درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۱۹: تعارض الدلیلین ۱۹

 

إلاّ أنّه إن جعلنا الأصل من المرجّحات ـ كما هو المشهور وسيجيء (١) ـ لم يتحقّق التعادل بين الأمارتين إلاّ بعد عدم موافقة شيء منهما للأصل ، والمفروض عدم جواز الرجوع إلى الثالث ؛ لأنّه طرح للأمارتين ، فالأصل الذي يرجع إليه هو الأصل في المسألة المتفرّعة على مورد التعارض ، كما لو فرضنا تعادل أقوال أهل اللغة في معنى «الغناء» أو «الصعيد» أو «الجذع» من الشاة في الأضحية ، فإنّه يرجع إلى الأصل في المسألة الفرعيّة.

لا بدّ من الفحص عن المرجّحات في المتعارضين

بقي هنا ما يجب التنبيه عليه خاتمة للتخيير ومقدّمة للترجيح ، وهو : أنّ الرجوع إلى التخيير غير جائز (٢) إلاّ بعد الفحص التامّ عن المرجّحات ؛ لأنّ مأخذ التخيير :

إن كان هو العقل الحاكم بأنّ عدم إمكان الجمع في العمل لا يوجب إلاّ طرح البعض ، فهو لا يستقلّ بالتخيير في المأخوذ والمطروح إلاّ بعد عدم مزيّة في أحدهما اعتبرها الشارع في العمل. والحكم بعدمها لا يمكن إلاّ بعد القطع بالعدم ، أو الظنّ المعتبر ، أو إجراء أصالة العدم التي لا تعتبر فيما له دخل في الأحكام الشرعيّة الكلّية إلاّ بعد الفحص التامّ ، مع أنّ أصالة العدم لا تجدي في استقلال العقل بالتخيير ، كما لا يخفى.

وإن كان مأخذه الأخبار ، فالمتراءى منها ـ من حيث سكوت بعضها عن جميع المرجّحات ـ وإن كان جواز الأخذ بالتخيير ابتداء ،

__________________

(١) في (ظ) زيادة : «الكلام فيه» ، انظر الصفحة ١٥١.

(٢) كذا في (ص) و (ظ) ، وفي غيرهما : «غير جار».

إلاّ أنّه يكفي في تقييدها دلالة بعضها الآخر على وجوب الترجيح ببعض المرجّحات المذكورة فيها ، المتوقّف على الفحص عنها ، المتمّمة فيما لم يذكر فيها من المرجّحات المعتبرة بعدم القول بالفصل بينها.

هذا ، مضافا إلى لزوم الهرج والمرج ، نظير ما يلزم من العمل بالاصول العمليّة واللفظيّة قبل الفحص.

هذا ، مضافا إلى الإجماع القطعيّ ـ بل الضرورة ـ من كلّ من يرى وجوب العمل بالراجح من الأمارتين ؛ فإنّ الخلاف وإن وقع من جماعة (١) في وجوب العمل بالراجح من الأمارتين وعدم وجوبه لعدم اعتبار الظنّ في أحد الطرفين ، إلاّ أنّ من أوجب العمل بالراجح أوجب الفحص عنه ، ولم يجعله واجبا مشروطا بالاطّلاع عليه. وحينئذ ، فيجب على المجتهد الفحص التامّ عن وجود المرجّح لإحدى الأمارتين.

__________________

(١) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٤٧ ـ ٤٨.

المقام الثاني

في التراجيح

تعريف الترجيح

الترجيح : تقديم إحدى الأمارتين على الاخرى في العمل ؛ لمزيّة لها عليها بوجه من الوجوه.

وفيه مقامات :

الأوّل : في وجوب ترجيح أحد الخبرين بالمزيّة الداخليّة أو الخارجيّة الموجودة فيه.

الثاني : في ذكر المزايا المنصوصة ، والأخبار الواردة.

الثالث : في وجوب الاقتصار عليها أو التعدّي إلى غيرها.

الرابع : في بيان المرجّحات الداخليّة والخارجيّة.

أمّا المقام الأوّل

المشهور وجوب الترجيح والاستدلال عليه

فالمشهور فيه وجوب الترجيح (١). وحكي عن جماعة (٢) ـ منهم

__________________

(١) انظر مفاتيح الاصول : ٦٨٦.

(٢) انظر مفاتيح الاصول : ٦٨٦ ، وفواتح الرحموت المطبوع ذيل المستصفى ٢ : ١٨٩.

الباقلاني والجبّائيان ـ عدم الاعتبار بالمزيّة وجريان حكم التعادل.

ويدلّ على المشهور ـ مضافا إلى الإجماع المحقّق والسيرة القطعيّة والمحكيّة عن الخلف والسلف (١) وتواتر الأخبار (٢) بذلك ـ : أنّ حكم المتعارضين (٣) من الأدلّة ـ على ما عرفت (٤) ـ بعد عدم جواز طرحهما معا ، إمّا التخيير لو كانت الحجّية من باب الموضوعيّة والسببيّة ، وإمّا التوقّف لو كانت من باب الطريقيّة ، ومرجع التوقّف أيضا إلى التخيير إذا لم نجعل الأصل من المرجّحات أو فرضنا الكلام في مخالفي الأصل ؛ إذ على تقدير الترجيح بالأصل يخرج صورة مطابقة أحدهما للأصل عن مورد التعادل. فالحكم بالتخيير ، على تقدير فقده أو كونه مرجعا ، بناء على أنّ الحكم في المتعادلين مطلقا التخيير ، لا الرجوع إلى (٥) الأصل المطابق لأحدهما (٦). والتخيير (٧) إمّا بالنقل وإمّا بالعقل ، أمّا النقل فقد قيّد فيه التخيير بفقد المرجّح ، وبه يقيّد ما اطلق فيه التخيير ، وأمّا العقل فلا يدلّ على التخيير بعد احتمال اعتبار الشارع للمزيّة وتعيين العمل بذيها.

__________________

(١) انظر غاية البادئ (مخطوط) : ٢٧٩ ، وغاية المأمول (مخطوط) : الورقة ٢١٨.

(٢) أي : أخبار الترجيح الآتية في الصفحة ٥٧ ـ ٦٧.

(٣) في (ظ) : «المتعادلين».

(٤) راجع الصفحة ٣٧ ـ ٣٨.

(٥) «الرجوع إلى» من (ت) و (ه).

(٦) لم ترد «إذ على تقدير ـ إلى ـ المطابق لأحدهما» في (ظ).

(٧) شطب على «التخيير» في (ه) ، وفي (ت) كتب فوقه : «زائد».