درس کفایة الاصول - اصول عملیه و تعارض

جلسه ۱۳۰: تعارض الدلیلین ۱۳

 

وفيه : أنّه إنّما يجب الترجيح لو كانت المزيّة موجبة لتأكّد ملاك الحجّيّة في نظر الشارع ، ضرورة إمكان أن تكون تلك المزيّة بالإضافة إلى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الإنسان ، وكان الترجيح بها بلا مرجّح (١) ، وهو قبيح ، كما هو واضح ، هذا.

مضافا إلى ما هو في الإضراب من الحكم بالقبح إلى الامتناع من أنّ الترجيح بلا مرجّح في الأفعال الاختياريّة ـ ومنها الأحكام الشرعيّة ـ لا يكون إلّا قبيحا ، ولا يستحيل وقوعه إلّا على الحكيم تعالى ، وإلّا فهو بمكان من الإمكان ، لكفاية إرادة المختار علّة لفعله ، وإنّما الممتنع هو وجود الممكن بلا علّة ، فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح إلّا من باب امتناع صدوره منه تعالى ، وأمّا غيره فلا استحالة في ترجيحه لما هو المرجوح ممّا باختياره.

وبالجملة : الترجيح بلا مرجّح بمعنى «بلا علّة» محال ، وبمعنى «بلا داع عقلائيّ» قبيح ليس بمحال ، فلا تشتبه.

ومنها : غير ذلك (٢) ممّا لا يكاد يفيد الظنّ ، فالصفح عنه أولى وأحسن.

[حكم تخيير المفتي في عمله وعمل مقلّديه]

ثمّ إنّه لا إشكال في الإفتاء بما اختاره من الخبرين في عمل نفسه وعمل مقلّديه. ولا وجه للإفتاء بالتخيير في المسألة الفرعيّة ، لعدم الدليل عليه فيها.

نعم ، له الإفتاء به في المسألة الاصوليّة (٣) ، فلا بأس حينئذ باختيار المقلّد غير ما اختاره المفتي ، فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظهوره الّذي لا شبهة فيه.

__________________

(١) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «فكان الترجيح بها بلا مرجّح».

(٢) راجع مفاتيح الاصول : ٦٨٧ ، وفرائد الاصول ٤ : ٥٣ ـ ٥٤.

(٣) وهي حجّيّة أحد الخبرين تخييرا.

[التخيير استمراريّ]

وهل التخيير بدويّ (١) أم استمراريّ (٢)؟ قضيّة الاستصحاب (٣) لو لم نقل بأنّه قضيّة الإطلاقات (٤) أيضا كونه استمراريّا (٥).

وتوهّم «أنّ المتحيّر كان محكوما بالتخيير ، ولا تحيّر له بعد الاختيار ، فلا يكون الإطلاق ولا الاستصحاب مقتضيا للاستمرار ، لاختلاف الموضوع فيهما» (٦) فاسد ، فإنّ التحيّر بمعنى تعارض الخبرين باق على حاله ، وبمعنى آخر لم يقع في خطاب موضوعا للتخيير أصلا ؛ كما لا يخفى.

__________________

(١) بمعنى أنّه إذا اختار أحد الخبرين في زمان لم يكن له الأخذ بالآخر في زمان آخر.

(٢) بمعنى أنّه يجوز له اختيار أحد الخبرين في زمان واختيار الآخر في زمان آخر.

(٣) أي : استصحاب بقاء التخيير الثابت قبل الأخذ بأحدهما.

(٤) أي : إطلاقات أدلّة التخيير ، فإنّ مقتضاها ثبوت التخيير ولو بعد الأخذ بأحدهما.

(٥) وذهب الشيخ الأعظم الأنصاريّ إلى كونه بدويّا على القول بالتخيير ، كما سيأتي.

(٦) هذا حاصل ما توهّمه الشيخ الأعظم الأنصاريّ في فرائد الاصول ٤ : ٤٣.

فصل

[الاقتصار على المرجّحات المنصوصة]

هل على القول بالترجيح يقتصر فيه على المرجّحات المخصوصة المنصوصة ، أو يتعدّى إلى غيرها؟

قيل : بالتعدّي (١) ، لما في الترجيح بمثل الأصدقيّة (٢) والأوثقيّة (٣) ونحوهما ممّا فيه من الدلالة (٤) على أنّ المناط في الترجيح بها هو كونها موجبة للأقربيّة إلى الواقع (٥).

ولما في التعليل (٦) ب «أنّ المشهور ممّا لا ريب فيه» من استظهار أنّ

__________________

(١) والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ تبعا لجمهور المجتهدين. فراجع معارج الاصول : ١٥٤ ـ ١٥٥ ، الفوائد الحائريّة : ٢٠٧ ـ ٢١٤ و ٢٢١ ، الفصول الغرويّة : ٤٤٢ ، قوانين الاصول ٢ : ٢٩٣ ، مفاتيح الاصول : ٦٨٨ ، فرائد الاصول ٤ : ٧٥٠.

ونسب إلى الأخباريّين عدم جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوصة. راجع الحدائق الناضرة ١ : ٩٠.

(٢) في المقبولة.

(٣) في المرفوعة.

(٤) هكذا في جميع النسخ. والصحيح أن يحذف قوله : «ممّا فيه» ، وأن يقول : «ونحوهما من الدلالة ...».

(٥) هذا أوّل ما استدلّ به على القول بالتعدّي. راجع معارج الاصول : ١٥٥ ، وفرائد الاصول ٤ : ٧٦.

وأيّده الشيخ الأعظم الأنصاريّ بأنّ الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها ، وإنّما سأل عن حكم صورة تساوي الراويين في جميع المزايا المنصوصة وغيرها ، حتّى قال : «لا يفضل أحدهما على الآخر». وهذا يكشف عن أنّه فهم من كلامه كون كلّ هذه الصفات وما شابهها مزيّة مستقلّة توجب الترجيح. فرائد الاصول ٤ : ٧٦ ـ ٧٧.

(٦) هذا ثاني الوجوه الّتي استدلّ بها الشيخ على القول بجواز التعدّي. راجع فرائد الاصول ٤ : ٧٧.