درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۰: استصحاب ۳۱

 

مطلقا (١) ، لا ينبغي الإشكال فيما إذا كان مشروطا معلّقا. فلو شكّ في مورد ـ لأجل طروء بعض الحالات عليه (٢) ـ في بقاء أحكامه ، ففيما صحّ استصحاب أحكامه المطلقة صحّ استصحاب أحكامه المعلّقة ، لعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتا والشكّ في بقاء.

وتوهّم «أنّه لا وجود للمعلّق قبل وجود ما علّق عليه ، فاختلّ أحد ركنيه» (٣) ، فاسد جدا ، فإنّ المعلّق قبله إنّما لا يكون موجودا فعلا ، لا أنّه لا يكون موجودا

__________________

ـ جريانه مطلقا. راجع المناهل : ٢٥٢ ، فوائد الاصول ٤ : ٤٦٦ ، مصباح الاصول ٣ : ١٣٧ ـ ١٣٨.

ولا يخفى : أنّ المحقّق النائينيّ ذهب إلى عدم جريانه بعد ما فسّر الاستصحاب التعليقيّ بوجه آخر. وحاصله : أنّ محلّ النزاع في الاستصحاب التعليقيّ ما إذا تعلّق الحكم الكلّيّ بموضوع مركّب من جزءين عند فرض وجود أحد جزئيه ، وشكّ في بقائه من جهة تبدّل بعض حالاته قبل فرض وجود الجزء الآخر.

ثمّ استدلّ على عدم جريان الاستصحاب بأنّ فعليّة الحكم المترتّب على الموضوع المركّب متوقّفة على وجود موضوعه بتمام أجزائه ، لأنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته ، ولا يعقل تحقّق المعلول ـ وهو الحكم ـ إلّا بعد تحقّق علّته بمالها من الأجزاء ، فوجود أحد جزأي الموضوع بمنزلة العدم ، لعدم ترتّب الحكم عليه ، فلم يتحقّق حكم حتّى نشكّ في بقائه ، فلا مجال لجريان الاستصحاب. فوائد الاصول ٤ : ٤٦٣ ـ ٤٦٧.

ولكنّ التحقيق : أنّ مورد النزاع ليس ما إذا كان الحكم متعلّقا بموضوع مركّب ـ كما زعمه وزعم تلميذه المحقّق الخوئيّ في مصباح الاصول ٣ : ١٣٧ ـ ، بل الظاهر من كلماتهم أنّ محلّ النزاع هو الاستصحاب التعليقيّ بالمعنى الّذي ذكرناه. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٢ ـ ٢٢٣ ، أوثق الوسائل : ٤٧٢ و ٥٠١ ، بحر الفوائد : ١١٩ ـ ١٢٠ ، درر الفوائد (للمصنّف) : ٣٤٦.

(١) أي : كما لا إشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المتيقّن الحدوث والمشكوك البقاء حكما فعليّا غير مشروط بشرط غير حاصل.

(٢) مثل طروء حالة الزبيبيّة على العنب ، وطروء حالة رؤية الدم على المرأة.

(٣) هذا ما توهّمه صاحب الرياض على ما نسبه إليه ولده العلّامة في المناهل. قال في المناهل : «إنّه يشترط في حجّيّته ثبوت أمر أو حكم وضعيّ أو تكليفيّ في زمان من الأزمنة قطعا ، ثمّ يحصل الشكّ في ارتفاعه بسبب من الأسباب ، ولا يكفي مجرّد قابليّة الثبوت باعتبار من الاعتبارات ، فالاستصحاب التقديريّ باطل. وقد صرّح بذلك الوالد العلّامة في أثناء الدرس.

فلا وجه للتمسّك باستصحاب التحريم في المسألة». المناهل : ٦٥٢.

أصلا ولو بنحو التعليق ، كيف! والمفروض أنّه مورد فعلا للخطاب بالتحريم (١) ـ مثلا ـ أو الإيجاب (٢) ، فكان على يقين منه قبل طروء الحالة فيشكّ فيه بعده. ولا يعتبر في الاستصحاب إلّا الشكّ في بقاء شيء كان على يقين من ثبوته. واختلاف نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتا في ذلك.

