درس فرائد الاصول - تعادل و تراجیح

جلسه ۲۷: تعارض الدلیلین ۲۷

 

معاني كلامنا ، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب» (١).

وفي هاتين الروايتين الأخيرتين دلالة على وجوب الترجيح بحسب قوّة الدلالة.

هذا ما وقفنا عليه من الأخبار الدالّة على التراجيح.

[علاج التعارض المتوهّم بين الأخبار العلاجيّة](٢)

علاج التعارض الأخبار العلاجيّة في مواضع :

إذا عرفت ما تلوناه عليك (٣) ، فلا يخفى عليك أنّ ظواهرها متعارضة ، فلا بدّ من (٤) علاج ذلك.

والكلام في ذلك يقع في مواضع :

الموضع الأوّل : في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة

الأوّل : في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة ؛ حيث إنّ الاولى صريحة في تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة ، والثانية بالعكس. وهي وإن كانت ضعيفة السند إلاّ أنّها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح ؛ فإنّ طريقتهم مستمرّة على

__________________

(١) معاني الأخبار : ١ ، والوسائل ١٨ : ٢٧ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٧.

(٢) العنوان منّا.

(٣) في (ص) زيادة : «من الأخبار».

(٤) في (ه) زيادة : «التكلّم في».

تقديم المشهور على الشاذّ. والمقبولة وإن كانت مشهورة بين العلماء حتّى سمّيت مقبولة ، إلاّ أنّ عملهم على طبق المرفوعة وإن كانت شاذّة من حيث الرواية ؛ حيث لم يوجد (١) مرويّة في شيء من جوامع الأخبار المعروفة ، ولم يحكها إلاّ ابن أبي جمهور عن العلاّمة مرفوعة إلى زرارة.

إلاّ أن يقال : إنّ المرفوعة تدلّ على تقديم المشهور رواية على غيره ، وهي هنا المقبولة. ولا دليل على الترجيح بالشهرة العمليّة.

مع أنّا نمنع أنّ عمل المشهور على تقديم الخبر المشهور رواية على غيره إذا كان الغير أصحّ منه من حيث صفات الراوي ، خصوصا صفة الأفقهيّة.

ويمكن أن يقال : إنّ السؤال لمّا كان عن الحكمين كان الترجيح فيهما من حيث الصفات ، فقال عليه‌السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما ... الخ» مع أنّ السائل ذكر : «أنّهما اختلفا في حديثكم» ؛ ومن هنا اتفق الفقهاء على عدم الترجيح بين الحكّام إلاّ بالفقاهة والورع ، فالمقبولة نظير رواية داود بن الحصين الواردة في اختلاف الحكمين ، من دون تعرّض الراوي لكون منشأ اختلافهما الاختلاف في الروايات ، حيث قال عليه‌السلام : «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما (٢) وأورعهما فينفذ حكمه» (٣) ، وحينئذ فيكون الصفات من مرجّحات الحكمين.

نعم ، لمّا فرض الراوي تساويهما أرجعه الإمام عليه‌السلام إلى ملاحظة

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «لم توجد».

(٢) في المصدر زيادة : «بأحاديثنا».

(٣) الوسائل ١٨ : ٨٠ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٠.

الترجيح في مستنديهما ، وأمره بالاجتهاد والعمل في الواقعة على طبق الراجح من الخبرين مع إلغاء حكومة الحكمين كليهما ، فأوّل المرجّحات الخبريّة هي الشهرة بين الأصحاب فينطبق على المرفوعة.

نعم قد يورد على هذا الوجه : أنّ اللازم على قواعد الفقهاء الرجوع مع تساوي الحاكمين إلى اختيار المدّعي.

ويمكن التفصّي عنه : بمنع جريان هذا الحكم في قاضي التحكيم.

وكيف كان ، فهذا التوجيه غير بعيد.

الثاني : أنّ الحديث الثامن ـ وهي رواية الاحتجاج عن سماعة ـ يدلّ على وجوب التوقّف أوّلا ، ثمّ مع عدم إمكانه يرجع إلى الترجيح بموافقة العامّة ومخالفتهم ، وأخبار التوقّف ـ على ما عرفت وستعرف (١) ـ محمولة على صورة التمكّن من العلم ، فتدلّ الرواية على أنّ الترجيح بمخالفة العامّة ـ بل غيرها من المرجّحات ـ إنّما يرجع إليها بعد العجز عن تحصيل العلم في الواقعة بالرجوع إلى الإمام عليه‌السلام ، كما ذهب إليه بعض (٢).

وهذا خلاف ظاهر الأخبار الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات ابتداء بقول مطلق ـ بل بعضها صريح في ذلك ـ حتّى مع التمكّن من العلم ، كالمقبولة الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات ثمّ بالإرجاء حتّى يلقى الإمام عليه‌السلام ، فيكون وجوب الرجوع إلى الإمام بعد فقد المرجّحات.

__________________

(١) انظر الصفحة ٤٠ و ١٥٨.

(٢) هو المحدّث البحراني في الحدائق ١ : ٩٩ ـ ١٠٠.

والظاهر لزوم طرحها ؛ لمعارضتها بالمقبولة الراجحة عليها ، فيبقى إطلاقات الترجيح سليمة.

الموضع الثالث

الثالث : أنّ مقتضى القاعدة تقييد إطلاق ما اقتصر فيها على بعض المرجّحات بالمقبولة ، إلاّ أنّه قد يستبعد ذلك ؛ لورود تلك المطلقات في مقام الحاجة ، فلا بدّ من جعل المقبولة كاشفة عن قرينة متّصلة فهم منها الإمام عليه‌السلام أنّ مراد الراوي تساوي الروايتين من سائر الجهات ، كما يحمل إطلاق أخبار التخيير على ذلك.

الموضع الرابع

الرابع : أنّ الحديث الثاني عشر الدالّ على نسخ الحديث بالحديث ، على تقدير شموله للروايات الإماميّة ـ بناء على القول بكشفهم عليهم‌السلام عن الناسخ الذي أودعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم ـ هل هو مقدّم على باقي الترجيحات أو مؤخّر؟ وجهان :

من أنّ النسخ من جهات التصرّف في الظاهر (١) ؛ لأنّه من تخصيص الأزمان ؛ ولذا ذكروه في تعارض الأحوال ، وقد مرّ وسيجيء (٢) تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيحات الأخر.

ومن أنّ النسخ على فرض ثبوته في غاية القلّة ، فلا يعتنى به في مقام الجمع ، ولا يحكم به العرف ، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات الأخر ، كما إذا امتنع الجمع. وسيجيء بعض الكلام في ذلك (٣).

__________________

(١) لم ترد «في الظاهر» في (ت).

(٢) انظر الصفحة ١٩ و ٨١.

(٣) انظر الصفحة ٩٤ ـ ٩٥.