درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۱: تعارض الدلیلین ۴

 

والأمارة إلّا بما أشرنا سابقا وآنفا ، فلا تغفل. هذا.

ولا تعارض أيضا إذا كان أحدهما قرينة على التصرّف في الآخر ، كما في الظاهر مع النصّ أو الأظهر ، مثل العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد أو مثلهما ممّا كان أحدهما نصّا أو أظهر ، حيث إنّ بناء العرف على كون النصّ أو الأظهر قرينة على التصرّف في الآخر.

وبالجملة : الأدلّة في هذه الصور وإن كانت متنافية بحسب مدلولاتها ، إلّا أنّها غير متعارضة ، لعدم تنافيها في الدلالة وفي مقام الإثبات بحيث يبقى أبناء المحاورة متحيّرة ، بل بملاحظة المجموع أو خصوص بعضها يتصرّف في الجميع أو في البعض عرفا بما ترتفع به المنافاة الّتي تكون في البين.

ولا فرق فيها (١) بين أن يكون السند فيها قطعيّا أو ظنّيّا أو مختلفا ، فيقدّم النصّ أو الأظهر ـ وإن كان بحسب السند ظنّيّا ـ على الظاهر ولو كان بحسبه قطعيّا.

وإنّما يكون التعارض في غير هذه الصور ممّا كان التنافي فيه بين الأدلّة بحسب الدلالة ومرحلة الإثبات.

وإنّما يكون التعارض بحسب السند فيما إذا كان كلّ واحد منها قطعيّا دلالة وجهة ، أو ظنّيّا فيما إذا لم يمكن (٢) التوفيق بينها بالتصرّف في البعض أو الكلّ ، فإنّه حينئذ لا معنى للتعبّد بالسند في الكلّ ، إمّا للعلم بكذب أحدها (٣) ، أو لأجل أنّه لا معنى للتعبّد بصدورها مع إجمالها ، فيقع التعارض بين أدلّة السند حينئذ ، كما لا يخفى.

__________________

(١) أي : في تلك الموارد الّتي قلنا بخروجها عن باب التعارض.

(٢) وفي بعض النسخ : «لم يكن». والصحيح ما أثبتناه.

(٣) وفي بعض النسخ : «أحدهما». والصحيح ما أثبتناه.

فصل

[الأصل الأوّليّ في المتعارضين] (١)

[الأصل الأوّلي بناء على الطريقيّة]

التعارض وإن كان لا يوجب إلّا سقوط أحد المتعارضين عن الحجّيّة رأسا (٢) حيث لا يوجب إلّا العلم بكذب أحدهما ، فلا يكون هناك مانع عن حجّيّة الآخر (٣) ، ـ إلّا أنّه حيث كان بلا تعيين ولا عنوان واقعا ، فإنّه لم يعلم كذبه إلّا كذلك (٤) ، واحتمال كون كلّ منهما كاذبا (٥) ،

__________________

(١) قال السيّد المحقّق الخوئيّ : «ولا يخفى : أنّه لا ثمرة لتأسيس الأصل بالنسبة إلى الأخبار [الآحاد] ، إذ الأخبار العلاجيّة متكفّلة لبيان حكم تعارض الأخبار الآحاد ، ولا ثمرة للأصل مع وجود الدليل. نعم ، الأصل يثمر في تعارض غير الأخبار ، كما إذا وقع التعارض بين آيتين من حيث الدلالة أو بين الخبرين المتواترين كذلك ، بل يثمر في تعارض الأمارات في الشبهات الموضوعيّة ، كما إذا وقع التعارض بين بيّنتين ، أو بين فردين من قاعدة اليد ، كما في مال كان تحت استيلاء كلا المدّعيين». مصباح الاصول ٣ : ٣٦٥.

(٢) في كلّ من الدلالة المطابقيّة والالتزاميّة.

