درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۲۴: تعارض الدلیلین ۷

 

وأمّا لو كان المقتضي للحجّيّة في كلّ واحد من المتعارضين لكان التعارض بينهما من تزاحم الواجبين فيما إذا كانا مؤدّيين إلى وجوب الضدّين (١) أو لزوم المتناقضين (٢) ، لا فيما إذا كان مؤدّى أحدهما حكما غير إلزاميّ ، فإنّه حينئذ لا يزاحم الآخر ، ضرورة عدم صلاحيّة ما لا اقتضاء فيه أن يزاحم به ما فيه الاقتضاء.

إلّا أن يقال : بأنّ قضيّة اعتبار دليل غير الإلزاميّ أن يكون عن اقتضاء ، فيزاحم به(٣) حينئذ ما يقتضي الإلزاميّ ، ويحكم فعلا بغير الإلزاميّ ، ولا يزاحم بمقتضيه ما يقتضي غير الإلزاميّ ، لكفاية عدم تماميّة علّة الإلزاميّ في الحكم بغيره.

نعم ، يكون باب التعارض من باب التزاحم مطلقا لو كان قضيّة الاعتبار هي لزوم البناء والالتزام بما يؤدّي إليه من الأحكام ، لا مجرّد العمل على وفقه بلا لزوم الالتزام به.

وكونهما من تزاحم الواجبين حينئذ وإن كان واضحا ، ضرورة عدم إمكان الالتزام بحكمين في موضوع واحد من الأحكام ، إلّا أنّه لا دليل نقلا ولا عقلا على الموافقة الالتزاميّة للأحكام الواقعيّة فضلا عن الظاهريّة ، كما مرّ تحقيقه (٤).

وحكم التعارض بناء على السببيّة فيما كان من باب التزاحم هو التخيير لو لم يكن أحدهما معلوم الأهمّيّة أو محتملها في الجملة ، حسبما فصّلناه في مسألة الضدّ (٥) ، وإلّا فالتعيين. وفيما لم يكن من باب التزاحم هو لزوم الأخذ بما دلّ على الحكم الإلزاميّ لو لم يكن في الآخر مقتضيا (٦) لغير الإلزاميّ (٧) ، وإلّا

__________________

(١) كما إذا دلّ أحد الدليلين على وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ، والآخر على وجوب الصلاة.

(٢) كما إذا دلّ أحد الدليلين على حرمة ذبيحة الكتابي ، والآخر على حلّيّتها.

(٣) أي : بغير الإلزاميّ.

(٤) راجع الجزء الثاني : ٢٥٧.

(٥) لا يخفى : أنّه لم يقدّم منه في مسألة الضدّ تفصيل ولا إجمال بالنسبة إلى تقديم محتمل الأهمّيّة.

(٦) هكذا في النسخ. والصحيح أن يقول : «لو لم يكن في الآخر مقتض ...».

(٧) وفي بعض النسخ : «للغير الإلزاميّ».

فلا بأس بأخذه والعمل عليه ، لما أشرنا إليه من وجهه آنفا ، فافهم.

هذا هو قضيّة القاعدة في تعارض الأمارات ، لا الجمع بينها بالتصرّف في أحد المتعارضين أو في كليهما ، كما هو (١) قضيّة ما يتراءى ممّا قيل (٢) من «أنّ الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» ، إذ لا دليل عليه فيما لا يساعد عليه العرف ممّا كان المجموع (٣) أو أحدهما قرينة عرفيّة على التصرّف في أحدهما بعينه أو فيهما ، كما عرفته في الصور السابقة ؛ مع أنّ في الجمع كذلك أيضا طرحا للأمارة أو الأمارتين ، ضرورة سقوط أصالة الظهور في أحدهما أو كليهما معه.

وقد عرفت (٤) أنّ التعارض بين الظهورين فيما كان سنداهما قطعيّين ، وفي السندين إذا كانا ظنّيين. وقد عرفت (٥) أنّ قضيّة التعارض إنّما هي سقوط المتعارضين في خصوص كلّ ما يؤدّيان إليه من الحكمين ، لا بقاؤهما على الحجّيّة بما يتصرّف فيهما أو في أحدهما ، أو بقاء سنديهما عليها كذلك بلا دليل يساعد عليه من عقل أو نقل.

فلا يبعد أن يكون المراد ، من إمكان الجمع هو إمكانه عرفا. ولا ينافيه الحكم بأنّه أولى مع لزومه حينئذ وتعيّنه ، فإنّ أولويّته ، من قبيل الأولويّة في اولي الأرحام ، وعليه لا إشكال فيه ولا كلام.

__________________

(١) أي : الجمع بينهما.

(٢) والقائل هو ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي ٤ : ١٣٦ ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٣٩.

(٣) لا يخفى : أنّ مقتضى سياق عبارة المصنّف رحمه‌الله أنّ قوله : «ممّا كان المجموع» بيان ل «ما» الموصولة في قوله : «فيما لا يساعد». مع أنّه ليس كذلك ، لأنّ كون المجموع أو أحدهما قرينة عرفيّة على التصرّف ممّا يساعد عليه العرف ، لا ممّا لا يساعد عليه العرف. فالصواب أن يقول : «إذ لا دليل عليه إلّا فيما يساعد عليه العرف ممّا كان المجموع ...».

(٤) لم يذكر المصنّف رحمه‌الله في الفصل السابق حكم تعارض الدليلين فيما كان سنداهما قطعيّين.

(٥) في أوّل هذا الفصل ، حيث قال : «لم يكن واحد منهما بحجّة في خصوص مؤدّاه».