درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۷۵: استصحاب ۱۶

 

حيث دلّ على أنّ اليقين بالشعبان لا يكون مدخولا بالشكّ في بقائه وزواله بدخول شهر رمضان ، ويتفرّع عليه عدم وجوب الصوم (١) إلّا بدخول شهر رمضان.

وربّما يقال : إنّ مراجعة الأخبار الواردة في يوم الشكّ تشرف [على] القطع (٢) بأنّ المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان ، وأنّه لا بدّ في وجوب الصوم ووجوب الإفطار من اليقين بدخول شهر رمضان وخروجه ، وأين هذا من الاستصحاب؟! فراجع ما عقد في الوسائل (٣) لذلك من الباب تجده شاهدا عليه.

[الخبر السادس والسابع والثامن : أخبار الحلّ والطهارة]

ومنها قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (٤) ، وقوله عليه‌السلام : «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه نجس» (٥) ، وقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه

__________________

ـ وجوب الصوم ـ أو اليقين بخروجه ودخول شوّال ـ المنوط به وجوب الإفطار ـ. ويؤيّده ورود هذا المضمون في جملة من الأخبار الواردة في يوم الشكّ ، كقول أبي جعفر عليه‌السلام : «إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا ، وليس بالرأى ولا بالتظنيّ ، ولكن بالرؤية» ، وقوله عليه‌السلام : «صم للرؤية وافطر للرؤية. وايّاك والشكّ والظنّ». وسائل الشيعة ٧ : ١٨٢ و ١٨٤ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث ٢ و ١١.

(١) وفي بعض النسخ : «ويتفرّع عدم وجوب الصوم» ، وفي بعض آخر : «ويتفرّع مع عدم وجوب الصوم لا بدخول ...». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ. وفي بعض آخر : «بشرف القطع» ، وفي بعض آخر :

«يشرف على القطع». وما أثبتناه هو الصحيح.

(٣) وسائل الشيعة ٧ : ١٨٢ ، الباب ٣ من أبواب أحكام شهر رمضان.

(٤) هذا مضمون كلامه عليه‌السلام ، وإليك نصّ الرواية : «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك». وسائل الشيعة ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤.

(٥) هذا مضمون الرواية. وإليك نصّها : «كلّ ماء طاهر إلّا ما علمت أنّه قذر». وسائل الشيعة ١ : ٩٩ ، الباب ١ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٢.

وفي رواية : «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر». وسائل الشيعة ١ : ١٠٠ ، الباب ١ من أبواب الماء المطلق ، الحديث ٥.

حرام» (١).

وتقريب دلالة مثل هذه الأخبار على الاستصحاب أن يقال : إنّ الغاية فيها إنّما هي لبيان استمرار ما حكم [به] (٢) على الموضوع واقعا ـ من الطهارة والحلّيّة ـ ظاهرا (٣) ، ما لم يعلم بطروء ضدّه (٤) أو نقيضه (٥) ، لا لتحديد الموضوع ، كي يكون الحكم بهما قاعدة مضروبة لما شكّ في طهارته أو حلّيّته ؛ وذلك لظهور المغيّى فيها في بيان الحكم للأشياء بعناوينها ، لا بما هي مشكوكة الحكم ، كما لا يخفى ؛ فهو وإن لم يكن له بنفسه مساس بذيل القاعدة (٦) ولا الاستصحاب ، إلّا أنّه بغايته دلّ على الاستصحاب ، حيث إنّها ظاهرة في استمرار ذلك الحكم الواقعيّ ظاهرا ما لم يعلم بارتفاعه بطروء ضدّه أو نقيضه.

كما أنّه لو صار مغيّا لغاية ـ مثل الملاقاة بالنجاسة أو ما يوجب الحرمة ـ لدلّ على استمرار ذاك الحكم واقعا ، ولم يكن له حينئذ بنفسه ولا بغايته دلالة على الاستصحاب (٧).

__________________

(١) هذا أيضا مضمون الرواية. وإليك نصّها : «كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه». وسائل الشيعة ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٢) ما بين المعقوفتين ليس في النسخ. والأولى إثباته.

