درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۷: تعارض الدلیلین ۱۷

 

من صاحب المعالم رحمه‌الله في تقرير دليل الانسداد (١).

لو وقع التعادل للمجتهد في عمل نفسه أو للمفتي لأجل الإفتاء

ثمّ المحكيّ عن جماعة (٢) ـ بل قيل : إنّه ممّا لا خلاف فيه (٣) ـ :

أنّ التعادل إن وقع للمجتهد كان مخيّرا في عمل نفسه.

وإن وقع للمفتي لأجل الإفتاء فحكمه أن يخيّر المستفتي ، فيتخيّر في العمل كالمفتي.

ووجه الأوّل واضح.

وأمّا وجه الثاني ؛ فلأنّ نصب الشارع للأمارات وطريقيّتها يشمل المجتهد والمقلّد ، إلاّ أنّ المقلّد عاجز عن القيام بشروط العمل بالأدلّة من حيث تشخيص مقتضياتها ودفع موانعها ، فإذا أثبت ذلك المجتهد ، وأثبت (٤) جواز العمل لكلّ (٥) من الخبرين المتكافئين ، المشترك بين المقلّد والمجتهد ، تخيّر المقلّد كالمجتهد.

ولأنّ إيجاب مضمون أحد الخبرين على المقلّد لم يقم عليه دليل ، فهو تشريع.

ويحتمل أن يكون التخيير للمفتي ، فيفتي بما اختار ؛ لأنّه حكم

__________________

(١) انظر المعالم : ١٩٢.

(٢) حكاه السيّد المجاهد ـ في مفاتيح الاصول : ٦٨٢ ـ عن جماعة ، منهم العلاّمة في النهاية (مخطوط) : ٤٥٠ ، وتهذيب الوصول : ٩٨ ، ومبادئ الوصول : ٢٣١ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٦٩.

(٣) القائل هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٨٢.

(٤) لم ترد «أثبت» في (ر) و (ت).

(٥) كذا في (ر) ، وفي غيرها : «بكلّ».

للمتحيّر ، وهو المجتهد. ولا يقاس هذا بالشكّ الحاصل للمجتهد في بقاء الحكم الشرعيّ ، مع أنّ حكمه ـ وهو البناء على الحالة السابقة ـ مشترك بينه وبين المقلّد ؛ لأنّ الشكّ هناك في نفس الحكم الفرعيّ المشترك وله حكم مشترك ، والتحيّر هنا في الطريق إلى الحكم ، فعلاجه بالتخيير مختصّ بمن يتصدّى لتعيين الطريق ، كما أنّ العلاج بالترجيح مختصّ (١) به.

فلو فرضنا أنّ راوي أحد الخبرين عند المقلّد أعدل وأوثق من الآخر ؛ لأنّه أخبر وأعرف به ، مع تساويهما عند المجتهد أو انعكاس الأمر عنده ، فلا عبرة بنظر المقلّد. وكذا لو فرضنا تكافؤ قولي اللغويين في معنى لفظ الرواية ، فالعبرة بتخيّر (٢) المجتهد ، لا تخيّر (٣) المقلّد بين حكم يتفرّع على أحد القولين وآخر يتفرّع على الآخر.

والمسألة محتاجة إلى التأمّل ، وإن كان وجه المشهور أقوى.

هذا حكم المفتي.

لو وقع التعادل للحاكم والقاضي فالظاهر التخيير

وأمّا الحاكم والقاضي ، فالظاهر ـ كما عن جماعة (٤) ـ : أنّه يتخيّر أحدهما فيقضي به ؛ لأنّ القضاء والحكم عمل له لا للغير فهو المخيّر ، ولما عن بعض (٥) : من أنّ تخيّر (٦) المتخاصمين لا يرتفع معه الخصومة.

__________________

(١) لم ترد «بمن يتصدّى ـ إلى ـ مختصّ» في (ظ).

(٢) في (ص) و (ظ) : «تخيير» ، وفي (ر) و (ه) : «تحيّر».

(٣) في (ص) و (ظ) : «تخيير» ، وفي (ر) و (ه) : «تحيّر».

