درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۳: تعارض الدلیلین ۳

 

فيتوقّف على ترجيح ظهور الخاصّ ، وإلاّ أمكن رفع اليد عن ظهوره وإخراجه عن الخصوص بقرينة صاحبه.

فلنرجع إلى ما نحن بصدده ، من (١) حكومة الأدلّة الظنيّة على الاصول ، فنقول :

قد (٢) جعل الشارع ـ مثلا (٣) ـ للشيء المحتمل للحلّ والحرمة حكما شرعيّا أعني : «الحلّ» ، ثمّ حكم بأنّ الأمارة الفلانيّة ـ كخبر العادل الدالّ على حرمة العصير ـ حجّة ، بمعنى أنّه لا يعبأ باحتمال مخالفة مؤدّاه للواقع ، فاحتمال حلّيّة العصير المخالف للأمارة بمنزلة العدم ، لا يترتّب عليه حكم شرعيّ كان يترتّب عليه لو لا هذه الأمارة ، وهو ما ذكرنا :

من الحكم بالحلّيّة الظاهريّة. فمؤدّى الأمارات بحكم الشارع كالمعلوم ، لا يترتّب عليه الأحكام الشرعيّة المجعولة للمجهولات.

جريان الورود والحكومة في الاصول اللفظيّة أيضا

ثمّ إنّ ما ذكرنا ـ من الورود والحكومة ـ جار في الاصول اللفظيّة أيضا ، فإنّ أصالة الحقيقة أو العموم معتبرة إذا لم يعلم هناك قرينة على المجاز.

فإن كان المخصّص ـ مثلا ـ دليلا علميّا كان واردا على الأصل المذكور ، فالعمل بالنصّ القطعيّ في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلميّ في مقابل الأصل العمليّ (٤)

__________________

(١) في غير (ه) زيادة : «ترجيح» ، وفي (خ) : «توضيح».

(٢) لم ترد «فهو تخصيص في المعنى ـ إلى ـ فنقول قد» في (ظ) ، وورد بدلها : «ففيما نحن فيه».

(٣) «مثلا» من (ص) ونسخة بدل (ت).

(٤) في (ظ) زيادة : «فإطلاق المتعارضين عليهما مسامحة».

وإن كان المخصّص ظنّيا معتبرا كان حاكما على الأصل ؛ لأنّ معنى حجّية الظنّ جعل احتمال مخالفة مؤدّاه للواقع بمنزلة العدم ، في عدم ترتّب ما كان يترتّب عليه من الأثر لو لا حجّية هذه الأمارة ، وهو وجوب العمل بالعموم ؛ فإنّ الواجب عرفا وشرعا العمل بالعموم (١) عند احتمال وجود المخصّص وعدمه ، فعدم العبرة باحتمال عدم التخصيص إلغاء للعمل بالعموم.

فثبت : أنّ النصّ وارد على أصالة الحقيقة (٢) إذا كان قطعيّا من جميع الجهات ، وحاكم عليه (٣) إذا كان ظنّيا في الجملة ، كالخاصّ الظنّيّ السند مثلا.

ويحتمل أن يكون الظنّي أيضا واردا ، بناء على كون العمل بالظاهر عرفا وشرعا معلّقا على عدم التعبّد بالتخصيص ، فحالها حال الاصول العقليّة ، فتأمّل (٤).

هذا كلّه على تقدير كون أصالة الظهور من حيث أصالة عدم القرينة.

وأمّا إذا كان من جهة الظنّ النوعيّ الحاصل بإرادة الحقيقة ـ الحاصل من الغلبة أو من غيرها ـ فالظاهر أنّ النصّ وارد عليها

__________________

(١) لم ترد «فإنّ الواجب عرفا وشرعا العمل بالعموم» في (ت) ، (ه) و (ر) ، وكتب فوقها في (ص) : «نسخة».

(٢) في (ظ) زيادة : «في الظاهر».

(٣) كذا في النسخ ، والمناسب : «عليها» ، لرجوع الضمير إلى أصالة الحقيقة.

(٤) لم ترد «فتأمّل» في (ظ).

مطلقا وإن كان النصّ ظنيّا ؛ لأنّ الظاهر أنّ دليل حجّيّة الظنّ الحاصل بإرادة الحقيقة ـ الذي هو مستند أصالة الظهور ـ مقيّد بصورة عدم وجود ظنّ معتبر على خلافه ، فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل ، نظير ارتفاع موضوع الأصل بالدليل.

ويكشف عمّا ذكرنا : أنّا لم نجد ولا نجد من أنفسنا موردا يقدّم فيه العامّ ـ من حيث هو ـ على الخاصّ وإن فرض كونه أضعف الظنون المعتبرة ، فلو كان حجّيّة ظهور العامّ غير معلّق على عدم الظنّ المعتبر على خلافه ، لوجد مورد يفرض (١) فيه أضعفيّة مرتبة ظنّ الخاصّ من ظنّ العامّ حتّى يقدّم عليه ، أو مكافئته له حتّى يتوقّف ، مع أنّا لم نسمع موردا يتوقف في مقابلة العامّ من حيث هو والخاصّ ، فضلا عن أن يرجّح عليه. نعم ، لو فرض الخاصّ ظاهرا أيضا خرج عن النصّ ، وصار من باب تعارض الظاهرين ، فربما يقدّم العامّ (٢).

وهذا نظير ظنّ الاستصحاب على القول به ، فإنّه لم يسمع مورد يقدّم الاستصحاب على الأمارة المعتبرة المخالفة له ، فيكشف عن أنّ إفادته للظنّ أو اعتبار ظنّه النوعيّ مقيّد بعدم قيام (٣) ظنّ آخر على خلافه ، فافهم (٤).

عدم التعارض في القطعيّين ولا في الظنّيين الفعليّين

ثمّ إنّ التعارض ـ على ما عرفت من تعريفه ـ لا يكون في الأدلّة

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «نفرض».

(٢) لم ترد «نعم لو فرض ـ إلى ـ يقدّم العامّ» في (ظ).

(٣) لم ترد «قيام» في (ر) ، (ص) و (ظ).

(٤) لم ترد «فافهم» في (ظ).