وبالجملة : يكون الاستصحاب متمّما لدلالة الدليل على الحكم فيما اهمل أو اجمل ، كان الحكم مطلقا أو معلّقا ، فببركته يعمّ الحكم للحالة الطارئة اللاحقة كالحالة السابقة ، فيحكم مثلا بأنّ العصير الزبيبيّ يكون على ما كان عليه سابقا في حال عنبيّته من أحكامه المطلقة (٣) والمعلّقة (٤) لو شكّ فيها ، فكما يحكم ببقاء ملكيّته يحكم بحرمته على تقدير غليانه.

إن قلت : نعم ، ولكنّه لا مجال لاستصحاب المعلّق ، لمعارضته باستصحاب ضدّه المطلق ، فيعارض استصحاب الحرمة المعلّقة للعصير باستصحاب حلّيّته المطلقة (٥).

__________________

(١) كما يقال : «ماء العنب إذا غلى يحرم» مع أنّ ماء العنب المغلي لا يكون موجودا فعلا ، بل يكون موجودا بنحو التعليق.

(٢) كما يقال : «الصلاة واجبة على المرأة الخالية عن الحيض إذا دخل الوقت».

(٣) كملكيّته.

(٤) كحرمته.

(٥) حاصل الإشكال : أنّه لو سلّم تماميّة المقتضي لجريان الاستصحاب التعليقيّ فيشكل جريانه من جهة أنّه محفوف بالمانع دائما ، وهو استصحاب ضدّه. بيان ذلك : أنّ كلّ ما كان محكوما بالحرمة التعليقيّة ـ مثلا ـ محكوم بالحلّيّة التنجزيّة قبل حصول المعلّق عليه الحرمة ، فبعد حصوله والشكّ في حكمه يمكن استصحاب حكمه التنجيزيّ ـ وهو الحلّيّة ـ كما يمكن استصحاب حكمه التعليقيّ ـ وهو الحرمة ـ ، فيتحقّق التعارض بين الاستصحابين دائما. ففي مثال العصير الزبيبيّ كما يمكن الحكم بحرمته على تقدير الغليان بواسطة استصحاب حكمه التعليقيّ كذلك يمكن الحكم بحلّيّته المنجّزة الفعليّة المتيقّنة قبل الغليان بواسطة الاستصحاب ، فيتعارض الاستصحابان ويتساقطان ويرجع إلى قاعدة الحلّ.

قلت (١) : لا يكاد يضرّ استصحابه (٢) على نحو كان قبل عروض الحالة الّتي شكّ في بقاء الحكم المعلّق (٣) بعده ، ضرورة أنّه (٤) كان مغيّا بعدم ما علّق عليه المعلّق ، وما كان كذلك لا يكاد يضرّ ثبوته بعده بالقطع فضلا عن الاستصحاب ، لعدم المضادّة بينهما ، فيكونان بعد عروضها بالاستصحاب كما كانا معا بالقطع قبل بلا منافاة أصلا (٥) ، وقضيّة ذلك (٦) انتفاء الحكم المطلق (٧) بمجرّد ثبوت ما علّق عليه المعلّق (٨) ؛ فالغليان في المثال كما كان شرطا للحرمة كان غاية للحلّيّة ، فإذا شكّ في حرمته المعلّقة بعد عروض حالة عليه شكّ في حلّيّته المغيّاة لا محالة أيضا ، فيكون الشكّ في حلّيّته أو حرمته فعلا بعد عروضها متّحدا خارجا مع الشكّ في بقائه على ما كان عليه من الحلّيّة والحرمة بنحو كانتا عليه ، فقضيّة استصحاب حرمته المعلّقة ـ بعد عروضها (٩) الملازم لاستصحاب حلّيّته المغيّاة ـ حرمته

__________________

(١) وحاصل الجواب : أنّ الحلّيّة الثابتة لماء العنب ليست حلّيّة مطلقة ، بل تكون مغيّاة بالغليان ، فإنّ الغليان ذو جهتين : (إحداهما) كونه شرطا لحرمة ماء العنب. و (ثانيتهما) كونه غاية للحلّيّة الثابتة له. فإذا تبدّلت حالة العنب وطرأت عليه حالة الزبيبيّة يستصحب الحلّيّة المغيّاة به ، كما يستصحب الحرمة المعلّقة عليه ، ولا تعارض بين الاستصحابين ، لعدم التنافي بين الحكمين ، فإنّ مقتضى استصحاب الحلّيّة المغيّاة بالغليان هو انتفاء الحلّيّة بعد حصول الغليان ، كما أنّ مقتضى استصحاب الحرمة المعلّقة عليه هو ثبوت الحرمة بعد حصوله.

(٢) أي : استصحاب ضدّه المطلق ، وهو الحلّيّة في مثال العنب.

