درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۱: استصحاب ۱۲

 

نعم ، دلالته في المورد الأوّل على الاستصحاب مبنيّ على أن يكون المراد من اليقين في قوله عليه‌السلام : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك» اليقين بالطهارة قبل ظنّ الإصابة ، كما هو الظاهر ، فإنّه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر والفحص بعده ـ الزائل بالرؤية بعد الصلاة ـ كان مفاده قاعدة اليقين ، كما لا يخفى.

[إشكال ودفع]

ثمّ إنّه اشكل على الرواية (١) بأنّ الإعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة ليست نقضا لليقين بالطهارة بالشكّ فيها ، بل باليقين بارتفاعها ، فكيف يصحّ أن يعلّل عدم الإعادة بأنّها (٢) نقض اليقين بالشكّ؟ نعم ، إنّما يصحّ أن يعلّل به جواز الدخول في الصلاة ، كما لا يخفى (٣).

__________________

ـ والإمام عليه‌السلام أشار بقوله : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك» إلى أنّه في مقام التعليل بكبرى ارتكازيّة هي عدم نقض اليقين بالشيء بالشكّ فيه ، وهذا التعليل يقتضي اعتبار الاستصحاب مطلقا ، لا في خصوص موردها.

(١) لا يخفى : أنّ الإشكال مختصّ بالاستدلال بالفقرة الاولى من الرواية ؛ وأمّا الفقرة الثانية ـ الّتي تأتي في آخر الرواية ـ فلم يورد عليه الإشكال ؛ فكان الأولى أن يقول : «ثمّ إنّه اشكل على المورد الأوّل من الرواية ...».

ولا يخفى أيضا : أنّ الشيخ الأعظم الأنصاريّ قد حكى هذا الإشكال عن السيّد الصدر شارح الوافية. راجع فرائد الاصول ٣ : ٦٠.

(٢) أي : الإعادة.

(٣) توضيح الإشكال : أنّ الإمام عليه‌السلام قال : «تغسله ولا تعيد الصلاة» ، ثمّ علّل عدم وجوب إعادة الصلاة بقوله : «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ، ثمّ شككت ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا» ، فالإمام عليه‌السلام علّل عدم وجوب الإعادة بلزوم الحذر عن نقض اليقين بالشكّ ، كأنّه قال : «إنّ الإعادة نقض لليقين بالشكّ ، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ». مع أنّ الإعادة في مورد الرواية ليست نقضا لليقين بالشكّ ، بل هي نقض لليقين باليقين ، كيف! وقد فرض أنّ السائل علم بعد إتمام الصلاة بوقوع صلاته المأتي بها في النجس ، وإن كان غافلا عن النجاسة حال إتيان الصلاة؟ فلا يصحّ أن يعلّل عدم وجوب الإعادة بأنّ الإعادة نقض لليقين بالشكّ.

ولا يكاد يمكن التفصّي عن هذا الإشكال إلّا بأن يقال : إنّ الشرط في الصلاة فعلا حين الالتفات إلى الطهارة هو إحرازها ولو بأصل أو قاعدة ، لانفسها ، فتكون قضيّة استصحاب الطهارة حال الصلاة عدم إعادتها ولو انكشف وقوعها في النجاسة بعدها. كما أنّ إعادتها بعد الكشف تكشف عن جواز النقض وعدم حجّيّة الاستصحاب حالها ، كما لا يخفى (١) ، فتأمّل جيّدا (٢).

لا يقال : لا مجال حينئذ لاستصحاب الطهارة ، فإنّه إذا لم يكن شرطا لم يكن

__________________

(١) توضيح الجواب : أنّ المكلّف المريد لإتيان الصلاة لا يخلو : إمّا أن يكون غافلا عن الطهارة الخبثيّة ، وإمّا أن يكون ملتفتا إليها ؛ فعلى الأوّل تصحّ صلاته ، وإن انكشف بعد الصلاة وقوعها في النجس ، لعدم اعتبار هذه الطهارة حينئذ ؛ وعلى الثاني فالشرط واقعا هو إحراز الطهارة ، لا وجودها الواقعيّ ، فتكون الصلاة مع إحراز الطهارة واجدة للشرط واقعا ، فيكفى للملتفت أن يحرز الطهارة بعلم أو أمارة أو أصل عمليّ أو قاعدة. وعليه يحسن تعليل عدم وجوب الإعادة بكونها نقضا لليقين بالشكّ ، حيث أنّ الملتفت في حال الصلاة كان شاكّا في بقاء الطهارة بعد ما كان متيقّنا بها قبل الدخول في العبادة ، ثمّ ظنّ إصابة النجاسة ، ولا عبرة بهذا الظنّ ، فيكون شاكّا في بقاءها ؛ وبما أنّه أحرز الطهارة بالاستصحاب حال الصلاة فتكون الإعادة منافية لحكم الشارع بالاستصحاب المحرز للطهارة ، ضرورة أنّه لا مجال للإعادة إلّا بعد الحكم بفقدان شرط الصلاة ، والحكم بفقدانه يبتني على عدم إجراء الاستصحاب ونقض اليقين السابق على الصلاة بالشكّ اللاحق ، وهو ينافي حكم الشارع بإجراء الاستصحاب المحرز.