(٣) هكذا في النسخ. ولكن الصحيح أن يقول : «فلا يكون هناك مانع عن المقتضي لحجّيّة الخبرين» ، ضرورة أنّ المقتضي للحجّيّة احتمال الإصابة ، وهو موجود في كلا الخبرين ، كما أنّ المانع عن الحجّيّة هو العلم الإجماليّ بكذب أحدهما ، وهو أيضا متساوي النسبة إلى كليهما ، فالعلم الإجماليّ مانع عن حجّيّة الآخر ، كما صرّح المصنّف رحمه‌الله بذلك بعد أسطر.

(٤) أي : فإنّ المعلوم كذبه لا تعيين ولا عنوان له إلّا عنوان «أحدهما» ، ومثل هذا العنوان في حكم عدم العنوان.

(٥) هذه الجملة إمّا معطوفة على قوله : «كذلك» ، فيكون معناها : لم يعلم كذبه إلّا باحتمال ـ

لم يكن (١) واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه (٢) ، لعدم التعيّن في الحجّة أصلا (٣) ، كما لا يخفى.

نعم ، يكون نفي الثالث بأحدهما ، لبقائه على الحجّيّة وصلاحيّته ـ على ما هو عليه من عدم التعيّن ـ لذلك (٤) ، لا بهما (٥).

__________________

ـ كون كلّ منهما كاذبا ؛ وإمّا معطوفة على قوله : «بلا تعيين ولا عنوان واقعا» ، فيكون معناها : وحيث كان باحتمال كون كلّ منهما كاذبا.

(١) جواب قوله : «حيث كان».

(٢) فيكون الأصل في كلّ منهما هو التساقط بالنسبة إلى خصوص مؤدّاه.

وتبعه في ذلك أكثر المتأخّرين ، منهم : الأعلام الثلاثة والسيّدان العلمان ، فراجع فوائد الاصول ٤ : ٧٥٥ ، نهاية الأفكار ٤ : ١٧٤ ـ ١٧٥ ، نهاية الدراية ٣ : ٣٣٣ ، الرسائل (للإمام الخمينيّ) ٢ : ٣٩ ، مصباح الاصول ٣ : ٣٦٥ ـ ٣٦٧.

(٣) وفي بعض النسخ : «لعدم التعيين في الحجّيّة أصلا» ، وفي بعض آخر : «لعدم التعيّن في الحجّيّة أصلا». والأولى أن يقول : «لعدم تعيين الحجّة أصلا».

(٤) قوله : «لذلك» متعلّق بقوله : «صلاحيّته». والمشار إليه هو النفي الثالث.

(٥) توضيحه : أنّه وقع الكلام في نفي الثالث بالدليلين المتعارضين بمقتضى مدلولهما الالتزاميّ بعد سقوطهما عن الحجّيّة بالنسبة إلى خصوص مؤدّاهما المطابقيّين ، فإذا دلّ دليل على وجوب شيء والآخر على حرمته فهل يصحّ نفي الثالث ـ وهو الإباحة مثلا ـ بأحدهما لا بعينه ، أو يصحّ نفيه بهما معا بما هما حجّتان ، أو يصحّ نفيه بذات الخبرين لا بما هما حجّتان ، أو لا يصحّ نفيه بهما مطلقا؟ فيه أقوال :

الأوّل : أنّه يصحّ نفي الثالث بأحدهما غير المعيّن ، لأن العلم الإجماليّ بكذب أحدهما مانع عن شمول دليل التعبّد لكلّ من المتعارضين ، ولازمه خروج أحدهما عن تحت دليل التعبّد مطلقا بما له من المدلول المطابقيّ والالتزاميّ ، وبقاء الآخر في تحته إجمالا بلا تعيين وعنوان ، فيصحّ نفي الثالث بالآخر الباقي تحت دليل التعبّد إجمالا ، لا بهما. وهذا ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله في المقام ، وتبعه السيّد الإمام الخمينيّ في الرسائل ٢ : ٤١.

