درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۵: تعارض الدلیلین ۵

 

إذا عرفت ما ذكرناه ، فاعلم : أنّ الكلام في أحكام التعارض يقع في مقامين ؛ لأنّ المتعارضين :

إمّا أن يكون لأحدهما مرجّح على الآخر.

وإمّا أن لا يكون ، بل يكونان متعادلين متكافئين.

قاعدة «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح»

وقبل الشروع في بيان حكمهما لا بدّ من الكلام في القضيّة المشهورة ، وهي : أنّ الجمع بين الدليلين مهما أمكن أولى من الطرح (١).

والمراد بالطرح ـ على الظاهر المصرّح به في كلام بعضهم (٢) ، وفي معقد إجماع بعض آخر (٣) ـ أعمّ من طرح أحدهما لمرجّح في الآخر ، فيكون الجمع مع التعادل أولى من التخيير ، ومع وجود المرجّح أولى من الترجيح.

كلام ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي

قال الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائيّ في عوالي اللآلي ـ على ما حكي عنه ـ :

إنّ كلّ حديثين ظاهرهما التعارض يجب عليك : أوّلا البحث عن معناهما وكيفيّة دلالة ألفاظهما ، فإن أمكنك التوفيق بينهما بالحمل على جهات التأويل والدلالات ، فاحرص عليه واجتهد في تحصيله ؛ فإنّ العمل بالدليلين مهما أمكن خير من ترك أحدهما وتعطيله بإجماع العلماء. فإذا لم تتمكّن من ذلك ولم يظهر (٤) لك وجهه ، فارجع إلى

__________________

(١) انظر الفصول : ٤٤٠ ، ومناهج الأحكام : ٣١٢ ، بل ادّعى عليها الإجماع في عوالي اللآلي كما سيأتي بعد سطور.

(٢) مثل صاحبي الفصول والمناهج.

(٣) هو ابن أبي جمهور ، كما سيأتي.

(٤) في المصدر : «أو لم يظهر».

العمل بهذا الحديث ـ وأشار بهذا إلى مقبولة عمر بن حنظلة (١) ـ (٢) انتهى.

ما استدلّ به على هذه القاعدة

واستدلّ عليه :

تارة : بأنّ الأصل في الدليلين الإعمال ، فيجب الجمع بينهما بما أمكن ؛ لاستحالة الترجيح من غير مرجّح (٣).

واخرى : بأنّ دلالة اللفظ على تمام معناه أصليّة وعلى جزئه تبعيّة ، وعلى تقدير الجمع يلزم إهمال دلالة تبعيّة ، وهو أولى ممّا يلزم على تقدير عدمه ، وهو إهمال دلالة أصليّة (٤).

عدم إمكان العمل بهذه القاعدة

ولا يخفى : أنّ العمل بهذه القضيّة على ظاهرها يوجب سدّ باب الترجيح ، والهرج في الفقه ، كما لا يخفى. ولا دليل عليه ، بل الدليل على خلافه ، من الإجماع والنصّ (٥).

عدم الدليل على هذه القاعدة

أمّا عدم الدليل عليه ؛ فلأنّ ما ذكر ـ من أنّ الأصل في الدليلين الإعمال ـ مسلّم ، لكنّ المفروض عدم إمكانه في المقام ؛ فإنّ العمل بقوله عليه‌السلام : «ثمن العذرة سحت» (٦) ، وقوله عليه‌السلام : «لا بأس ببيع العذرة» (٧) ـ على ظاهرهما ـ غير ممكن ، وإلاّ لم يكونا متعارضين. وإخراجهما عن ظاهرهما ـ بحمل الأوّل على عذرة غير مأكول اللحم ،

__________________

(١) عوالي اللآلي ٤ : ١٣٦.

(٢) الآتية في الصفحة ٥٧.

(٣) هذا الاستدلال من الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : ٢٨٣.

(٤) ذكر الاستدلال به في نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٣ ، ومنية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٦٩ ، والفصول : ٤٤٠ ، والقوانين ٢ : ٢٧٩ ، ومناهج الأحكام : ٣١٢.

(٥) انظر الصفحة ٢٤ ، الهامش ٣.

(٦) الوسائل ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٧) الوسائل ١٢ : ١٢٦ ، الباب ٤٠ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٣.