درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۹۴: استصحاب ۳۵

 

الشيء وحده بلحاظ أثر نفسه لم يترتّب عليه ما كان مترتّبا عليها (١) ، لعدم إحرازها حقيقة ولا تعبّدا ، ولا يكون تنزيله بلحاظه ، بخلاف ما لو كان تنزيله بلوازمه (٢) أو بلحاظ ما يعمّ آثارها ، فإنّه يترتّب باستصحابه ما كان بوساطتها (٣).

والتحقيق : أنّ الأخبار إنّما تدلّ على التعبّد بما كان على يقين منه فشكّ ، بلحاظ (٤) ما لنفسه من آثاره وأحكامه ، ولا دلالة لها بوجه على تنزيله بلوازمه الّتي لا تكون كذلك ـ كما هي محلّ ثمرة الخلاف ـ ، ولا على تنزيله بلحاظ ما له مطلقا ولو بالواسطة ، فإنّ المتيقّن إنّما هو لحاظ آثار نفسه ، وأمّا آثار لوازمه فلا دلالة هناك على لحاظها أصلا ، وما لم يثبت لحاظها بوجه أيضا لما كان وجه لترتيبها عليه باستصحابه ، كما لا يخفى.

[حجّيّة بعض مثبتات الاصول]

نعم ، لا يبعد ترتيب خصوص ما كان منها (٥) محسوبا بنظر العرف من آثار نفسه (٦) ، لخفاء ما بوساطته ، بدعوى أنّ مفاد الأخبار عرفا ما يعمّه أيضا حقيقة ، فافهم (٧).

__________________

(١) أي : على الواسطة.

(٢) أي : تنزيل الشيء مع لوازمه.

(٣) أي : بوساطة الواسطة.

(٤) متعلّق بقوله : «التعبّد».

(٥) أي : من آثار لوازم المستصحب.

(٦) أي : نفس المستصحب.

(٧) هذا هو المورد الأوّل من الموارد المستثناة من عدم حجّيّة الأصل المثبت ، وذكره الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٣ : ٢٤٤ ـ ٢٤٦ ، وهو ما إذا كان الأثر الشرعيّ من الآثار ذي الواسطة الخفيّة بحيث يعدّه العرف أثرا لنفس المستصحب ، ومثاله : استصحاب بقاء رطوبة الثوب الملاقي للأرض المتنجّسة ، فإنّ نجاسة الثوب ليست أثرا بلا واسطة لرطوبة الثوب الملاقي للأرض ، بل هي من آثار سراية النجاسة من المتنجّس إلى ملاقيه بواسطة الرطوبة ، فالسراية واسطة عقليّة بين المستصحب ـ أي الرطوبة ـ وبين النجاسة الّتي هي أثر السراية ، فيترتّب مع ذلك نجاسته باستصحاب بقاء رطوبة الثوب الملاقي للأرض المتنجّسة ، لكون الواسطة من اللوازم الخفيّة ، بحيث يرى العرف نجاسة الثوب من آثار نفس ـ

كما لا يبعد ترتيب ما كان بوساطة ما لا يمكن التفكيك عرفا بينه وبين المستصحب تنزيلا ، كما لا تفكيك بينهما واقعا ، أو بوساطة ما لأجل وضوح لزومه له أو ملازمته معه بمثابة عدّ أثره أثرا لهما ، فإنّ عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضا ليقينه بالشكّ أيضا بحسب ما يفهم من النهي عن نقضه عرفا (١) ، فافهم (٢).

__________________

ـ المستصحب ، لا من آثار السراية.

واستدلّ المصنّف قدس‌سره على استثناء هذا المورد بأنّ المتفاهم العرفيّ من أخبار حجّيّة الاستصحاب أنّ مفادها يشمل حقيقة أثر الواسطة الخفيّة كما يشمل أثر نفس المستصحب.

(١) والحاصل : أنه يستثنى أيضا من عدم حجّيّة الاصول المثبتة موردين آخرين :

الأوّل : ما أشار إليه بقوله : «ما كان بواسطة ما لا يمكن ...». وهو ما إذا كانت الواسطة بمثابة يمتنع التفكيك بينها وبين ذيها تنزيلا ، كما يمتنع التفكيك بينهما واقعا ، كالعلّة التامّة ومعلولها ، فإنّ التعبّد بالعلّة يستلزم التعبّد بالمعلول ، أو كالمتضايفين ، فإنّ التعبّد بأبوّة زيد لعمرو ملازم عرفا للتعبّد ببنوّة عمرو لزيد.