(٤) حكاه عنهم السيّد المجاهد أيضا.

(٥) كالعلاّمة في النهاية (مخطوط) : ٤٥٠ ، والسيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ١٦٩.

(٦) في (ظ) : «تخيير».

هل التخيير بدويّ أو استمراري؟

ولو حكم على طبق إحدى الأمارتين في واقعة ، فهل له الحكم على طبق الاخرى في واقعة اخرى؟

المحكيّ عن العلاّمة رحمه‌الله وغيره (١) : الجواز ، بل حكي نسبته إلى المحقّقين (٢) ؛ لما عن النهاية : من أنّه ليس في العقل ما يدلّ على خلاف ذلك ، ولا يستبعد وقوعه ـ كما لو تغيّر اجتهاده ـ إلاّ أن يدلّ دليل شرعيّ خارج على عدم جوازه ، كما روي أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأبي بكر : «لا تقض في الشيء الواحد (٣) بحكمين مختلفين (٤)».

مختار المصنّف التخيير البدويّ

أقول : يشكل الجواز ؛ لعدم الدليل عليه ؛ لأنّ دليل التخيير إن كان الأخبار الدالّة عليه ، فالظاهر أنّها مسوقة لبيان وظيفة المتحيّر في ابتداء الأمر ، فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى حال المتحيّر بعد الالتزام بأحدهما. وأمّا العقل الحاكم بعدم جواز طرح كليهما فهو ساكت من هذه الجهة أيضا (٥) ، والأصل عدم حجّيّة الآخر له (٦) بعد الالتزام

__________________

(١) حكاه أيضا السيّد المجاهد عن العلاّمة في النهاية والتهذيب ، وكذا عن السيّد العميدي في المنية.

(٢) نسبه إلى المحقّقين السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط) : الورقة ٦٩ ، وحكاه عنه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول.

(٣) في منية اللبيب زيادة : «لخصمين».

(٤) نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٥٠ ، وحكاه عنه السيد المجاهد في مفاتيح الاصول ، ولفظ الحديث هكذا : «لا يقضي أحد في أمر بقضاءين» ، انظر كنز العمّال ٦ : ١٠٣ ، الحديث ١٥٠٤١.

(٥) «أيضا» من (ظ).

(٦) «له» من (ظ).

بأحدهما ، كما تقرّر في دليل عدم جواز العدول عن فتوى (١) مجتهد إلى مثله.

نعم ، لو كان الحكم بالتخيير في المقام من باب تزاحم الواجبين كان الأقوى استمراره ؛ لأنّ المقتضي له في السابق موجود بعينه. بخلاف التخيير الظاهريّ في تعارض الطريقين ، فإنّ احتمال تعيين ما التزمه قائم ، بخلاف التخيير الواقعيّ ، فتأمّل (٢).

واستصحاب التخيير غير جار ؛ لأنّ الثابت سابقا ثبوت الاختيار لمن لم يتخيّر ، فإثباته لمن اختار والتزم إثبات للحكم في غير موضوعه (٣) الأوّل.

وبعض المعاصرين (٤) رحمه‌الله استجود هنا كلام العلاّمة رحمه‌الله ؛ مع أنّه منع من العدول عن أمارة إلى اخرى وعن مجتهد إلى آخر (٥) ، فتدبّر.

حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام

ثمّ إنّ حكم التعادل في الأمارات المنصوبة في غير الأحكام ـ كما في أقوال أهل اللغة وأهل الرجال ـ هو وجوب التوقّف ؛ لأنّ الظاهر اعتبارها من حيث الطريقيّة إلى الواقع ـ لا السببيّة المحضة ـ وإن لم يكن منوطا بالظنّ الفعليّ ، وقد عرفت أنّ اللازم في تعادل ما هو من هذا القبيل التوقّف والرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في ذلك المقام.

__________________

(١) لم ترد «فتوى» في (ظ).

(٢) لم ترد «فتأمّل» في (ظ).

(٣) في (ت) و (ر) : «موضعه».

(٤) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٦٨٢.

(٥) راجع مفاتيح الاصول : ٦٨٦ و ٦١٦.