الثاني : أنّه يصحّ نفي الثالث بهما بما هما حجّتان. واستدلّ عليه بوجهين :

أحدهما : ما ذكره المحقّق العراقيّ. وحاصله : أنّ مجرّد العلم الإجماليّ بكذب أحد المتعارضين لا يمنع عن شمول دليل الحجّيّة والتعبّد لكلّ واحد من المتعارضين ، إلّا على القول بسراية العلم إلى الخارج ، وهو ممنوع ، لأنّ متعلّق العلم هو الصورة الإجماليّة ، وهذا لا يسري إلى صورة اخرى ولا إلى الخارج ، فلا مانع حينئذ من الأخذ بمدلولها الالتزاميّ ـ

هذا بناء على حجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة ـ كما هو كذلك ـ ، حيث لا يكاد يكون حجّة طريقا إلّا ما احتمل إصابته ، فلا محالة كان العلم بكذب أحدهما مانعا عن حجّيّته (١).

[الأصل الأوّليّ بناء على السببيّة]

وأمّا بناء على حجّيّتها من باب السببيّة فكذلك (٢) لو كان الحجّة هي خصوص ما لم يعلم كذبه ، بأن لا يكون المقتضي للسببيّة فيها (٣) إلّا فيه (٤) ، كما هو (٥) المتيقّن

__________________

ـ بالنسبة إلى نفي الثالث فيما إذا لا يلزم منه مخالفة عمليّة للمعلوم بالإجمال. نهاية الأفكار ٤ (القسم الثاني) : ١٧٦.

ثانيهما : ما ذكره المحقّق النائينيّ. وحاصله : أنّ الدلالة الالتزاميّة فرع الدلالة المطابقيّة في الوجود ، لا في الحجّيّة ، فإنّ اللازم تابع للملزوم بحسب مقام الثبوت والإثبات ، وليس تابعا له في الحجّيّة كي يكون سقوط شيء عن الحجّيّة في الملزوم موجبا لسقوطه عن الحجّيّة في اللازم. وعليه فإذا سقط الدليلان عن الحجّيّة بالنسبة إلى مؤدّاهما المطابقيّ للمعارضة لا يلزم سقوطهما عن الحجّيّة بالنسبة إلى مدلولهما الالتزاميّ ـ أي نفي الثالث ـ ، لعدم المعارضة بينهما في نفيه. فلو كان مفاد أحد المتعارضين وجوب الدعاء عند رؤية الهلال وكان مفاد الآخر حرمة الدعاء في ذلك الوقت فبالنسبة إلى نفي الكراهة والإباحة والاستحباب عن الدعاء عند رؤيته يتوافقان. فوائد الاصول ٤ : ٧٥٥ ـ ٧٥٦.

الثالث : أنّه يصحّ نفي الثالث بذات الخبرين ، لا بما هما حجّتان. وهذا ما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٣ : ٣٣٤.

الرابع : أنّه لا يصحّ نفي الثالث مطلقا ، لا بأحدهما غير المعيّن ولا بهما ، بل يصحّ الالتزام بحكم ثالث بعد تساقط الدليلين ، ولو بالأصل ، فيحكم بالإباحة لأصالة عدم الوجوب والحرمة. وهذا ما ذهب إليه السيّد المحقّق الخوئيّ ـ بعد ما ناقض في كلام المصنّف رحمه‌الله والمحقّق النائينيّ ـ ، فراجع مصباح الاصول ٣ : ٣٦٧ ـ ٣٧٠.

(١) وأورد عليه المحقّق العراقيّ بما مرّ في التعليقة السابقة ، فراجع.

(٢) أي : لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه ، وإنّما يمكن نفي الثالث بأحدهما.

(٣) أي : في الأمارات.

(٤) أي : فيما لم يعلم كذبه.

(٥) أي : كون الحجّة خصوص ما لم يعلم كذبه.