درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۰۱: استصحاب ۴۲

 

زمان حدوث الآخر (١) ، لعدم اليقين بحدوثه كذلك في زمان (٢) ، [بل قضيّة الاستصحاب عدم حدوثه كذلك ، كما لا يخفى] (٣).

وكذا فيما كان مترتّبا على نفس عدمه في زمان الآخر واقعا ، وإن كان على يقين منه في آن قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما (٤) ، لعدم إحراز اتّصال زمان شكّه ـ وهو زمان حدوث الآخر ـ بزمان يقينه ، لاحتمال انفصاله عنه باتّصال حدوثه به.

وبالجملة (٥) : كان بعد ذاك الآن ـ الّذي قبل زمان اليقين بحدوث أحدهما ـ

__________________

(١) كما إذا كانت الطهارة ـ في المثال المذكور ـ مترتّبة على الملاقاة المتّصفة بالعدم في زمان حدوث كرّيّة الماء.

وفي بعض النسخ هكذا : «مترتّبا على ثبوته للحادث ، بأن يكون الأثر للحادث المتّصف ...». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) ضرورة أنّه لا يقين بثبوت الملاقاة متّصفة بهذه الصفة السلبيّة ، بل مقتضى الاستصحاب عدم حدوث الملاقاة كذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع.

وذهب السيّد الخوئيّ إلى جريان الاستصحاب في هذه الصورة أيضا ، بدعوى جريان الاستصحاب في عدم الاتّصاف وإن لم يجر في عدم الوصف. فراجع كلامه في موسوعة الإمام الخوئيّ (مصباح الاصول) ٤٨ : ٢١٧.

وذهب السيّد الإمام الخميني إلى أنّ هذه الصورة مورد جريان الاستصحاب في نفسها ، وعدم جريانه انّما هو بمعارضته عدم الآخر في زمانه. الرسائل ١ : ١٩٢.

(٣) ما بين المعقوفتين ليس في بعض النسخ.

(٤) هذه هي الصورة الرابعة من الصور الأربعة الرئيسة. وهي : ما إذا كان الأثر مترتّبا على عدم أحدهما في زمان الآخر على نحو مفاد ليس التامّة.

مثاله : ما إذا علمنا بموت الوالد وإسلام الولد ، ولم نعلم تقدّم أحدهما على الآخر ، والمفروض إناطة إرث الولد بالإسلام قبل موت الوالد ، فيكون الحكم بالإرث مترتّبا على عدم موت الوالد في زمان حدوث إسلام الولد.

(٥) وإن شئت قلت : إنّ عدمه الأزليّ المعلوم قبل الساعتين وإن كان في الساعة الاولى منهما مشكوكا ، إلّا أنّه حسب الفرض ليس موضوعا للحكم والأثر ، وإنّما الموضوع هو عدمه الخاصّ ، وهو عدمه في زمان حدوث الآخر المحتمل كونه في الساعة الاولى المتّصلة بزمان يقينه أو الثانية المنفصلة عنه ، فلم يحرز اتّصال زمان شكّه بزمان يقينه ، ولا بدّ منه في صدق لا تنقض ـ

__________________

ـ اليقين بالشكّ. فاستصحاب عدمه إلى الساعة الثانية لا يثبت عدمه في زمان حدوث الآخر إلّا على الأصل المثبت فيما دار الأمر بين التقدّم والتأخّر فتدبّر. منه [أعلى الله مقامه].

وتوضيح كلامه ـ متنا وهامشا ـ : أنّه لا بدّ من فرض أزمنة ثلاثة :

الأوّل : زمان اليقين بعدم حدوث كلّ من الحادثين. مثلا : نفرض أنّ الوالد كان حيّا في يوم الخميس ، وابنه كان كافرا فيه ، فعدم موت الوالد المورّث وعدم إسلام الولد الوارث كلاهما متيقّن يوم الخميس.

الثاني : زمان حدوث أحدهما. مثلا : نفرض أنّ يوم الجمعة إمّا مات المورّث ، وإمّا أسلم الوارث.

الثالث : زمان حدوث الآخر. مثلا : نفرض أنّ يوم السبت زمان حدوث ما لم يحدث في يوم الجمعة ، وهو إمّا موت المورّث فيما إذا كان إسلام الوارث في يوم الجمعة ، وإمّا إسلام الوارث فيما إذا كان موت المورّث في يوم الجمعة.