(٣) وبتعبير أوضح : إنّ الغاية في الرواية انّما هي لبيان استمرار الحكم الواقعيّ الثابت للشيء ـ من الطهارة والحلّيّة الواقعيّتين ـ ظاهرا.

فقوله : «واقعا» قيد لما حكم به على الموضوع. وقوله : «ظاهرا» قيد للاستمرار.

(٤) كما إذا علم بحرمة شيء بعد العلم بحلّيته ، حيث أنّ الحرمة والحلّيّة ضدّان.

(٥) كما إذا علم بنجاسة شيء بعد العلم بطهارته ، بناء على كون الطهارة أمرا عدميّا ، أي : عدم القذارة.

(٦) أي : قاعدة الطهارة أو قاعدة الحلّيّة.

(٧) لا يخفى : أنّ الاحتمالات المتصوّرة في دلالة مثل هذه الأخبار ستّة :

الأوّل : أن يكون المراد منها قاعدة الطهارة الظاهريّة ، وقاعدة الاستصحاب. وهذا ما ذهب إليه صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣٧٣.

الثاني : أنّ المراد منها جعل الطهارة الواقعيّة للأشياء ما لم يعلم النجاسة. وهذا مذهب المحقّق البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ١٣٦.

ولا يخفى : أنّه لا يلزم على ذلك (١) استعمال اللفظ في معنيين أصلا (٢) ؛ وإنّما يلزم لو جعلت الغاية مع كونها من حدود الموضوع وقيوده غاية لاستمرار حكمه ، لتدلّ على القاعدة والاستصحاب من غير تعرّض لبيان الحكم الواقعيّ للأشياء أصلا ، مع وضوح ظهور مثل «كلّ شيء حلال أو طاهر» في أنّه لبيان حكم الأشياء بعناوينها الأوّليّة ، وهكذا : «الماء كلّه طاهر» ، وظهور الغاية في كونها حدّا للحكم لا لموضوعه (٣) ، كما لا يخفى ، فتأمّل جيّدا.

__________________

ـ الثالث : أن يكون المراد منها جعل الاستصحاب فقط ، بأن يكون معناها : أنّ كلّ شيء طهارته مستمرّة إلى زمان العلم بنجاسته. وهذا ما يدّعيه الشيخ الأنصاريّ في خصوص رواية حمّاد. راجع فرائد الاصول ٣ : ٧٧.

الرابع : أن يكون المراد بها جعل الطهارة والحلّيّة الظاهريّتين. ويعبّر عنهما بقاعدة الطهارة وقاعدة الحلّيّة. وهذا ما ذهب إليه المشهور. وتبعه كثير من المعاصرين ، كالمحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ والسيّدين العلمين الخمينيّ والخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٤ : ٣٦٧ ، نهاية الأفكار ٤ : ٧١ ـ ٧٢ ، الرسائل ١ : ١١٣ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٨٩.

الخامس : أن يكون المراد بها الطهارة الواقعيّة والظاهريّة والاستصحاب. وهذا مختار المصنّف قدس سره في درر الفوائد : ٣١٢.

السادس : أن يكون المراد بها الطهارة الواقعيّة والاستصحاب ، بأن يكون المغيّا إشارة إلى الطهارة الواقعيّة وأنّ كلّ شيء بعنوانه الأوّلي طاهر ، ويكون قوله عليه‌السلام : «حتّى تعلم» إشارة إلى الاستصحاب واستمرار الحكم الواقعيّ ظاهرا إلى زمان العلم بالنجاسة. وهذا مختار المصنّف قدس‌سره في المقام.

وتفصيل البحث حول الاحتمالات المذكورة وبيان المناقشة فيها خارج من المقصود. وسنذكر بعض ما ورد على مختار المصنّف في المقام. وإن شئت الاطّلاع على تفاصيل ما أفاده الأعلام في المقام من النقض والإبرام فراجع فرائد الاصول ٣ : ٧٠ ـ ٧٣ ، درر الفوائد (للمصنّف) : ٣١٢ ، فوائد الاصول ٤ : ٣٦٦ ـ ٣٧٢ ، نهاية الأفكار ٤ : ٦٧ ـ ٧٥ ، الرسائل ١ : ١١١ ـ ١١٣ ، مصباح الاصول ٣ : ٦٩ ـ ٧٥ ، وغيرها من المطوّلات.