الثاني : ما أشار إليه بقوله : «أو بوساطة ما لأجل ...». وهو ما إذا كانت الواسطة بمثابة يمتنع عرفا التفكيك بينها ويبن ذيها تنزيلا ، وإن لم يستحيل الانفكاك بينهما واقعا ، كما إذا كان لزوم الواسطة للمستصحب أو ملازمته معه واضحا جدّا ، بحيث يعدّ أثر الواسطة أثرا لهما. ومثاله : ضوء الشمس الّذي هو لازم بقاء قرص الشمس في قوس النهار ، فيترتّب على المستصحب ـ وهو بقاء قرص الشمس ـ الأثر الشرعيّ المترتّب على ضوء الشمس ، وهو طهارة البواري المجفّفة بضوئها.

فالفرق بين الموردين أنّ في المورد الأوّل يمتنع التفكيك عرفا وواقعا ، وفي المورد الثاني إنّما يمتنع التفكيك عرفا ، ضرورة أنّه يمكن انفكاك ضوء الشمس عن بقاء قرصها واقعا.

(٢) لعلّه إشارة إلى ما أورده المحقّق النائينيّ والمحقّق الأصفهانيّ على حجّيّة مثبتات الاصول في الموارد الثلاثة.

أمّا المحقّق النائينيّ : فأورد على استثناء المورد الأوّل بما حاصله : أنّه لا عبرة بنظر العرف والمسامحات العرفيّة في المقام ، فإنّ نظر العرف انّما يكون متّبعا في تعيين مفهوم اللفظ عند الشكّ فيه أو في ضيقه وسعته مع العلم بأصله في الجملة ، كما يكون متّبعا في تشخيص مقوّمات الموضوع بحسب ما هو المرتكز في ذهنه من مناسبة الحكم والموضوع.

ولا يجوز الرجوع إلى العرف والأخذ بمسامحتهم في التطبيق بعد تعيين المفهوم. وعليه فإن ـ

[الوجه في اعتبار مثبتات الأمارات دون الاصول]

ثمّ لا يخفى وضوح الفرق بين الاستصحاب وسائر الاصول التعبّديّة وبين الطرق والأمارات ، فإنّ الطريق والأمارة حيث إنّه كما يحكي عن المؤدّى ويشير إليه كذا يحكي عن أطرافه ـ من ملزومه ولوازمه وملازماته ـ ويشير إليها ، كان مقتضى إطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها ، وقضيّته (١) حجّيّة المثبت منها كما لا يخفى ؛ بخلاف مثل دليل الاستصحاب ، فإنّه لا بدّ من الاقتصار بما فيه من الدلالة على التعبّد بثبوته ، ولا دلالة له إلّا على التعبّد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسبما عرفت ، فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الاصول التعبّديّة إلّا فيما عدّ أثر الواسطة أثرا له ، لخفائها أو لشدّة وضوحها وجلائها حسبما

__________________

ـ كان المراد من خفاء الواسطة أنّ العرف يستظهر من الأدلّة أنّ الحكم الشرعيّ ثابت لذي الواسطة وتكون الواسطة من علل ثبوت الحكم لذيها فهو يرجع إلى ثبوت الحكم لذي الواسطة حقيقة. وإن كان المراد منه أنّ الحكم الشرعيّ ثابت للواسطة حقيقة لكن لخفائها يرون العرف أنّه حكم ذيها من باب التسامح في التطبيق فهو ممّا لا عبرة. فوائد الاصول ٤ : ٤٩٤ ، أجود التقريرات ٢ : ٤١٩.

وأمّا المحقّق الاصفهانيّ : فأورد على الموردين الأخيرين اللذين زادهما المصنّف قدس‌سره. وحاصله : أنّ دعوى حجّيّة الأصل المثبت في الموردين صحيحة من حيث الكبرى ، فإنّه لو ثبتت الملازمة في التعبّد في مورد فلا إشكال في الأخذ بها ، إلّا أنّ الإشكال في صغرى ما أفاده ، لعدم ثبوت هذه الملازمة في مورد من الموارد. أمّا مورد العلّة والمعلول ومورد المتضائفين فهما خارجان عن محلّ الكلام ، لأنّ اليقين بحدوث العلّة التامّة يستلزم اليقين بالمعلول ، فيكون كلّ من العلّة والمعلول مجرى الاستصحاب مستقلّا ؛ وهكذا المتضائفان ، لأنّهما متكافئان ، فاليقين بالابوّة يستلزم اليقين بالبنوّة ، فيكون كلاهما مجرى الاستصحاب. نهاية الدراية ٣ : ٢٢٥ ـ ٢٢٦.

وتبعهما السيّد المحقّق الخوئيّ ، فأورد على استثناء الموارد الثلاثة بما أورد المحقّقان النائينيّ والأصفهانيّ. فراجع موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ١٩٠ ـ ١٩٣.

(١) أي : مقتضى لزوم تصديق الأمارات في حكايتها عن أطرافه من الملزوم واللازم والملازم.