فكلّ منهما يحتمل حدوثه في الآن الثاني والآن الثالث. وزمان الشكّ في أحدهما هو زمان وجود الآخر ، وهو مردّد بين الآن الثاني والآن الثالث. فإن كان الآن الثاني كان زمان الشكّ متّصلا بزمان اليقين ، وإن كان الآن الثالث كان زمان الشكّ منفصلا عن زمان اليقين ، مثلا : إن كان زمان حدوث موت الوالد المورّث هو يوم الجمعة فزمان الشكّ متّصل بزمان اليقين ، وإن كان يوم السبت فزمان الشكّ غير متّصل بزمان اليقين ، لأنّ زمان اليقين بعدم موته يوم الخميس وزمان الشكّ يوم السبت ، فيوم الجمعة فاصل بين زمان اليقين وزمان الشكّ ؛ وهكذا الكلام بالنسبة إلى إسلام الولد الوارث. فلم يحرز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين ، ومعه لا مجال للتمسّك بعموم دليل حجّيّة الاستصحاب ، فإنّ بمجرّد احتمال الانفصال تصير الشبهة مصداقيّة ، حيث لم يحرز مع احتمال الانفصال كون رفع اليد عن اليقين بعدم حدوثه بهذا الشكّ من أفراد نقض اليقين بالشكّ.

ولا يخفى : أنّ كلام المصنّف قدس‌سره في المقام لا يخلو من إغلاق. ولأجل ذلك فسّره كلّ واحد من الأعلام الثلاثة بتفسير غير ما فسّره به الآخر ، ثمّ أوردوا عليه بمقتضى ما فسّروه به.

أمّا المحقّق النائينيّ : ففسّر عبارة الكتاب بعين ما ذكرناه. ثمّ أورد عليه بما حاصله : أنّه لا مجال للتردّد في حصول الاتّصال وعدمه ، لأنّ الشكّ واليقين من الصفات الوجدانيّة الّتي لا تقبل التردّد ، فلا بدّ إمّا من إحراز اتّصالهما أو إحراز انفصالهما ، فلا معنى لحصول الشبهة المصداقيّة بالنسبة إلى الشكّ واليقين. نعم ، لو كان مفاد «لا تنقض» هو المنع عن انتقاض المتيقّن بالمشكوك ـ لا اليقين بالشكّ ـ فللتردّد في حصول الاتّصال وعدمه مجال ، لكونهما ـ

__________________

ـ من الصفات الواقعيّة الّتي تقبل الشكّ. أجود التقريرات ٢ : ٤٢٨ ـ ٤٢٩.

نعم ، أفاد في الدورة الاخرى أنّ الاستصحاب لا يجرى في هذه الصورة ، لعدم اليقين بعدم الوجود المقيّد في الزمان السابق. فوائد الاصول ٤ : ٥١٩ ـ ٥٢١.

وتبعه تلميذه السيّد المحقّق الخوئيّ ، ففسّر كلام المصنّف رحمه‌الله بما فسّر ، ثمّ أورد عليه بأنّه لا يعتبر في الاستصحاب سبق اليقين على الشكّ ، لصحّة جريان الاستصحاب مع حدوثهما معا ، وإنّما المعتبر تقدّم زمان المتيقّن على زمان المشكوك فيه ، بأن يكون المتيقّن هو الحدوث والمشكوك فيه هو البقاء. مصباح الاصول ٣ : ١٨٢.

وأمّا المحقّق الأصفهاني : ففسّر عبارة الكتاب ـ على ما يظهر من إيراده عليه ـ بأنّ المراد من اليقين والشكّ في كلام المصنّف رحمه‌الله هو المتيقّن والمشكوك ، فمراده اعتبار اتّصال المشكوك بالمتيقّن زمانا ، إذ بدون الاتّصال لا يصدق النقص المنهي عنه ، فإنّ النقض إنّما يصدق فيما إذا كان متعلّق الشكّ واليقين قطع النظر عن اختلافهما زمانا أمرا واحدا ، ومع انفصال زمان المشكوك عن زمان المتيقّن لا يكونان كذلك ، فإذا شكّ في الاتّصال شكّ في صدق النقص ، فتكون الشبهة مصداقيّة ويمتنع التمسّك بعموم «لا تنقض» فيها.

ثمّ أورد عليه بأنّ المعتبر هنا إنّما هو اتّصال زمان المشكوك بما هو مشكوك بزمان المتيقّن بما هو متيقّن ، لا اتّصال زمان ذات المشكوك بزمان ذات المتيقّن ، لأنّ تحقّق ركني الاستصحاب لا يتوقّف على ثبوت المتيقّن والمشكوك واقعا ، بل إنّما يتوقّف على كون المتيقّن حاصلا في افق اليقين وكون المشكوك حاصلا في افق الشكّ. وعليه فيكون المعتبر هو اتّصال زمان المشكوك بما هو مشكوك بالمتيقّن بما هو متيقّن ، وهو محرز في المقام ، لأنّ المشكوك هو عدم موت المورّث في زمان إسلام الوارث ، وهو حاصل في الزمان الثاني ـ أي يوم الجمعة ـ ، فالآن الثاني زمان الشكّ أيضا ، فلا ينفصل زمان الشكّ عن زمان اليقين. نهاية الدراية ٣ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦.