(٢) وقد يجاب عن الإشكال بوجوه أخر :

منها : ما نقله الشيخ الأعظم من شريف العلماء ـ على ما في ضوابط الاصول : ٣٥٤ ـ ، وسيشير المصنّف رحمه‌الله إلى دفعه. وحاصله : أنّ التعليل يرجع إلى بيان صغرى الإجزاء ، حيث أنّ استصحاب الطهارة في حال العمل يثبت الطهارة الظاهريّة الّتي هي بمنزلة الطهارة الواقعيّة في ترتّب صحّة العمل عليها واقعا ، وإن انكشف خلافها. فرائد الاصول ٣ : ٦٠.

ومنها : ما التزم به المحقّق النائينيّ من أنّه يصحّ تطبيق التعليل على مورد الرواية ، سواء قلنا بأنّ العلم بالنجاسة مانع عن صحّة الصلاة ، أو قلنا بأنّ الشرط في صحّتها هو إحراز الطهارة ، أو قلنا بأنّ الشرط أعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة. راجع تفصيل كلامه في فوائد الاصول ٤ : ٣٤١ ـ ٣٤٨.

موضوعا لحكم (١) ، مع أنّها ليست بحكم ، ولا محيص في الاستصحاب عن كون المستصحب حكما أو موضوعا لحكم.

فإنّه يقال : إنّ الطهارة وإن لم تكن شرطا فعلا ، إلّا أنّها غير منعزلة عن الشرطيّة رأسا ، بل هي شرط واقعيّ اقتضائيّ ـ كما هو قضيّة التوفيق بين بعض الإطلاقات ومثل هذا الخطاب ـ ، هذا.

مع كفاية كونها من قيود الشرط حيث إنّه كان إحرازها بخصوصها لا غيرها شرطا.

لا يقال : سلّمنا ذلك ، لكنّ قضيّته أن تكون علّة عدم الإعادة حينئذ بعد انكشاف وقوع الصلاة في النجاسة هي إحراز الطهارة حالها باستصحابها (٢) ، لا الطهارة المحرزة بالاستصحاب ، مع أنّ قضيّة التعليل أن تكون العلّة له هي نفسها لا إحرازها ، ضرورة أنّ نتيجة قوله : «لأنّك كنت على يقين ...» أنّه على الطهارة ، لا أنّه مستصحبها ، كما لا يخفى.

فإنّه يقال : نعم ، ولكنّ التعليل إنّما هو بلحاظ حال قبل انكشاف الحال ، لنكتة التنبيه على حجّيّة الاستصحاب ، وأنّه كان هناك استصحاب ، مع وضوح استلزام ذلك لأن يكون المجدي بعد الانكشاف هو ذاك الاستصحاب لا الطهارة ، وإلّا لما كانت الإعادة نقضا ، كما عرفت في الإشكال.

ثمّ إنّه لا يكاد يصحّ التعليل لو قيل باقتضاء الأمر الظاهريّ للإجزاء ، كما قيل (٣) ، ضرورة أنّ العلّة عليه إنّما هو اقتضاء ذلك الخطاب الظاهريّ حال الصلاة

__________________

(١) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «فإنّها إذا لم تكن شرطا لم تكن موضوعة لحكم» ، فإنّ الضمائر البارزة والمستترة كلّها ترجع إلى الطهارة.

(٢) أي : حال الصلاة باستصحاب الطهارة.

(٣) إشارة إلى ما مرّ في التعليقة (٢) من الصفحة السابقة من الجواب عن إشكال تطبيق العلّة على المورد بوجه آخر. وهو ما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ٦٠. ـ