(٣) وفي بعض النسخ : «حكم المعلّق». والصحيح ما أثبتناه. والمراد من الحكم المعلّق هو الحرمة في مثال العنب.

(٤) أي : ضدّه المطلق ، وهو الحلّيّة في المثال المذكور.

(٥) أي : فتكون الحلّيّة المغيّاة بالغليان والحرمة المشروطة به ـ بعد طروء حالة الزبيبيّة ـ مجتمعين بالاستصحاب ، كما كانا مجتمعين بالقطع للعنب قبل طروء حالة الزبيبيّة.

(٦) أي : قضيّة كون الحلّيّة مغيّاة بالغليان وكون الحرمة مشروطة به.

(٧) وهو الحلّيّة.

(٨) أي : بمجرّد ثبوت الغليان.

(٩) الضمير في «عروضها» يرجع إلى الحالة. وقد مرّ أنّ كلمة «عروض» من الأغلاط المشهورة ويكون الصحيح : «عرض».

فعلا بعد غليانه وانتفاء حلّيّته ، فإنّه قضيّة نحو ثبوتهما ، كان بدليلهما أو بدليل الاستصحاب ، كما لا يخفى بأدنى التفات على ذوي الألباب ، فالتفت ولا تغفل (١).

[التنبيه] السادس : [استصحاب الشرائع السابقة]

لا فرق أيضا بين أن يكون المتيقّن من أحكام هذه الشريعة أو الشريعة السابقة إذا شكّ في بقائه وارتفاعه بنسخه في هذه الشريعة (٢) ، لعموم أدلّة الاستصحاب ،

__________________

(١) كيلا تقول في مقام التفصّي عن إشكال المعارضة : «إنّ الشكّ في الحلّيّة فعلا بعد الغليان يكون مسبّبا عن الشكّ في الحرمة المعلّقة» * فيشكل بأنّه لا ترتّب بينهما عقلا ولا شرعا ، بل بينهما ملازمة عقلا ، لما عرفت من أنّ الشكّ في الحلّيّة أو الحرمة الفعليّتين بعده متّحد مع الشكّ في بقاء حرمته وحلّيّته المعلّقة وأنّ قضيّة الاستصحاب حرمته فعلا وانتفاء حلّيّته بعد غليانه ، فإنّ حرمته كذلك وإن كان لازما عقلا لحرمته المعلّقة المستصحبة إلّا أنّه لازم لها ، كان ثبوتها بخصوص خطاب أو عموم دليل الاستصحاب ، فافهم ، منه [أعلى الله مقامه].

(*) هذا ما قال به الشيخ الأعظم الأنصاريّ في مقام التفصيّ عن إشكال المعارضة. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٣.

ولا يخفى : أنّ الأعلام اختلفوا في المقام ، فتفصّى عنه بعضهم بدعوى حكومة الاستصحاب التعليقيّ على الاستصحاب التنجيزيّ ، كالمحقّق النائينيّ والمحقّق العراقيّ والسيّد الإمام الخمينيّ ، فإنّ كلّ واحد منهم أفاد وجها في بيان الحكومة. وذهب بعض آخر إلى نفي الحكومة والتفصيّ بوجه آخر ، كالمحقّق الاصفهانيّ والسيّد الخوئيّ. راجع فوائد الاصول ٤ : ٤٧٣ ـ ٤٧٤ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٠ ـ ١٧١ ، الرسائل ١ : ١٧٣ ـ ١٧٥ ، نهاية الدراية ٣ : ٢٠٩ ، موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٧٠.

(٢) هذا مذهب كثير من المحقّقين ، منهم : الشيخ الأنصاريّ والمحقّق العراقيّ والوحيد البهبهانيّ ، بل عدّه المحدّث الاسترآباديّ من الضروريّات. راجع فرائد الاصول ٣ : ٢٢٥ ، الفوائد الحائريّة : ٤١٣ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، الفوائد المدنيّة : ١٤٣.

وذهب بعض آخر إلى عدم جريان الاستصحاب في المقام ، منهم : صاحب الفصول والمحقّق القمّي والمحقّق النائينيّ والسيّدان العلمان الخمينيّ والخوئيّ. راجع الفصول الغرويّة : ٣١٥ ، قوانين الاصول ١ : ٤٩٥ ، فوائد الاصول ٤ : ٤٨٠ ، الرسائل ١ : ١٧٦ ، دراسات في علم الاصول ٤ : ١٤٧ ـ ١٥١.