درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۱: تعارض الدلیلین ۲۱

 

ولا يندفع هذا الاحتمال بإطلاق أدلّة العمل بالأخبار ؛ لأنّها في مقام تعيين العمل بكلّ من المتعارضين مع الإمكان ، لكن صورة التعارض ليست من صور إمكان العمل بكلّ منهما ، وإلاّ لتعيّن العمل بكليهما. والعقل إنّما يستفيد من ذلك الحكم المعلّق بالإمكان عدم جواز طرح كليهما (١) ، لا التخيير بينهما ، وإنّما يحكم بالتخيير بضميمة أنّ تعيين أحدهما ترجيح بلا مرجّح ، فإن استقلّ بعدم المرجّح حكم بالتخيير ؛ لأنّه نتيجة عدم إمكان الجمع وعدم جواز الطرح وعدم وجود المرجّح لأحدهما ، وإن لم يستقلّ بالمقدّمة الثالثة توقّف عن التخيير ، فيكون العمل بالراجح معلوم الجواز والعمل بالمرجوح مشكوكا.

المناقشة في وجوب الترجيح

فإن قلت :

أوّلا : إنّ كون الشيء مرجّحا ـ مثل كون الشيء دليلا ـ يحتاج إلى دليل ؛ لأنّ التعبّد بخصوص الراجح إذا لم يعلم من الشارع كان الأصل عدمه ، بل العمل به مع الشكّ يكون تشريعا ، كالتعبّد بما لم يعلم حجّيته.

وثانيا : إذا دار الأمر بين وجوب أحدهما على التعيين وأحدهما على البدل ، فالأصل براءة الذمّة عن خصوص الواحد المعيّن ، كما هو مذهب جماعة في مسألة دوران الأمر بين التخيير والتعيين (٢).

الجواب عن المناقشة

قلت : إنّ كون الترجيح كالحجّية أمرا يجب ورود التعبّد به من الشارع مسلّم ، إلاّ أنّ الالتزام بالعمل بما علم جواز العمل به من

__________________

(١) في (ظ) زيادة : «مع إمكان الأخذ بأحدهما».

(٢) راجع مبحث البراءة ٢ : ٣٥٧.

الشارع من دون استناد الالتزام (١) إلى إلزام الشارع (٢) ، احتياط لا يجري فيه ما تقرّر في وجه حرمة العمل بما وراء العلم ، فراجع (٣). نظير الاحتياط بالتزام ما دلّ أمارة غير معتبرة على وجوبه مع عدم (٤) احتمال الحرمة أو العكس (٥).

عدم اندراج المسألة في مسألة «دوران الأمر بين التعيين والتخيير»

وأمّا إدراج المسألة في مسألة دوران المكلّف به بين أحدهما المعيّن وأحدهما على البدل ، ففيه : أنّه لا ينفع بعد ما اخترنا في تلك المسألة وجوب الاحتياط وعدم جريان قاعدة البراءة.

والأولى منع اندراجها في تلك المسألة ؛ لأنّ مرجع الشكّ في المقام إلى الشكّ في جواز العمل بالمرجوح ، ولا ريب أنّ مقتضى القاعدة المنع عمّا لم يعلم جواز العمل به من الأمارات ، وهي ليست مختصّة بما إذا شكّ في أصل الحجّية ابتداء ، بل تشمل ما إذا شكّ في الحجّية الفعليّة مع إحراز الحجّية الشأنيّة ، فإنّ المرجوح وإن كان حجّة في نفسه ، إلاّ أنّ حجّيته فعلا مع معارضة الراجح ـ بمعنى جواز العمل به فعلا ـ غير معلوم ، فالأخذ به والفتوى بمؤدّاه تشريع محرّم بالأدلّة الأربعة.

التحقيق في المسألة

هذا ، والتحقيق : أنّا إن قلنا بأنّ العمل بأحد المتعارضين في الجملة

__________________

(١) لم ترد «الالتزام» في (ص).

(٢) لم ترد «من دون استناد الالتزام إلى إلزام الشارع» في (ر).

(٣) في (ظ) بدل «احتياط ـ إلى ـ فراجع» : «ليس أمرا تعبّديا فلا التزام بالعمل بالراجح» ، وراجع مبحث الظنّ ١ : ١٢٦.

(٤) «عدم» من (ت).

(٥) لم ترد «مع عدم احتمال الحرمة أو العكس» في (ظ).

مستفاد من حكم الشارع به بدليل الإجماع والأخبار العلاجيّة ، كان اللازم الالتزام بالراجح وطرح المرجوح وإن قلنا بأصالة البراءة عند دوران الأمر في المكلّف به بين التعيين والتخيير ؛ لما عرفت : من أنّ الشكّ في جواز العمل بالمرجوح فعلا ، ولا ينفع وجوب العمل به عينا في نفسه مع قطع النظر عن المعارض ، فهو كأمارة لم يثبت حجّيتها أصلا.

وإن لم نقل بذلك ، بل قلنا باستفادة العمل بأحد المتعارضين من نفس أدلّة العمل بالأخبار (١) :

فإن قلنا بما اخترناه : من أنّ الأصل التوقّف ـ بناء على اعتبار الأخبار من باب الطريقيّة والكشف الغالبي عن الواقع ـ فلا دليل على وجوب الترجيح بمجرّد قوّة في أحد الخبرين ؛ لأنّ كلاّ منهما جامع لشرائط الطريقيّة ، والتمانع يحصل بمجرّد ذلك ، فيجب الرجوع إلى الاصول الموجودة في تلك المسألة إذا لم تخالف كلا المتعارضين ، فرفع اليد عن مقتضى الأصل المحكّم في كلّ (٢) ما لم يكن طريق فعليّ على خلافه ، بمجرّد مزيّة لم يعلم اعتبارها ، لا وجه له ؛ لأنّ المعارض المخالف بمجرّده ليس طريقا فعليّا ؛ لابتلائه بالمعارض الموافق للأصل ، والمزيّة الموجودة لم يثبت تأثيرها في دفع (٣) المعارض.

وتوهّم : استقلال العقل بوجوب العمل بأقرب الطريقين إلى الواقع ، وهو الراجح.

__________________

(١) لم ترد «بل قلنا ـ إلى ـ بالأخبار» في (ظ).

(٢) لم ترد «كلّ» في (ظ).

(٣) في (ر) : «رفع».