وأمّا المحقّق العراقيّ : فأفاد في تفسير كلام المصنّف رحمه‌الله بما حاصله : أنّ في فرض العلم بحدوث الحادثين ـ أحدهما موت المورّث ، والآخر إسلام الوارث ـ والشكّ في المتقدّم والمتأخّر لا بدّ من فرض أزمنة ثلاثة : (أحدها) يوم الخميس ، وهو يوم اليقين بعدمهما. (ثانيها) يوم الجمعة ، وهو يوم العلم بحدوث أحدهما فيه إجمالا. (ثالثها) يوم السبت ، وهو زمان اليقين بتحقّق الحادثين مع العلم الإجماليّ بكونه ظرفا لحدوث أحدهما ، إمّا موت المورّث وإمّا إسلام الوارث. فكان هناك علمان إجماليّان :

أحدهما : العلم الإجماليّ بحصول موت المورّث في الزمان الثاني ـ أي يوم الجمعة ـ

زمانان ، أحدهما زمان حدوثه ، والآخر زمان حدوث الآخر وثبوته الّذي يكون ظرفا للشكّ في أنّه فيه أو قبله ، وحيث شكّ في أنّ أيّهما مقدّم وأيّهما مؤخّر لم يحرز اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين ، ومعه لا مجال للاستصحاب حيث لم يحرز معه كون رفع اليد عن اليقين بعدم حدوثه بهذا الشكّ من نقض اليقين بالشكّ.

__________________

ـ أو الثالث ـ أي يوم السبت ـ على البدل.

ثانيهما : العلم الإجماليّ بحصول إسلام الوارث في أحد الزمانين على البدل.

وعليه فلا مجال لاستصحاب عدم إسلام الوارث المعلوم يوم الخميس إلى زمان موت مورّثه ، لاحتمال أن يكون زمان موته يوم السبت ويكون زمان إسلام الولد يوم الجمعة ، فينتقض يقينه السابق بعدم إسلامه باليقين اللاحق بإسلامه ، فلا يحرز اتّصال زمان اليقين بعدم إسلامه ـ وهو يوم الخميس ـ بزمان الشكّ فيه ، وهو يوم السبت. وهكذا لا مجال لاستصحاب عدم موت المورّث إلى زمان إسلام الوارث ، لاحتمال كون زمان إسلامه يوم السبت وكون زمان موته يوم الجمعة ، فيحتمل انتقاض اليقين السابق بعدم الموت في يوم الخميس باليقين اللاحق بالموت يوم الجمعة. وحينئذ لا يحرز اتّصال زمان اليقين بعدم الموت بزمان الشكّ في الموت ، بل يحتمل انفصالهما باليقين الإجماليّ الناقض.

وبالجملة : فيحتمل أن يكون المورد من موارد ذيل الرواية : «ولكن انقضه باليقين الآخر» ، فلا يصحّ الرجوع إلى عموم «لا تنقض» لكون الشبهة مصداقيّة.

ثمّ أورد عليه بأنّ العلم الإجماليّ بارتفاع المستصحب في أحد الزمانين ـ الثاني والثالث ـ لا يصلح للفصل بين اليقين بالمستصحب والشكّ في بقائه في زمان يحتمل وجود الحادث الآخر ، لاستحالة انطباق المعلوم بالإجمال بما هو معلوم بالإجمال على الزمان الثاني الّذي هو أحد طرفي العلم ، ضرورة أنّ العلم الإجماليّ ـ كجميع الصفات الوجدانيّة ـ إنّما يتعلّق بالصورة الذهنيّة للشيء ، ولا يسري إلى الصورة الخارجيّة ، بل الصورة الخارجيّة في نفسها مشكوكة ، فلا يعقل احتمال الفصل باليقين الإجماليّ بين زمان اليقين بعدم المستصحب والزمان الّذي يراد جرّ المستصحب إليه. نهاية الأفكار ٤ : ٢١٠ ـ ٢١١.

نعم ، أنّه وافق المصنّف رحمه‌الله في عدم جريان الاستصحاب في هذه الصورة ، ولكن استدلّ عليه بوجه آخر ، فراجع نهاية الأفكار ٤ : ٢٠٧ ـ ٢٠٩.

وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ ، فاستظهر تفسير كلام المصنّف رحمه‌الله بما فسّره المحقّق العراقيّ ، ثمّ أورد عليه المصنّف رحمه‌الله بأنّ احتمال انفصال العلم بالحدوث بينهما مقطوع البطلان ، لأنّه مساوق لاحتمال كون المشكوك فيه متيقّنا وكون الشكّ يقينا وكون المعلوم بالإجمال معلوما تفصيليّا ، وكلّ ذلك ضروريّ البطلان. الرسائل ١ : ١٩٥ ـ ١٩٧.