(١) أي : بناء على دلالة المغيّى على الطهارة والحلّيّة الواقعيّتين ودلالة الغاية على الاستصحاب.

(٢) لأنّ الرواية تدلّ على القاعدتين والاستصحاب بتعدّد الدالّ والمدلول ، فلا يلزم استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى.

(٣) الجملة معطوفة على قوله : «مع وضوح ظهور مثل ...». ومعنى العبارة هكذا : ومع وضوح ـ

ولا يذهب عليك أنّه بضميمة عدم القول بالفصل قطعا بين الحلّيّة والطهارة وبين سائر الأحكام لعمّ الدليل وتمّ.

ثمّ لا يخفى : أنّ ذيل موثّقة عمّار : «فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك» (١) يؤيّد ما استظهرنا منها من كون الحكم المغيّى واقعيّا ثابتا للشيء بعنوانه ، لا ظاهريّا ثابتا له بما هو مشتبه ، لظهوره في أنّه (٢) متفرّع على الغاية وحدها ، وأنّه بيان لها وحدها منطوقها ومفهومها (٣) ، لا لها مع المغيّى ، كما لا يخفى على المتأمّل (٤).

ثمّ إنّك إذا حقّقت ما تلونا عليك ممّا هو مفاد الأخبار فلا حاجة في إطالة

__________________

ـ ظهور الغاية في كونها حدّا للحكم الواقعيّ فيفيد الاستصحاب ، لا حدّا لموضوع الحكم الواقعيّ كي تدلّ على أصالة الطهارة أو أصالة الحلّ.

(١) وسائل الشيعة ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤.

(٢) الضمير في قوله : «ظهوره» و «أنّه» يرجع إلى ذيل موثّقة عمّار.

(٣) المراد من منطوقها قوله عليه‌السلام : «فإذا علمت فقد قذر». والمراد من مفهومها قوله عليه‌السلام : «وما لم تعلم فليس عليك».

(٤) لا يخفى : أنّه قد أورد بعض الأعلام على كلامه من وجوه :

منها : أنّ الموضوع في قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك طاهر» أو «حلال» إمّا أن يكون الشيء بما هو هو ، وإمّا أن يكون الشيء بوصف كونه مشكوك الحلّيّة أو مشكوك الطهارة. فعلى الأوّل يلزمه أن يكون المحمول ـ أي طاهر أو حلال ـ حكما واقعيّا ، فإنّ موضوعات الأحكام الواقعيّة انّما هي ذوات الأشياء بما هي هي ومرسلة. وعلى الثاني يلزمه أن يكون المحمول حكما ظاهريّا ، لأنّ موضوعات الأحكام الظاهريّة انّما هي ذوات الأشياء مقيّدة بكونها مشكوكة حكما. ولا يمكن أن يكون المراد منه الأعمّ من المرسل والمشكوك ، ضرورة استحالة لحاظ الشيء مقيّدا وغير مقيّد. فوائد الاصول ٤ : ٣٦٨ ، نهاية الدراية ٣ : ١٠٩.

ومنها : أنّ الحكم الظاهريّ متأخّر عن الحكم الواقعيّ رتبة ، كما أنّ الشيء المشكوك متأخّر عن الشيء المرسل رتبة ، فيكون موضوع الحكم الظاهريّ وحكمه في طول موضوع الحكم الواقعيّ وحكمه ، ولا يعقل جعلهما بانشاء واحد ولحاظهما بلحاظ واحد. فوائد الاصول ٤ : ٣٦٨.

ومنها : أنّ معنى جعل الحكم الظاهريّ هو الحكم بالبناء العمليّ عليه حتّى يعلم خلافه. ومعنى جعل الحكم الواقعيّ هو إنشاء ذاته ، لا البناء العمليّ عليه. والجمع بين هذين الجعلين ممّا لا يمكن. الرسائل (للإمام الخمينيّ) ١ : ١١٣.