلى أنّ ثبوت بنائهم على الأخذ بالحالة السابقة من باب الاستصحاب في الامور الراجعة إلى معاشهم وأحكامهم العرفيّة ممّا لا سبيل إلى إنكاره ، لما يرى منهم من ترتيب آثار البقاء على الشيء عملا مع الشكّ في ارتفاعه. وأمّا دعوى ثبوت البناء المزبور في الامور الدينيّة والأحكام الشرعيّة ففاسدة ، بل يمكن دعوى أنّه لا يكون لهم طريقة خاصّة في الامور الدينيّة.

ثمّ أجاب عمّا أورده المحقّق النائينيّ على المصنّف قدس‌سره من دعوى المنافاة بين كلاميه في المقامين. وحاصل الجواب : أنّ بين المقام وبين حجّيّة خبر الواحد فرق ، حيث أنّ عدم رادعيّة الآيات هناك انّما هو من جهة قيام السيرة العقلائيّة على تتميم الكشف وإثبات العلم بالواقع الموجب لخروج موردها عن موضوع تلك النواهي ، بخلاف المقام ، فإنّ بنائهم على ـ

[٢ ـ الاستدلال بحصول الظنّ بالبقاء ، وما فيه]

الوجه الثاني : أنّ الثبوت في السابق موجب للظنّ به في اللاحق.

وفيه : منع اقتضاء مجرّد الثبوت للظنّ بالبقاء فعلا ولا نوعا ، فإنّه لا وجه له أصلا إلّا كون الغالب فيما يثبت أن يدوم ، مع إمكان أن لا يدوم ، وهو غير معلوم. ولو سلّم ، فلا دليل على اعتباره بالخصوص مع نهوض الحجّة على عدم اعتباره بالعموم.

[٣ ـ الاستدلال بالإجماع ، وما فيه]

الوجه الثالث : دعوى الإجماع عليه ، كما عن المبادئ ، حيث قال : «الاستصحاب حجّة ، لإجماع الفقهاء على أنّه متى حصل حكم ، ثمّ وقع الشكّ في أنّه طرأ ما يزيله أم لا ، وجب الحكم ببقائه على ما كان أوّلا ؛ ولو لا القول بأنّ الاستصحاب حجّة لكان ترجيحا لأحد طرفي الممكن من غير مرجّح» ، انتهى (١).

وقد نقل عن غيره (٢) أيضا.

وفيه : أنّ تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة ـ ممّا له مبان مختلفة ـ في غاية الإشكال ، ولو مع الاتّفاق ، فضلا عمّا إذا لم يكن وكان مع الخلاف من المعظم ، حيث ذهبوا إلى عدم حجّيّته مطلقا أو في الجملة ؛ ونقله موهون جدّا لذلك ، ولو قيل بحجّيّته لو لا ذلك.

__________________

ـ الأخذ بالحالة السابقة انّما هو من باب جريان الأصل في ظرف الجهل بالواقع ، فلا يلازم القول بعدم صلاحيّة الآيات للرادعيّة عن بنائهم هناك للقول به في المقام أيضا. نهاية الأفكار ٤ : ٣٤ ـ ٣٧.

وذهب السيّد المحقّق الخوئيّ إلى عدم صحّة الاستدلال ببناء العقلاء من جهة منع الصغرى لا من جهة منع الكبرى ، فراجع كلامه في موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١١ ـ ١٢.

(١) مبادئ الوصول إلى علم الاصول : ٢٥١.

(٢) كصاحب المعالم والفاضل الجواد على ما نقل عنهما الشيخ في فرائد الاصول ٣ : ٥٤.

[٤ ـ الاستدلال بالأخبار]

الوجه الرابع : وهو العمدة في الباب ، الأخبار المستفيضة.

[الخبر الأوّل : صحيحة زرارة الاولى]

منها : صحيحة زرارة. قال : قلت له (١) : الرجل ينام وهو على وضوء ، أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟

قال : «يا زرارة! قد تنام العين ولا ينام القلب والأذن ، وإذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء».

قلت : فإن حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم؟

قال : «لا ، حتّى يستيقن أنّه قد نام ، حتّى يجيء من ذلك أمر بيّن ، وإلّا فإنّه على يقين من وضوئه ، ولا ينقض اليقين أبدا بالشكّ ، ولكنّه ينقضه بيقين آخر» (٢).

وهذه الرواية وإن كانت مضمرة (٣) ، إلّا أنّ إضمارها لا يضرّ باعتبارها ، حيث كان مضمرها مثل زرارة ، وهو ممّن لا يكاد يستفتي من غير الإمام عليه‌السلام لا سيّما مع هذا الاهتمام.

[تقريب الاستدلال بالرواية]

وتقريب الاستدلال بها أنّه لا ريب في ظهور قوله عليه‌السلام : «وإلّا فإنّه على

__________________

(١) أي : للمعصوم عليه‌السلام.

ونقل المحقّق الاصفهانيّ عن فوائد العلّامة الطباطبائيّ أنّ المقصود به الإمام الباقر عليه‌السلام.

وروي عنه أيضا في الفصول والقوانين. راجع نهاية الدراية ٣ : ٣٨ ، الفصول : ٣٧٠ ، قوانين الاصول ٢ : ٢٧٨.

(٢) لا يخفى : أنّ بعض ألفاظ الرواية يختلف مع ما في الوسائل والتهذيب ، ولكنّه لا يخلّ بالمفهوم. راجع التهذيب ١ : ٧ ـ ٨ ؛ وسائل الشيعة ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، الباب ١ من أبواب نواقض الوضوء ، الحديث ١.

(٣) لعدم ذكر الإمام المسئول فيها.