درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۸: تعارض الدلیلین ۸

 

ومنه يظهر : فساد قياس ذلك بالنصّ الظنّيّ السند مع الظاهر ، حيث يجب (١) الجمع بينهما بطرح ظهور الظاهر ، لا سند النصّ.

توضيحه : أنّ سند الظاهر لا يزاحم دلالته (٢) ـ بديهة (٣) ـ ولا سند النصّ ولا دلالته (٤) ، وأمّا سند النصّ ودلالته ، فإنّما يزاحمان ظاهره لا سنده ، وهما حاكمان (٥) على ظهوره ؛ لأنّ من آثار التعبّد به رفع اليد عن ذلك الظهور ؛ لأنّ الشكّ فيه مسبّب عن الشكّ في التعبّد بالنصّ.

وأضعف ممّا ذكر : توهّم قياس ذلك بما إذا كان خبر بلا معارض ، لكن ظاهره مخالف للإجماع ، فإنّه يحكم بمقتضى اعتبار سنده بإرادة خلاف الظاهر من مدلوله.

لكن لا دوران هناك بين طرح السند والعمل بالظاهر وبين العكس ؛ إذ لو طرحنا سند ذلك الخبر لم يبق مورد للعمل بظاهره ، بخلاف ما نحن فيه ؛ فإنّا إذا طرحنا سند أحد الخبرين أمكننا العمل بظاهر الآخر ، ولا مرجّح لعكس ذلك. بل الظاهر هو الطرح ؛ لأنّ المرجع والمحكّم في الإمكان الذي قيّد به وجوب العمل بالخبرين هو العرف ، ولا شكّ في حكم العرف وأهل اللسان بعدم إمكان العمل بقوله : «أكرم العلماء» ، و «لا تكرم العلماء». نعم ، لو فرض علمهم

__________________

(١) كذا في (د) ، وفي غيرها : «يوجب».

(٢) في (ظ) بدل «لا يزاحم دلالته» : «لا يزاحمه».

(٣) لم ترد «بديهة» في (ت) و (ظ).

(٤) في (ت) و (ص) زيادة : «أمّا دلالته فواضح ؛ إذ لا يبقى مع طرح السند مراعاة للظاهر» ، لكن كتب عليها : «نسخة».

(٥) في (ظ) : «وهو حاكم».

بصدور كليهما حملوا أمر الآمر (١) بالعمل بهما على إرادة ما يعمّ العمل بخلاف ما يقتضيانه بحسب اللغة والعرف.

دليل آخر على عدم كليّة هذه القاعدة

ولأجل ما ذكرنا وقع من جماعة ـ من أجلاّء الرواة (٢) ـ السؤال عن حكم الخبرين المتعارضين ، مع ما هو مركوز في ذهن كلّ أحد : من أنّ كلّ دليل شرعيّ يجب العمل به مهما أمكن ؛ فلو لم يفهموا عدم الإمكان في المتعارضين لم يبق وجه للتحيّر الموجب للسؤال. مع أنّه لم يقع (٣) الجواب في شيء من تلك الأخبار العلاجيّة بوجوب الجمع بتأويلهما معا. وحمل مورد السؤال على صورة تعذّر تأويلهما ولو بعيدا تقييد بفرد غير واقع في الأخبار المتعارضة.

مخالفة هذه القاعدة للإجماع

وهذا دليل آخر على عدم كلّيّة هذه القاعدة.

هذا كلّه ، مضافا إلى مخالفتها للإجماع ؛ فإنّ علماء الإسلام من زمن الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجّحات في الأخبار المتعارضة بظواهرها ، ثمّ اختيار أحدهما وطرح الآخر من دون تأويلهما معا لأجل الجمع.

رجوعّ إلى كلام عوالي اللآلي

وأمّا ما تقدّم من عوالي اللآلي (٤) ، فليس نصّا ، بل ولا ظاهرا في دعوى تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيح والتخيير ؛ فإنّ الظاهر من الإمكان في قوله : «فإن أمكنك التوفيق بينهما» ، هو الإمكان العرفيّ ، في

__________________

(١) في (ه) بدل «أمر الآمر» : «الأمر».

(٢) انظر الصفحة ٥٧ ـ ٦٧.

(٣) يبدو أنّ هذا هو مراده من النصّ الذي أشار إليه في الصفحة ٢٠ ، بقوله : «بل الدليل على خلافه من الإجماع والنصّ».

(٤) تقدّم في الصفحة ١٩.

مقابل الامتناع العرفيّ بحكم أهل اللسان ، فإنّ حمل اللفظ على خلاف ظاهره بلا قرينة غير ممكن عند أهل اللسان ، بخلاف حمل العامّ والمطلق على الخاصّ والمقيّد.

ويؤيّده قوله أخيرا : «فإذا لم تتمكّن من ذلك ولم يظهر لك وجهه فارجع إلى العمل بهذا الحديث» ؛ فإنّ مورد عدم التمكّن ـ ولو بعيدا (١) ـ نادر جدّا.

وبالجملة : فلا يظنّ بصاحب العوالي ولا بمن هو دونه أن يقتصر في الترجيح على موارد لا يمكن تأويل كليهما ، فضلا عن دعواه الإجماع على ذلك.

أقسام الجمع

والتحقيق الذي عليه أهله : أنّ الجمع بين الخبرين المتنافيين بظاهرهما على أقسام ثلاثة :

أحدها : ما يكون متوقّفا على تأويلهما معا.

والثاني : ما يتوقّف على تأويل أحدهما المعيّن.

والثالث : ما يتوقّف على تأويل أحدهما لا بعينه.

أمّا الأوّل ، فهو الذي تقدّم (٢) أنّه مخالف للدليل والنصّ والإجماع.

وأمّا الثاني ، فهو تعارض النصّ والظاهر ، الذي تقدّم (٣) أنّه ليس بتعارض في الحقيقة.

تعارض الظاهرين

وأمّا الثالث ، فمن أمثلته (٤) : العامّ والخاصّ من وجه ، حيث يحصل

__________________

(١) «ولو بعيدا» من (ظ).

(٢) راجع الصفحة ٢٠.

(٣) راجع الصفحة ١٦.

(٤) في (ظ) بدل «فمن أمثلته» : «فمثاله».